بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

18 سبتمبر 2019

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

المقالات

«أخضر يابس».. فضيلة الاختزال!

2496 مشاهدة

11 نوفمبر 2017
بقلم : عصام زكريا


كثيرة هى الأعمال الفنية الجيدة، ولكن قليلة هى الأعمال الفنية «المتميزة»، أى التى تتمتع بخصوصية ما تميزها عن غيرها، قد تكون الأسلوب الذى يتسم به الفنان، وقد تكون نظرته المختلفة إلى العالم، ونادرة هى الأعمال التى ينبع تميزها من كونها تعيد صياغة الفن نفسه وتعريفه من جديد، وفى تصورى أن هذه الخصوصية بالتحديد هى التى تميز الفنان عن «محترفى مهنة الفن» وهم كثير!

الفرق بين الفنان ومحترف الفن، أو الفنان الموظف، أو الموظف بدرجة فنان، يكمن بالتحديد فى هذه النقطة: الفنان يتساءل طوال الوقت عن معنى الفن ودوره وأصول صنعته وعن إمكانيات الوسيط الفنى الذى يعمل به، والعباقرة، مثل بيتهوفن فى الموسيقى أو فان جوخ فى التصوير أو كافكا فى الأدب أو إيزنشتين وهيتشكوك وفللينى فى السينما، هم الذين يعيدون تشكيل هذا الوسيط، فيبدو كما لو أنهم يصنعون فنًا جديدًا لم يكن يتوقعه أو يتخيله أحد قبلهم.
لقد سيطر الفنانون متوسطو الموهبة، والفنانون الموظفون، والموظفون الذين يعملون كفنانين ومنتجين وموزعين، على صناعة السينما المصرية، مثلما سيطر أشباههم فى كل مجالات الإبداع والابتكار الأخري، حتى بات من شبه المستحيل ظهور سينما مختلفة تعيد تشكيل وتعريف السينما المصرية التى أصبحت مثل الطعام البائت فى ثلاجة لا تفرغ ولا تمل أبدًا من محتواها.
لذلك تنتابنا السعادة، حتى لو كانت عابرة، والتفاؤل، حتى لو كان مبالغًا فيه، عندما نجد فنانًا يغامر بالخروج على تقاليد إنتاج وصنع الأفلام فى مصر، وتتضاعف السعادة عندما تكون النتيجة عملاً فنيًا متميزًا واستثنائيًا فى مسيرة هذه السينما العجوز.
فيلم «أخضر يابس» لمخرجه ومؤلفه ومنتجه محمد حماد، ينتمى إلى هذه الأفلام الاستثنائية، ليس فقط بسبب مستواه الفنى المرتفع، أو أسلوبه الفنى المختلف، وإنما أيضا لطريقة إنتاجه المستقلة تمامًا عن المعادلات السائدة هذه الأيام سواء فى مجال الأفلام التجارية السائدة أو المستقلة.
هذا فيلم يدويhandmade  مثل لوحة مرسومة أو سجادة مشغولة أو تمثال منحوت لم يمر على ماكينات وقوالب صنع الأفلام فى مصر.. قطعة ملابس مشغولة يدويًا لم تمر على ماكينة خياطة أو مقص آلى أو «باترون» بمقاسات ومواصفات سابقة التجهيز.. أو على الأقل يبدو كذلك فى معظم عناصره.
من السيناريو الذى يتفتح أمامنا مثل زهرة تنمو أمام أعيننا، بدون حوار شارح مفتعل، أو لقطة توضيحية مقحمة، بدون «دراما» تتصارع فيها الشخصيات ضد بعضها البعض أو ضد الأقدار والظروف، وإنما هى شخصيات عادية قد تميل إلى الطيبة والكرم أو القسوة والأنانية أحيانًا، ولكن يصعب علينا تقييمها أو الحكم عليها، شخصيات تمر بظروف عادية مثلها، حتى لو كانت تعانى من ضربات الموت والمرض، فهي، مثل الفيلم، تتعامل مع هذه الظروف باعتبارها من مسلمات الحياة وسنتها، إلى الحوار الذى يتكون من عبارات قليلة متناثرة، تخفى أكثر مما تبوح عن الشخصيات وطباعها وعلاقاتها وماضيها، بدون مواجهات كلامية أو جمل بليغة من التى اعتادت شخصيات الأفلام على التفوه بها، وبدون مونولوجات تتحدث فيها الشخصيات عن نفسها ومشاعرها الداخلية، بل حتى بدون بكاء أو ضحك ولو لمرة واحدة، ومن الشخصيات والحوار إلى الممثلين الذين لا يمثلون تقريبًا، وهم مجموعة من غير المحترفين ممن تراهم يوميًا، ملامحهم عادية جدًا لم يمروا على مدارس فنون التمثيل وتقنياته، بدون ماكياج أو ملابس لافتة أو شوارب صناعية، يتحدثون ويتحركون ويفكرون بشكل طبيعي، كما لو أنهم لا يدركون وجود الكاميرا، أو كأنهم أناس عاديون تتلصص الكاميرا على حياتهم الفعلية.. أو هكذا تبدو معظم المشاهد على الأقل.
«إيمان» التى تؤدى دورها «هبة علي» فتاة تقترب من الثلاثين لم تتزوج بعد، تعيش مع أختها الصغرى الطالبة الجامعية، تزور «إيمان» الطبيب وتجرى بعض التحاليل لمعرفة سبب انقطاع الطمث عنها، فى الوقت الذى تزور فيه أعمامها الثلاثة لإقناع أحدهم بحضور خطبة أختها نيابة عن أبيها وأخيها المتوفين.. ويتتبع الفيلم حياة «إيمان» خلال عدة أيام حتى موعد الخطوبة، وهو اليوم الذى يصاب فيه عمها الكبير، الوحيد الذى أبدى استعداده لحضور الخطوبة، بأزمة صحية وينقل إلى المستشفي، مما يؤدى إلى تأجيل موعد الخطوبة، كما تظهر نتيجة تحاليل «إيمان» لتكتشف أن الطمث قد انقطع عنها إلى غير رجعة.
يؤكد فيلم «أخضر يابس» أن سر الفن يكمن فى الاختزال، ويذكرنى بقصص «أرنست هيمنجواي»، صاحب نظرية «جبل الجليد العائم»، التى تعتمد على الحوار المختزل والوصف المقتصد، بحيث يترك للقارئ تخمين المشكلة والصراع الدرامى وحجم المعاناة التى تمر بها الشخصية. من أبرز الأمثلة على ذلك ما يتعلق بالأخ المتوفى للشقيقتين اللتين تعيشان بمفردهما. لا يذكر الأخ سوى مرة واحدة فى جملة عابرة، ثم نرى صورة صغيرة قديمة لطفل صغير فى محفظة الأخت الكبري، أثناء قيامها بسحب ورقة التحاليل الطبية من المحفظة، فنخمن أنها صورة الأخ، ثم نرى صورة صبى معلقة على الجدران خلف الأختين، فندرك أن ذكرى الأخ المتوفى تهيمن على البيت، وأنهما تعانيان من اليتم والوحدة. نفس الأمر ينطبق على العلاقة التى تجمع بين الشقيقتين، أنهما لا تتبادلان أسرارهما أو مشاعرهما، وإنما الكلمات الجافة معظم الوقت، ولكن ارتباطهما وحبهما كل منهما للأخرى يظهر من خلال كلمات قليلة عابرة أو بالأحرى من خلال عبارات تبدأ على الشفتين، ولكن لا يتم التفوه بها.
تبدو حياة «إيمان» خالية من الدراما والحركة، ولكن بالتدريج وبطرق غير مباشرة نعرف أنها كانت مرتبطة بابن عمها الكبير، وأنها تحمل غضبًا شديدًا تجاهه، ولكننا لا نعرف سبب انفصالهما أو سر غضبها، وعندما يخبرها ابن العم فى النهاية أنه طلق زوجته ويلمح لإمكانية ارتباطهما مجددًا، يكون المشهد التالى هو معرفتها بنتيجة التحاليل.
يبدو أداء الممثلة الرئيسية، وباقى الممثلين، كما لو أنه يخلو من الدراما والتعبير، ويترك للمشاهد محاولة معرفة ما يدور بين الشخصيات، وقراءة وجوه الممثلين الجامدة لمعرفة مشاعرها وأفكارها تجاه ما يحدث.. ولا يستخدم المخرج أى نوع من الموسيقى التصويرية أو الأغانى فى الخلفية ليوحى لنا بما يدور داخل الشخصيات، ولكنه يعتمد على مجموعة كبيرة من الاستعارات البصرية مثل زهور الصبار اليابسة فى شرفة المنزل أو الحيطان الجرداء المتآكلة التى لا تثبت فيها المسامير، أو سلحفاة الماء الصغيرة التى تقضى حياة مملة مختنقة إلى أن تنقلب على ظهرها لتحتضر ببطء فى النهاية، أو الثلاجة التى لا تعمل فى محل الحلويات الذى تعمل به، أو الترام القديم الذى تستقله «إيمان» فى الذهاب إلى عملها فى مقارنة بالمترو الحديث السريع الذى يمر من أمام بيتها.
قد يكون «أخضر يابس» متعبًا للمتفرج الكسول، الذى أدمن ميلودراما الأفلام والمسلسلات المصرية السائدة، ولكن اعتماد الفيلم على الجهد الذى يبذله المتفرج وقدرته على قراءة الصور ووجوه الممثلين يجعل الفيلم ينحفر داخل العقل والقلب بشكل أعمق بكثير جدًا من كل الأفلام التى تمتلئ بالجمل الرنانة والدموع والصراخ والحركة الصاخبة لإخفاء سطحيتها وافتعالها وجفافها الداخلي.
نقطة أخرى تتعلق بأسلوب الفيلم هى وجهة النظر التى نتعرف بها على الحكاية وشخصياتها. منذ اللحظة الأولى وحتى الأخيرة نحن نرى العالم ونسمعه من وجهة نظر «إيمان» فقط، باستثناء لقطتين أرى أنهما من أخطاء الفيلم القليلة جدًا، وهما اللقطة التى ينظر فيها ابن العم من شرفة منزله بعد انصرافها، واللقطة التى تتقدم فيها الأخت من غرفة «إيمان» المغلقة وتهم بالطرق على الباب ثم تنصرف.. باستثناء هذه الثوانى يلتزم الفيلم بوجهة نظر الكاميرا التى تجعلنا نعيش داخل عقل وعيون وآذان الشخصية الرئيسية، لا نستطيع الفكاك من متابعتها أو النظر إليها من الخارج.
ورغم أن «أخضر يابس» ينتمى فى بعض عناصره إلى «الواقعية الخشنة» التى تتسم بها أعمال جماعة «دوجما 95» الدنماركية أو أعمال الأخوين داردان البلجيكيين، فإن احتشاده بالصور الشعرية واللقطات المقربة جدًا لبعض التفاصيل يجعل منه فيلمًا ذاتيًا جدًا.. وفى هذا المزج بين الواقعية والذاتية يكمن سر الفيلم وأسلوبه وتميزه. 




مقالات عصام زكريا :

زينب والعرش.. من كوكب تانى
لـ«روما» نصيب الأسد وفنانو العالم يجتاحون الأكاديمية الأمريكية!
من أين يأتى كل هذا الخوف؟
السادات ممثلا.. من مسرح المدرسة إلى مسرح مصر
فى «كارما» خالد يوسف: العدالة الاجتماعية أو الجحيم!
«الإساءة لسمعة مصر» فى إعلانات رمضان!
« الفهد الأسود».. أفكار عميقة وسينما ساذجة
أفضل فيلم لـ«قوام الماء».. السيناريو لـ«اخرج من هنا».. والتصوير لـ«حد الشفرة 2049»
قصيدة فى مديح الصحافة وصفعة على وجه ترامب!
عذاب الهزيمة.. وعذوبة البكاء عليها!
سينما الإعلام السياسى!
المخرج الذى يحلم أن يكون راقصاً!
النوايا والمواهب الطيبة لا تكفى لصنع الأفلام!
بقلم رئيس التحرير

الوعي الزائف!
فى السياق التقليدى للحروب النظامية، فإنَّ أى «فعل عسكرى» يسبقه – فى الأغلب – مجموعة من التصادمات السياسية..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
د. فاطمة سيد أحمد
« حرائر البنا» و«تحية الجبيلى» (6)
محمد جمال الدين
حدث فى المترو!
د. مني حلمي
الصيف يطفئ سيجارته الأخيرة
اسامة سلامة
«بأى حال عدت يا مدارس»؟
د. حسين عبد البصير
البناءون العظام

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF