بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
ابراهيم خليل

30 ابريل 2017

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

المقالات

طوبى لصانعى السلام

318 مشاهدة

4 مارس 2017
بقلم : الاب بطرس دانيال


«إن الحرب تبدأ فى قلب الإنسان قبل أن تنزل إلى الميدان» من أقوال الأديب عباس محمود العقاد. نحن جميعاً نعلم جيداً أن كلمة «سلام» هى أفضل تحية بين العائلات والأقارب والأصدقاء والمحبين، وهذا ما نلمسه بكل وضوح فى تحياتنا عندما نتبادل السلام بعبارة: «صباح الخير»، وكلمة الخير هنا تحمل السلام والحب للآخرين، أيضاً تحية: «السلام عليكم» وقد قالها السيد المسيح لتلاميذه عندما دخل عليهم والأبواب مغلقة، ولكن هذه التحية العظيمة التى نتبادلها فيما بيننا، فقدت معناها الحقيقى والجوهرى بين الشعوب، لماذا؟ نستطيع أن نميّز بين نوعين من السلام: الأول وهو سلامنا الشخصى والداخلى، والثانى الذى يمنحنا إياه الآخرون.
ينبع السلام الشخصى من داخل الإنسان وخاصةً عندما تكون علاقته نقية وشفافة مع الله والآخرين. ولكن للأسف، هذا السلام نادر بين الشعوب والأشخاص، أما السلام الخارجى فهو متقلّب حسب علاقة الآخرين بنا ويتذبذب حسب تغيير الأمزجة والأجواء بين الأشخاص، مثال لذلك: عندما دعا أحد الأطفال أصدقاءه ليقيموا خيمةً كبيرة فى حديقة منزله، رحّب كل واحدٍ منهم فى الحال بهذه الفكرة وأحضر معه شيئاً ما: أعمدة الخيمة، القماش، السجاد، الوسادات، الحصير، المرآة وخلاف ذلك. تمّت هذه المهمة بنجاح وقضوا معاً أسبوعين فى صُحبة ممتعة مُفْعَمة بروح المحبة والسلام، ولكن حدث ما هو غير متوَقّع وتشاجر الرفقاء مع هذا الطفل، فصرخ فيهم قائلاً: «يجب أن تحترمونى لأنكم ضيوف عندى»، وبدأ صوته يعلو مرة تلو الأخرى، فاحتج الآخرون قائلين: «لكن كل هذه الأشياء الموجودة فى منزلك هى مِلْكٌ لنا»، ثم بدأ كل فردٍ منهم يأخذ أمتعته الخاصة عائداً إلى بيته تاركين صاحب الدعوة بمفرده ومجرداً من كل شيء. إذاً، نستطيع أن نتساءل: «ما هى المواد والخامات التى بُنيَ عليها سلامنا»؟ مرات عديدة نسمع أشخاصاً يشكون هكذا: «أنا فقدت سلامى الداخلى»، ويبين لنا الواقع أن هذا السلام لم يكن مِلْكَهم من الأساس، ولكنه من صُنْع الآخرين الذين أخذوا ما يخصّهم ولهم كل الحق فى هذا. كم مرة يحدث معنا مثل هذا بالتمام والكمال ونكتشف أن سلامنا مُكَوّن من مواد مِلْك الآخرين؟ فهناك مَنْ يمنحنا الثقة، ومَنْ يهبنا الابتسامة، ومَنْ يُقَدّر تعبنا فى العمل، ومَنْ يوفّر لنا الوقت وأشياء أخرى من هذا القبيل. نحن نعيش هذا السلام ما دامت كل الأمور على ما يرام، ولكن لم يعترف أحدٌ منّا بأنه كالشحاذ الذى يستعطى سلامه من الآخرين، أو أنه مكوّن من قطع تخصّهم، وعندما يحدث سوء تفاهم أو مصلحة ما، يبدأ كل واحدٍ فى استعادة ما يَخصّه ويتعامل معنا بصورة مخالفة عما قدّمه لنا من ذى قبل وبذلك ينحَل سلامنا الخارجى. وهذا أمرٌ طبيعى، لأن هذا السلام لم يكن مِلْكنا، ولكنه يبقى لفترة محدودة بحسب تقلّبات هَوى ومزاج الآخرين. وإذا ما اعترضتنا أدنى صعوبة، سرعان ما يتملّكنا الإحباط، ونسعى إلى التعزيات البشرية التى تخوننا. لكن سلامنا الحقيقى الداخلى، لا يستطيع أحدٌ أن ينزعه منّا مهما تغيّرت الظروف والمعاملات والعلاقات، لأن السلام الحقيقى والدائم هو عطية من الله تعالى للإنسان، ويشعر بهذا كل شخص يقوم بواجبه بإخلاصٍ وأمانةٍ وحب ويَمْلُك ضميراً حيّاً. مَنْ يريد أن يحيا فى سلامٍ داخلى، لا ينشغل بأقوال الناس وأفعالهم وبما لا يعنيه. كيف يثبت فى السلام مَنْ يتدخل فى شئون غيره، وقلّما يعود إلى داخل نفسه؟ نقرأ هذا المَثَل فى الروحانية الصوفية: وَجَدَ عصفور صغير قطعة كبيرة من الطعام فالتقطها بمنقاره وطار لأعلى، ولكن تتبعه سرب من الطيور وخطف منه هذه القطعة، أما هو فلم يستطع مقاومتهم فترك لهم ما تبقّى من الطعام وبدأ يُحَلّق فى السماء متأملاً هكذا: خسرتُ طعامى ولكننى رَبِحْتُ سمائى مرةً أخرى». إذاً، التخلى عن الأشياء المادية يمنحنا نبعاً من السلام والصفاء، لأن الحروب والمعارك تولد من الصراعات على الخيرات والموارد الأرضية، فنجد ثقافة الخطف والنزع من أفواه الآخرين والخداع والكذب والبغض وخلاف ذلك. ولكن مَن يستطيع أن يتحرر من كل هذا يكتشف صفاء السماء وجمال الطبيعة ويعود إلى سلامه مرة أخرى. البسطاء هم الذين يتمتعون بالسلام الداخلى، ونحن أيضاً نستطيع أن نجلب سلاماً لأنفسنا وفرحاً للآخرين بحُسن سيرتنا. ويقول السيد المسيح لتلاميذه: «السلام أستودعكم، سلامى أمنحكم، لا أعطيكم أنا كما يُعطى العالم». لأن سلام العالم مبنى على الخداع والمصلحة وهو متقلَّب دائماً. الإنسان المُسالِم يُحَوّل كل شيء إلى خير، ومَنْ يَثبت فى السلام الحقيقى والداخلى لا يسيء الظن أبداً، أما القَلِق المضطرب فتتغلّب عليه كل أنواع الظنون ولا يشعر بالراحة كما أنه لا يَدَع الآخرين ينعمون بالراحة. ويقول القديس فرنسيس الأسيزى: «يارب اجعلنى أداةً لسلامك، فأضعَ الحُبَّ حيثُ البغض، والمغفرةَ حيثُ الإساءة، والاتفاقَ حيثُ الخِلاف والحقيقةَ حيثُ الضلال والإيمانَ حيثُ الشك والرجاءَ حيثُ اليأس والنورَ حيثُ الظلمة والفرحَ حيثُ الكآبة».
ما أجمل وأروع رسالة كل واحدٍ منّا فى هذه الحياة إذا استطاع أن يكون أداةً للسلام فى عائلته ومحيطه وعمله وفى كل مكان! نجد أُناساً يعيشون بسلامٍ مع أنفسهم ومع الآخرين أيضاً، ومنهم مَنْ لا يعيشون بسلام ولا يَدَعُون أحداً ينعم به وبذلك يُصْبحون ثقلاً على غيرهم وعلى أنفسهم أيضاً. لذا يُرنّم داود النبى فى المزمور: «السلام والبِرّ تعانقا»، مَنْ لا يُحِب البرّ فلن يكون له سلام، لأن البرّ والسلام يتحابان ويتعانقان. ومعنى هذا أن البرّ يطلب منّا ألا نفعل سوءًا وأن نبتعد عن الشر ونعمل الخير، وهذا هو حُب البرّ الذى به نستطيع أن نطلب السلام ونتبعه. ويقول الزعيم الهندى غاندى: «إن دعوتى لعدم العنف لا يمكن إلا أن تنتصر فى النهاية، فليس هناك عدو، مهما كانت قوته أو وحشيته، يستطيع أن يقاوم نيران الحب»، ولكن الواقع الذى نعيشه الآن فى عالمنا هو مُخْزى ومُبْكى نتيجة ما يحدث بين الشعوب من دمار وخراب وحرب، كم مِنْ ملايين سُفِكت دماؤهم؟ وكم مِنْ ملايين تَشَرّدوا؟ وكم مِنْ ملايين أصبحوا يتامى وأرامل؟ وكم مِنْ ملايين أصبحوا بلا مأوى وملبس ومأكل؟ كم هى ملعونة هذه الحروب؟ أين ذهب السلام؟ كيف نُعيده؟ متى نحصل عليه؟ لن نحقق هذا دون أن نحترم حرية الآخرين ولا نتعدى عليهم، وإن لم يَعُم العدل فى العالم كله.
نطلب من الله أن يمنحنا ذاكرة ضعيفة تنسى إساءات الناس، وذاكرة قوية تُسجّل أفضالهم. ما أروع كلمات المُفَكّر ميخائيل نُعيمة الموَجّهة لمواطنى بلده: «أنتم شجرة الحياة: فاحذروا من أن تُجَزّأوا أنفسكم.. احذروا من أن تُقيموا ثمرة ضد ثمرة، أو غصناً ضد غصن أو ورقة ضد ورقة». يا ليتنا نعود مرةً أخرى إلى السلام الحقيقى بين الشعوب، وليس إلى الهدنة التى فيها يستعد كل طرف لإعداد عُدّة الحرب وتهيئة نفسه للانتصار، وكما يقول الحكيم: «الرُكَب الساجدة أقوى من الجيوش الزاحفة». ونختم بكلمات الشاعر العظيم طاغور: «يا الله... إذا أساءَ إليَّ الناس هَبْنِى شجاعةَ التسامح، إذا أسأتُ أنا إلى الناس هَبْنِى شجاعةَ الاعتذار».
 




مقالات الاب بطرس دانيال :

احذروا!
«الموت يزول»
بِحُبِّك... سأصيرُ أفضل
إخوة.. ولكن..
أنتِ أمٌ ... وكفى!
أنـا لا أخـاف الله
يظل القريب بعيداً
الارتقاء بالذوق العام هو دور المبدعين الحقيقى
بقلم رئيس التحرير

مصر بيت الأمل وليست مغارة للفساد والإرهاب
بئر الفساد فى مصر عميقة وتكاد أن تكون من دون حاجز، ونفق الفساد طويل، ويكاد أن يكون من دون نهاية، فهل سيكتمل التحدى لإغلاق هذه الب..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

اللواء أسعد حمدي
الإرهاب والدهس
منير سليمان
محاولة للفهم!
الاب بطرس دانيال
احذروا!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF