بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

17 سبتمبر 2019

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

المقالات

قصيدة فى مديح الصحافة وصفعة على وجه ترامب!

1819 مشاهدة

27 يناير 2018
بقلم : عصام زكريا


فى زمن هانت فيه مهنة الصحافة وأهينت من قبل الجميع، من السياسيين وأصحاب المال والنفوذ الذين يحولون الصحفيين إلى سعاة ويشوهون سمعة العاملين بها، إلى أجيال الإنترنت والتابلت، الذين يحتقرون الورق، ويختلط عليهم الأمر بين الصحفى الباحث عن الحقيقة وكل من يكتب خبرًا مضروبًا أو «بوست» شخصيًا على صفحته على الـ«فيس بوك» و«تويتر»، إلى الصحفيين أنفسهم الذين لا يعرفون قدر مهنتهم ولا قدرتها.
 فى هذا الزمن الذى تحتضر فيه واحدة من أشرف المهن دون أن يبكيها أحد، يأتى ستيفن سبيلبرج، أنجح مخرج فى تاريخ السينما، ومعه اثنان من أنجح الممثلين وأكثرهم شعبية، وهما: ميريل ستريب وتوم هانكس، وكاتب السيناريو جوش سينجر الحائز على الأوسكار منذ عامين عن فيلم «سبوت لايت» الذى يعالج قصة حقيقية كانت فيها الصحافة والصحفيون أبطالاً يتحدون واحدة من أعتى المؤسسات الدينية ويكشفون عن الانحرافات والفساد الذى ينخر بداخلها.. يأتى هؤلاء ومعهم كتيبة من خيرة مبدعى السينما الأمريكية ليقدموا فيلمًا هو بمثابة قصيدة فى حب الصحافة ودفاعًا عن حريتها وتقديرًا لدورها فى بناء الأمم العظيمة، وبمثابة صفعة على وجه كارهيها، وأولهم الرئيس دونالد ترامب، الذى يعادى الصحفيين ويحاول ترهيبهم وتكميم أفواههم بكل ما يملك من سلطة وسلاطة لسان.
الفيلم بعنوان «ذا بوست»، The Post وهو الاسم المختصر لصحيفة «ذا واشنطون بوست»، وهى واحدة من أهم وأقدم الصحف اليومية فى الولايات المتحدة، وقد خلدتها السينما فى الفيلم الشهير «كل رجال الرئيس»، 1976، الذى يتناول فضيحة «ووترجيت» ودور صحفيى «الواشنطون بوست» بوب وود وكارل بيرنستين فى كشف قيام الرئيس نيكسون وإدارته بالتجسس على خصومه، وهى الفضيحة التى أدت للإطاحة به بعد إجباره على تقديم استقالته.
«ذا بوست» يتناول أيضًا قصة تاريخية حقيقية، سبقت «ووترجيت» بشهور، وكانت بمثابة البروفة، أو الفصل الأول، للمعركة التى نشبت بين نيكسون والصحافة.
نحن فى أوائل السبعينيات، حرب فيتنام مر عليها خمسة عشر عامًا، وتناوب عليها خمسة رؤساء، وكل الإدارة الأمريكية تعرف أنها حرب خاسرة، وأن كل يوم يمر يعنى المزيد من الخسائر فى الأرواح والمال، ولكن أحدًا لا يريد الاعتراف بذلك، وماكينة الدعاية «الوطنية» تمنع الناس من التساؤل أو البحث عن الحقيقة.
شخص واحد فقط، هو المحلل العسكرى دانيال الزبرج - يلعب دوره فى الفيلم ماثيو ريس- يفيض به الكيل ويرى أن أكاذيب الإدارات المتعاقبة لا بد أن يتوقف وأن الوطنية تحتم عليه أن يتدخل، ويلجأ للصحافة الحرة فيرسل ما لديه من وثائق «سرية» للبنتاجون إلى صحيفة «نيويورك تايمز»، التى تنشر بعض هذه الوثائق التى تثبت بالدليل القاطع أنها حرب خاسرة وأن السياسيين يدركون ذلك جيدًا، ولكنهم مستمرون فى التضحية بشباب البلد.
تنقلب الدنيا ويثور الرئيس ريتشارد نيكسون ويستصدر حكمًا بإيقاف الصحيفة عن الصدور، وتنتقل الكرة إلى ملعب صحيفة «الواشنطون بوست» التى ينجح أحد محرريها فى الحصول على الأوراق «السرية» ويصبح السؤال: هل ننشر أم لا ننشر؟.
رئيس التحرير بن برادلي- توم هانكس- يريد النشر ولا يهمه أنه يغامر بوظيفته وسمعته وربما حريته أيضًا، ولكن صاحبة الجريدة ورئيسة مجلس إدارتها كاثرين، أو كيت جراهام - ميريل ستريب- التى ورثتها عن أبيها وزوجها مترددة وخائفة من العواقب، خاصة أن الصحيفة تم عرضها فى البورصة، كما أنها بحكم ثروتها ونفوذها صديقة شخصية لعدد كبير من صناع القرار ومنهم وزير الدفاع نفسه روبرت ماكنمارا.
تصبح الكرة فى يد السيدة جراهام، وهى محاطة بالمستنفعين الذين يحاولون منعها من النشر، بحجة الخوف عليها وعلى ممتلكاتها، وهى تتردد، ولكن فى اللحظة الحاسمة ينتصر ضميرها وإيمانها بحق الناس فى المعرفة وبالدور الحقيقى لمهنتها، وتوافق على قرار النشر.
ومرة أخرى تنقلب الدنيا، ويهدد نيكسون ورجاله ويتهمون الصحفيين بالخيانة والعمالة، ويحاولون إخراس الصحيفة وغلقها، وتنتقل القضية من المحاكم العادية إلى المحكمة الدستورية العليا التى تقف فى صف الديموقراطية وحرية الصحافة، وتلغى الأحكام السابقة بالغلق ومنع النشر، وتواصل الصحيفتان الكبيرتان حملتهما حتى تتوقف الحرب وتنسحب الولايات المتحدة من فيتنام.
هذه هى القصة التاريخية التى يعلمها الجميع، ولكن المهم هو كيف تحولت إلى عمل فنى على يد فنانين يعرفون الفرق بين الخطبة السياسية والدراما السينمائية.
«سبيلبرج» لا يبارى فى قدرته على صنع التشويق وصياغة الصراع الدرامى بين الشخصيات وداخل كل منها أيضًا، كما لا يبارى فى قدرته على خلق الإيحاء بالمصداقية التاريخية من خلال الاهتمام بالتفاصيل «الواقعية» من أول سير العمل داخل صحف هذا الزمن، والملابس والديكورات وشكل الشوارع وحتى لغة الحوار ولغة جسد الممثلين.
وأعتقد أن أكثر ما نجح فيه «سبيلبرج» وكاتبا سيناريو الفيلم هو نقل التركيز من الصحفيين وصراعهم للحصول على المعلومات ونشرها إلى التركيز على شخصية «كاثرين جراهام»، المرأة التى غامرت بثروتها ومكانتها وعلاقاتها، والتى لم يكن لديها دافع شخصى للنشر سوى شعورها بالمسئولية تجاه الناس ورفضها للتستر على الكذابين حتى لو خسرت كل شيء. «كاثرين جراهام» هى أيضًا الشخصية الوحيدة التى يحدث لها التحول الدرامى من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بينما الشخصيات الأخرى ثابتة الطبائع والمواقف إلى حد كبير.
«ميريل ستريب» برعت فى التعبير عن الشخصية التى تتحول من ربة بيت فى عالم يهيمن عليه الرجال، ترفل فى نعيم الثراء ونعومة الحياة المرفهة، إلى سيدة قوية ذات إرادة وعزم وصاحبة مواقف ومبادئ. «ستريب» أبدعت بالتحديد فى اثنين من أبرز وأجمل مشاهد الفيلم، الأول هو المشهد الذى تتخذ فيه قرارها بالنشر رغمًا عن أصوات المعارضين، بل رغمًا عن رغبتها وقدراتها الشخصية، والثانى وهى تغادر المحكمة الدستورية العليا مرفوعة الرأس ممتلئة بالشجاعة والفخر ربما لأول مرة فى حياتها.
إذا كانت «ستريب» تتميز فى أداء الشخصيات التى تعانى من صراع داخلى، فإن «توم هانكس» يبدع فى التقمص الخارجى، ولذلك يناسبه هذا الدور الذى يحيى فيه شخصية تاريخية معروفة بشكل مبهر، كما يجيد تجسيد نموذج رئيس التحرير المعجون بالمهنة والمشغول بها حتى النخاع قبل أى شيء آخر.
الشرير فى هذا الفيلم هو الرئيس «نيكسون» الذى نسمع صوته الحقيقى يهدد ويسب ويلعن، ولكن لا نراه على الإطلاق، مما يحوله إلى رمز للقوى الشريرة التى تكره الصحافة وحرية التعبير أكثر من كونه مجرد شخص.
ورغم أن الزمن تغير وأشرار هذه الأيام لا يسعون إلى غلق الصحف أو منع النشر، بل يسعون إلى تدمير المهنة نفسها وإفساد الصحفيين وتشويه سمعتهم، كما يفعل «ترامب»، فإن الرسالة واضحة، وأعتقد أنها ستكون أوضح فى حفل الأوسكار القادم عندما يعبر أكبر نجوم السينما العالمية عن رأيهم فى سياساته وتصريحاته، خاصة بعد ترشح الفيلم لجوائز أفضل فيلم وممثل وممثلة.
وقد عبر صناع «ذا بوست» عن تضامنهم مع الحرية بصنعهم لهذا الفيلم وأيضًا من خلال المشهد الذى يبينون فيه كيف تضامنت معظم الصحف الأخرى مع زملائهم فى «نيويورك تايمز» و«الواشنطون بوست» بنشر مزيد من الوثائق فى تحدٍ سافر للحكومة والمحاكم الابتدائية وكل من يرغب فى إخراس صوت الحق.>




مقالات عصام زكريا :

زينب والعرش.. من كوكب تانى
لـ«روما» نصيب الأسد وفنانو العالم يجتاحون الأكاديمية الأمريكية!
من أين يأتى كل هذا الخوف؟
السادات ممثلا.. من مسرح المدرسة إلى مسرح مصر
فى «كارما» خالد يوسف: العدالة الاجتماعية أو الجحيم!
«الإساءة لسمعة مصر» فى إعلانات رمضان!
« الفهد الأسود».. أفكار عميقة وسينما ساذجة
أفضل فيلم لـ«قوام الماء».. السيناريو لـ«اخرج من هنا».. والتصوير لـ«حد الشفرة 2049»
عذاب الهزيمة.. وعذوبة البكاء عليها!
«أخضر يابس».. فضيلة الاختزال!
سينما الإعلام السياسى!
المخرج الذى يحلم أن يكون راقصاً!
النوايا والمواهب الطيبة لا تكفى لصنع الأفلام!
بقلم رئيس التحرير

الوعي الزائف!
فى السياق التقليدى للحروب النظامية، فإنَّ أى «فعل عسكرى» يسبقه – فى الأغلب – مجموعة من التصادمات السياسية..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
د. فاطمة سيد أحمد
« حرائر البنا» و«تحية الجبيلى» (6)
محمد جمال الدين
حدث فى المترو!
د. مني حلمي
الصيف يطفئ سيجارته الأخيرة
اسامة سلامة
«بأى حال عدت يا مدارس»؟
د. حسين عبد البصير
البناءون العظام

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF