بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

20 سبتمبر 2019

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

المقالات

عذاب الهزيمة.. وعذوبة البكاء عليها!

1940 مشاهدة

13 يناير 2018
بقلم : عصام زكريا


لحظتان هما الأكثر «درامية» فى حياة الرئيس جمال عبدالناصر، ونظام ثورة يوليو عموما، الأولى هى إعلان تأميم قناة السويس فى 26 يوليو عام 1956، والثانية هى إعلانه التنحى عن منصبه فى التاسع من يونيو 1967.

تجسد اللحظة الأولى ذروة الانتصار والصعود لاسم عبدالناصر ومكانته كزعيم عالمى وشعبيته كقائد عربى، كما يجسد التأميم حلم الاستقلال والقوة واستعادة الكرامة للشعب العربى كله، بينما تمثل الثانية قسوة الهزيمة والسقوط وانهيار الأحلام.
هاتان اللحظتان هما الأكثر ظهورا على شاشات السينما والتليفزيون. قرار وخطاب التأميم ظهر فى عدة أفلام ومسلسلات خاصة التى تناولت حياة عبدالناصر كما صنع عنهما فيلم كامل هو «ناصر 56» للمخرج محمد فاضل الذى اقتصر على تصوير الأيام السابقة على قرار التأميم وحتى تنفيذه، وكان الهدف بوضـوح هو تخــليد لحظـة النصــر وعظمــة عبدالناصر،ولطالما استخدمت الأفلام والمسلسلات يوم التأميم باعتباره رمزًا للعزة والكرامة وشجاعة عبد الناصر ونظامه، وكذلك كنوع من الحنين لتلك الأيام المجيدة.
لكن خطاب التنحى ظهر على الشاشات (ونحن نتحدث هنا عن الأفلام والمسلسلات الروائية وليس الأفلام أو البرامج الوثائقية) أضعاف أى ظهور آخر لشخصية عبدالناصر، بما فى ذلك خطاب التأميم، وقد ظهرت لحظة التنحى فى سياقات وأهداف درامية مختلفة ومتعارضة، بل كانت هذه اللحظة هى أول ظهور فعلى لعبدالناصر فى السينما الروائية عندما جسدها المخرج يوسف شاهين فى واحد من أفضل مشاهد فيلم «العصفور»، الذى صنع عام 1972ولم يسمح بعرضه إلا عام 1974.. بعد حرب أكتوبر التى كرست مكانة الرئيس أنور السادات وطوت صفحة عبدالناصر ونظامه.
فى هذا المشهد الطويل والمؤثر من فيلم «العصفور» تكمن بذور وفروع كل المشاهد الأخرى للحظة التنحى.
قرب نهاية الفيلم الذى يتناول الحياة السياسية والاجتماعية فى مصر قبل حرب أو نكسة 1967 مباشرة يقطع الفيلم بين مشهدين يدوران فى الوقت نفسه: يوسف، سيف عبدالرحمن، الشاب الحالم، الذى يرفض الحياة مع زوج أمه ضابط الشرطة الكبير، وينضم إلى «شلة» المثقفين اليساريين ينام فجر الخامس من يونيو ويستغرق فى حلم جنسى طويل مع فاطمة، حبيبة، ابنة السيدة الشعبية بهية، محسنة توفيق، بينما نستمع إلى كلمات خطاب من أخيه غير الشقيق، رياض، محمود قابيل، الضابط بالجيش يتحدث فيه عن حالتهم على الجبهة وعن الفارق بين حياتهم وحياة المدنيين فى بيوتهم، ومع تصاعد المشهد وصولا إلى لحظة الذروة الجنسية يقطع شاهين بلقطات وثائقية للحرب وعلى الأخ وهو يلقى مصرعه على الجبهة.
يصرخ رءوف فى نومه وتوقظه بهية وابنتها على أخبار حرب 67، ثم نشاهد على مدى لقطات متنوعة لردود الفعل على أخبار الراديو الكاذبة عن الحرب، وظهور الحقيقة تدريجيا، قبل أن تتجمع «الشلة» فى بيت بهية لتشاهد خطاب الرئيس على شاشة التليفزيون. يبدأ الخطاب مع تقطيع على لقطات لشوارع القاهرة التى خلت من المارة تقريبا، ثم نستمع إلى بعض عبارات الخطاب التى أصبحت منذ ذلك الحين «مأثورًا» دراميا فى العديد من الأفلام والمسلسلات. بوجهه الكاريزماتى الوسيم وعيونه الكحيلة الحزينة وانحناءته المكسورة وصوته العاطفى الحنون يعترف الزعيم الجبار بالهزيمة الموجعة ومسئوليته عنها:
«أيها الإخوة: لقد تعودنا معًا فى أوقات النصر وفى أوقات المحنة.. فى الساعات الحلوة وفى الساعات المرة، أن نجلس معًا، وأن نتحدث بقلوب مفتوحة، وأن نتصارح بالحقائق، مؤمنين بأنه من هذا الطريق وحده نستطيع دائمًا أن نجد اتجاهنا السليم، مهما كانت الظروف عصيبة، ومهما كان الضوء خافتا. ولا نستطيع أن نخفى على أنفسنا أننا واجهنا نكسة خطيرة خلال الأيام الأخيرة، لكنى واثق أننا جميعاً نستطيع، وخلال مدة قصيرة أن نجتاز موقفنا الصعب، وإن كنا نحتاج فى ذلك إلى كثير من الصبر والحكمة والشجاعة الأدبية. ومقدرة العمل المتفانية.. ولقد اتخذت قرارًا أريدكم جميعًا أن تساعدونى عليه. لقد قررت أن أتنحى تمامًا ونهائيًا عن أى منصب رسمى وأى دور سياسى، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدى واجبى معها كأى مواطن آخر».
مع الجمل الأخيرة تسيل دموع البعض وينفجر آخرون بالبكاء، ما عدا بهية التى تصيح: «لا.. أبدا.. هنحارب» وتعدو إلى الشوارع تردد العبارة نفسها، وتفتح النوافذ المغلقة وينزل الناس إلى الشارع لينضموا إلى بهية لتتشكل مظاهرة كبيرة تهتف: هنحارب.. نموت نموت وتحيا مصر.. ولا إشارة هنا إلى مطالبة الرئيس بالتراجع عن الاستقالة...ثم تنزل أغنية الختام «مصر يا أمة يا بهية» للشيخ إمام.
يدور فيلم «العصفور» حول الفساد المالى والإدارى داخل القطاع العام وأجهزة الدولة، والتطبيق الخاطئ للاشتراكية، والجنوح عن أهداف الثورة: «إحنا بنتكلم ثورة ونكتب ثورة، لكن مبنعملش ثورة» كما يقول الصحفى يوسف، فى أحد المشاهد.
تنحى عبدالناصر كان يمثل ذروة هذا الفشل والهزيمة، وبالرغم من أن الفيلم، مثل اليسار عموما، لم يحمل القائد المسئولية المباشرة عن هذه الهزيمة، وقام بإزاحتها على الفاسدين من رجال الصف الثانى والثالث، إلا أنه ينتصر فى خاتمته للشعب وثورته على اليأس والفساد.
خطبة التنحى ظهرت منذ ذلك الحين فى أعمال كثيرة معظمها صورها على طريقة «العصفور»، عبر وسيط التليفزيون أو الراديو الذى يبث الخطاب، كخلفية للشخصيات الرئيسية فى العمل وردود فعلها على ما تسمعه. من أشهر هذه الأعمال مسلسل «رأفت الهجان»، الذى نشاهد فيه نوعين من ردود الفعل على الخطاب: الأول هو رد فعل الإسرائيليين مجسدين فى شخصيتى ضابط الموساد عامون، أبو بكر عزت، والسياسية سيرينا، تهانى راشد، الأول مغتبط ومتهلل باستقالة عبدالناصر والثانية متفكرة ومتشككة، أما رد الفعل الثانى الذى نراه بالتوازى مع رد فعل عامون وسيرينا فهو رد فعل الجاسوس رأفت الهجان، المزروع فى قلب إسرائيل، ويستمع إلى الخطاب بمفرده، ليصرخ ويبكى مرددا «لا يا ريس.. لا يا ريس»، ثم يهذى مرددا أنه قام بإرسال كل المعلومات المتعلقة بموعد الضربة، فلماذا لم يتخذوا حذرهم. وهو بالفعل سؤال مطروح لم يجب عنه المسلسل ولا المعنيون بالأمر حتى الآن؟!.
الغريب فى المسلسل الذى أخرجه يحيى العلمى، وهو مخرج تليفزيونى كبير بالقطع، أن الشخصيات الثلاثة يستمعون لخطبة عبدالناصر عبر الراديو، لأن الفضائيات لم تكن قد ظهرت بعد، ولكن المسلسل يقطع عدة مرات على شاشة تليفزيون فى مكان غير معلوم تبث الخطاب، ولا أعلم لماذا قطع على شاشة تليفزيون بدلا من أن يقطع على مشهد الخطاب نفسه بدون وسيط؟!
من المشاهد الشهيرة لخطبة التنحى أيضا نجدها فى فيلم «أحلام صغيرة» للمخرج خالد الحجر، 1993، الذى يدور حول صبى من مدن القناة اسمه غريب،يموت أبوه خلال مقاومة العدوان الثلاثى عام 1956، ويبحث عن أب بديل ممثلا فى أحد زملاء أبيه، وفى عبدالناصر نفسه، وعندما يستمع إلى خطاب التنحى قرب نهاية الفيلم، ينضم إلى الجماهير التى نزلت لتطالب الرئيس بالعدول عن الاستقالة، ولكنه يلقى مصرعه تحت عجلات إحدى السيارات وسط الزحام.
«أحلام صغيرة» مرثية للستينيات، وللأب المقتول، ولكنه مرثية أكبر للجيل الذى صدق عبدالناصر وأحلام الثورة ثم استيقظ على الهزيمة المدوية، وهو يحمل أيضا نقدا غير مباشر لتعلق المرضى بصورة الأب والنتيجة المأساوية التى يدفعها الأبناء عادة بسبب سيرهم الأعمى وراء الآباء الزعماء.
فكرة مشابهة يحملها فيلم «بحب السيما»، إخراج أسامة فوزى 2004،  الذى يحمل نقدا شديدا للتزمت الدينى والمؤسسة الأبوية التى تفرض هذا التزمت وتغذيه، من خلال أسرة مصرية مسيحية فى فترة الستينيات، وبالتحديد العلاقة بين أب متزمت،  وزوجته الشابة،وطفلهما الذى يعشق الحياة والسينما، يوسف عثمان. وقرب نهاية الفيلم، نستمع إلى خطبة التنحى عبر الراديو، بينما الأب الذى أدرك خطأ تزمته، يصحب ابنه فى نزهة بالدراجة ويموت أثناء ذلك.
«بحب السيما» لا يتعرض للسياسة بشكل مباشر، ولكنه يربط بذكاء بين القمع والنفاق والكذب الدينى والسياسى، وتأتى خطبة التنحى مع موت الأب فى النهاية لتوحى بانقشاع الكذب والقهر.
تناول آخر معاكس للحظة التنحى نجده فى فيلم «يوم الكرامة»، إخراج على عبد الخالق، 2004، الذى يبدأ بلحظة الهزيمة والتنحى، ليتتبع بعدها استعادة القوات المسلحة المصرية، مع التركيز على القوات البحرية، لنفسها وثأرها عبر سلسلة من العمليات الانتقامية كان على رأسها إغراق المدمرة إيلات الإسرائيلية. وهى الفكرة نفسها التى نجدها فى فيلم «حائط البطولات»، إخراج محمد راضى، الذى سبق «يوم الكرامة» إنتاجا، ولكنه لم يعرض سوى عام 2014، حيث يقال أن الفيلم كان ممنوعا من العرض لأن الرئيس الأسبق مبارك كان لديه ملاحظات سلبية عليه بالرغم من أنه يركز بالكامل على بطولات سلاح الدفاع الجوى عقب هزيمة يونيو وتدمير معظم طائرات الأسطول المصرى، وحتى انتصار أكتوبر.
فى الحقيقة يجب أن نشير إلى هزال الفيلمين الأخيرين، اللذين يتغنيان بالانتصار، وهو هزال تعانى منه معظم أفلام الحرب التى ننتجها، على العكس من الأفلام الدرامية التى وجدت تعبيرها الأمثل فى الرثاء للهزيمة.
من ناحية ثانية ظهرت خطبة التنحى فى أعمال بيوجرافية وتاريخية ليس فقط التى تروى حياة الرئيسين عبدالناصر والسادات، مثل فيلم «أيام السادات» لمحمد خان، 2001، و مسلسلات «ناصر» 2013، و«صديق العمر»، 2016، ولكن فى أعمال تروى سير مشاهير آخرين مثل مسلسل «أم كلثوم» لإنعام محمد على و«كوكب الشرق» لمحمد فاضل، وكلاهما عرض عام 1999، حيث يتعرض الاثنان لعلاقة أم كلثوم بعبدالناصر وصدمتها الشديدة فى النكسة. كذلك فيلم «حليم» لشريف عرفة،ومسلسل «العندليب» لجمال عبدالحميد، وكلاهما ظهر عام 2006 (!!)، حيث يتعرضان لعلاقة المغنى عبدالحليم حافظ بعبدالناصر وتأثير النكسة عليه، وفى هذه الأعمال كلها يتكرر مشهد بث خطبة التنحى مع تلقى الأبطال للخبر.. ليس فقط باعتباره خبرا «سياسيا» سيئا، ولكن باعتباره خبرا «شخصيًا» يمثل صدمة هائلة ومفترق طرق دراميًا فى مسيرتهم.>


 




مقالات عصام زكريا :

زينب والعرش.. من كوكب تانى
لـ«روما» نصيب الأسد وفنانو العالم يجتاحون الأكاديمية الأمريكية!
من أين يأتى كل هذا الخوف؟
السادات ممثلا.. من مسرح المدرسة إلى مسرح مصر
فى «كارما» خالد يوسف: العدالة الاجتماعية أو الجحيم!
«الإساءة لسمعة مصر» فى إعلانات رمضان!
« الفهد الأسود».. أفكار عميقة وسينما ساذجة
أفضل فيلم لـ«قوام الماء».. السيناريو لـ«اخرج من هنا».. والتصوير لـ«حد الشفرة 2049»
قصيدة فى مديح الصحافة وصفعة على وجه ترامب!
«أخضر يابس».. فضيلة الاختزال!
سينما الإعلام السياسى!
المخرج الذى يحلم أن يكون راقصاً!
النوايا والمواهب الطيبة لا تكفى لصنع الأفلام!
بقلم رئيس التحرير

الوعي الزائف!
فى السياق التقليدى للحروب النظامية، فإنَّ أى «فعل عسكرى» يسبقه – فى الأغلب – مجموعة من التصادمات السياسية..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
د. فاطمة سيد أحمد
« حرائر البنا» و«تحية الجبيلى» (6)
محمد جمال الدين
حدث فى المترو!
د. مني حلمي
الصيف يطفئ سيجارته الأخيرة
اسامة سلامة
«بأى حال عدت يا مدارس»؟
د. حسين عبد البصير
البناءون العظام

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF