بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

15 يوليو 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

المقالات

صلاح عيسى أمير الحكى.. ونديم الحى

729 مشاهدة

3 فبراير 2018
بقلم : عاطف بشاى


الأحبة يرتحلون تباعًا.. عشرات من جيل الستينيات.. جيل المعارك والتحديات والتحولات.. الانتصارات والإنكسارات.. الإحباط والهزيمة.. رحلوا وغيبهم الموت..
فى ذكرى الأربعين «صلاح عيسي» يبقى رحيلًا موحشًا.. سقط أخيرًا الجواد من الإعياء.. هزمته السدة الرئوية فقد أنهكه الكر والفر فى رحلة قاسية تزهق الأنفاس وتقبض الروح.. قفز فيها فوق الأسوار والأسلاك الشائكة بصرف النظر عن طبيعة الحكم وتوجهاته السياسية.
يحطم كل جسور التحفظ والتريث وينسف كل أشكال التوازنات أو حسابات العواقب أو ردود الأفعال.. تعرض للتعذيب البشع داخل السجون.. المختلفة وكان بعد الإفراج عنه يجد نفسه دائمًا مفصولًا من العمل تغلق أمامه أبواب النشر ويتنكر له المسئولون عن الصحف ذعرًا واتقاء لمغبة حتى مصافحته.. أو كما يقول هو نفسه : كنت مطاردًا من المخبرين ورؤساء تحرير الصحف ومقالات هيكل.. وسياط ضباط المباحث فى معتقل القلعة.. وكنت مطاردًا من الداخل بأحلام قضايا الوطن فى تحقيق أهدافه فى العدالة الاجتماعية ومن ثم الكرامة الإنسانية.. لكنه أخيرًا استسلم لطائر الموت الكريه ولم يستمع لنداء رفيقة العمر.. زوجته الوفية التى ظلت تردد فى وفاته : «لسه بدرى يا صلاح».. «لسه بدرى يا صلاح»..
والحقيقة أن فكرة العدالة الاجتماعية التى كانت الهاجس الكبير لدى «صلاح عيسي» والتى ارتبط بها «جمال عبد الناصر» كهدف أساسى لثورة (52) مستجيبًا فيها لمشاعر طبقة مستنيرة كانت تعرف واجبها نحو الغالبية العظمى المحرومة من الشعب.. كما استجاب لظروف دولية كانت فكرة العدالة الاجتماعية فيها حية وقوية وتسعى مختلف الطبقات والمجتمعات لتطبيقها بدرجات وأشكال مختلفة.. وهى تتعلق بالفلسفة العامة للدولة - كما يرى الدكتور «جلال أمين» فى كتابه المهم «ماذا حدث للثورة المصرية؟» - كما تتعلق بالسياسة الاقتصادية العامة ومن ثم بالموقف الأخلاقى للدولة من قضايا الفقر والغني.. ونمط التنمية المطلوب.. والمساواة فى الحقوق والواجبات.. وعدم التمييز بين أفراد الشعب.. أغنياء وفقراء.. وتذويب الفوارق بين الطبقات.. وبين الأقباط والمسلمين..
يقول فى ذلك «صلاح عيسي»: أما الميت الحى فكان جيلنا الذى عاش يحلم بوطن يليق بتاريخه.. يشرب الناس فيه مياهًا نقية غير التى تشربها شقوق الأراضى ولا يقضون حاجتهم فى الخلاء.. ولا يحط الذباب على عيون أطفالهم الجميلة ولا تستذل الناس فيه حاجة.. أو يقهرهم نقص القوت عن أن يفعلوا ما لا يريدون ولا يقيم بينهم «مندوب سامٍ» قارح مثل «اللورد كرومر» فيكتب لحكومته تقريرًا يحتج فيه عليها لأنها تسمح لمومسات بريطانيات بالعمل فى مصر فيبتذلن الجسد الإنجليزى الذى ينبغى أن يتعالى فلا يسمح لأشياء مصرية أن تطأه..
وكان جانبًا من الحلم قد تحقق بفادح الثمن : جاء «عبدالناصر» ليكون تحدينا.. ويكون كبرياءنا ويكون غضبتنا.. وربما لهذا السبب أحببناه وصبرنا على كثير من المكاره فى عهده.. ولأن حلمنا كان أعمق من حبنا فقد عارضناه وخاصمناه.. ولد بعضنا فى الخصومة.. لكننا لم نكرهه يومًا.. حتى ونحن فى زنازين عهده.. يضربنا الزبانية بالسياط.. ويسحلونا على البلاط ويحاولون أن يذلوا كبرياءنا الرفيع يخرج «صلاح عيسي» من المعتقل مع مجموعة من اليساريين التقدميين ويعود إليه فى فبراير (1968) بعد اشتراكه فى مظاهرات الطلاب التى كانت تطالب بمحاكمة المسئولين عن النكسة.. ويلتقى بالشاعر الكبير «أحمد فؤاد نجم» والشيخ إمام عيسى هذا الشيخ الضرير الذى كان يلحن ويغنى أشعار نجم.. وقد أحبهما «صلاح عيسي» والتصق بهما.. وقضى ساعات طويلة معهما فى حجرة كالحة كانا يسكنانها فى حارة ضيقة من حارات الغورية هى حارة «حوش قدم» وترجمتها «حارة قدم الخير».. وسجن مع نجم مرتين.. وفتن بشخصيته التى يندر أن تتكرر وحاول دائمًا أن ينفذ إلى أعماق هذا الشاعر الذى عرفه الناس لأول مرة وهو فى الأربعين شاعرًا كبيرًا يدور فى فلك لوحده.. بين كل شعراء العربية فى كل تاريخها..
رأى «صلاح» فى «نجم» ما رآه فى نفسه.. أو بمعنى أوضح ما يميز أسلوب «صلاح» فى التعبير عن نفسه.. عمق المشاعر التى تستلهم أوجاع الوطن لتصيغها فى عبارات لاذعة ليست فيها خديعة للنفس أو للآخرين.. ذاب الحزن واليأس والفجيعة بهزيمة (67)  فى نفس «صلاح» حينما استمع لأشعار «نجم» وأزهر النوار بين حطام الآمال المحترقة.. وأيقن أن الحياة جميلة تستحق أن تعاش.. لم يعقم الوطن ولم تتحطم روحه.. علينا أن نحزن حزن الرجال الأقوياء الذين يخجلون من قوله آه.. ويخفون دموعهم لحظة الوجيعة.. لن نتوقف طويلًا لنرسى العمر الجميل أو لنندب الذات.. اندفع «نجم» ليغنى بالسكين.. واندفع «صلاح» ليكتب وهو يشهر العصا فى وجه الذين عجزوا عن صيانة الحلم ولم يدركوا مغزى الحب غير المحدود الذى منحه لهم الناس.. لأنه غناء الشعب.. وإبداعه الذى لم يهزم أبدًا ولم يحن قامته.. وتحمل بصبر الجمال طوابير من الطغاة والغزاة.. ووجهه وضَّاء وثغره باسم..

انطلق صلاح عيسى فى رحلته الإبداعية يستلهم التاريخ فى حصاد هائل (عشرون عملًا تعيد كتابة تاريخ مصر فى مائة عام فلقب بجبرتى العصر) أهمها «الثورة العرابية».. «هوامش المقريزي».. «حكايات من دفتر الوطن» (وفيها فصل رائع عن رحلة.. «مصطفى النحاس» من محام صغير إلى زعيم للأمة) - «مثقفون وعسكر» - «الكارثة التى تهددنا» - «بيان مشترك ضد الزمن» - «رجال ريا وسكينة» (التى تحولت إلى مسلسل من إخراج جمال عبدالحميد) - «شاعر تكدير الأمن العام» (المقصود به أحمد فؤاد نجم) - «البرنسيسة والأفندي» (وفيها يسرد قصة غرام البرنسيسة فتحية أخت الملك فاروق.. ورياض غالى الموظف الصغير بالخارجية وزواجه منها بتشجيع الأم الملكة) - «شخصيات لها العجب».

استجار به الصديق الراحل المخرج (مدكور ثابت) عندما كان يشغل منصب رئيس الرقابة على المصنفات الفنية.. لتكوين (مجلس للحكماء) برئاسته للفصل فى اللغط المثار من عدد من النقاد والمهتمين بالسينما المصرية واعتراضهم على تصدير فيلم (اللمبي) للخارج.. والفيلم كان يمثل وقتها بداية انطلاق ونجاح (محمد سعد) الجماهيرية.. وحقق إيرادات خيالية فى دور العرض بالداخل.. وكان مبررهم أن الفيلم تافه ومسف ومتواضع فى قيمته الفنية.. ويسيء لسمعة مصر فى الخارج.. بل وصفه ناقد شهير وقتها بأنه «لا فيلم»..
وسط حشد كبير من «الحكماء» عرض علينا الفيلم.. وجاء مكانى إلى جوار  «صلاح عيسي» وكلنا مشحونون مسبقًا ضده.. فقد مزقه النقاد الذين يجلس بعض منهم إلى جوارنا فى صالة العرض ممتعضون تسيطر على ملامحهم تعبيرات السخط والجهامة والقنوط.. وما أن انتهى عرض التيترات وبدأت مشاهد الفيلم فى التدفق والاسترسال حتى هممت بالضحك كرد فعل لمشهد يحتوى على موقف ساخر «لمحمد سعد» المخدور الذى يستوقفه أمين شرطة ليلًا شاكًا فى أمره.. ويطلب منه إطلاعه على تحقيق الشخصية فيبرز له كارنيه اشتراك متهالكا متآكلا فى «مركز شباب» لا يملك سواه.. وهو مشهد يمثل مقدمة منطقية واستهلالا بليغا يرسم شخصية درامية تقدم لنا منذ البداية بطاقة تعارف بأبعادها الاجتماعية والنفسية فاقدة لهويتها.. بائسة.. ضائعة.. إنه صعلوك متشرد يثأثأ ويفأفأ ويتهته بنصف لسان وكلمات مضغومة غير مترابطة.. ينعى الزمن الضنين فى سخرية تفجر الضحك والأسى فى الوقت نفسه .. كتمت ضحكتى خوفًا من أن أتهم بالسذاجة والسطحية من جموع المشاهدين الصامتين.. ونظرت بطرف عينى إلى «صلاح عيسي» ففوجئت باتساع ابتسامته المعجبة والتى تحولت مع المشهد التالى إلى ضحكة عالية مسترسلة.. بادرته مستدرجًا: يبدو أن الفيلم يعجبك.. قال: من الواضح أنه فيلم ينتمى إلى نوعية الكوميديا السوداء.. قلت: ولكن لم تفلت من واحد من السادة الأفاضل الجالسين معنا ولو نصف ضحكة عابرة.. قال: دعك من الذين يتعالون على الضحك بادعاء جدية زائفة ووقار مفتعل واحتشام مصطنع لا يستشعر المفارقة القاسية لبائس «كشارلي» يبحث عن معنى وجوده فى زمن شحيح.. واضح أن الفيلم يجسد ملامح شخصية مدهشة تمثل نمطًا بشريًا تعكس من خلاله أبعاد حياة اجتماعية لبسيط عشوائى يسعى أن يجد له مكانًا وسط أمثاله من التعساء.. فيقوم بتعرية قبح واقع طبقى متهرى غليظ القلب والمشاعر يلفظه ويستبعده ويحتقره ويضن عليه بالأمن والحماية ولقمة العيش..
وفى الاجتماع الذى ضمَّنا بعد العرض استطاع «صلاح عيسي» بمنطقه الساحر.. ورؤيته الرحبة أن يقنع الجميع بالإفراج عن أسر الفيلم فى العلب..
المبهر والمدهش والجميل حقًا أن المناضل اليسارى الكبير والحكاء العظيم لم يكن متحذلقًا جهمًا رغم الأشواك والجراح والتباريح والأوجاع وملوحة الدمع بل فكهًا يملك ناصية الأضاحيك الساخرة العميقة الغور والدلالة.. ورغم القضبان السوداء والحبس الانفرادى وحزن السنين وتشنج المتحذلقين وتشدد الرفاق المذهبيين؛ فإنه يحمل قلبًا شفافًا وقلمًا مرهفًا وصوتًا شجيًا متفرد الألحان.. يعلو فوق التحزب البغيض رغم أنه «يياسر» مثل «طه حسين» إلى أقصى درجة.. أى أنه يسارى متطرف لكنه بسيط ومليح وسلس وفكه وطريف.. كبيرًا بغير تكبر.. متواضعًا من غير تكلف أو ادعاء.. رقيقًا من غير ترخص أو ضعف.. طاووس مشاغب من غير ترفع أو تجريح..
ستظل يا «أمير الحكي» و«نديم الحي» «الساطع الموهبة».. البازغ التوهج رغم الغياب.. المشرق الوجود رغم العتمة.. ستظل حاضرًا فى الزمن.. رابضًا فى الذاكرة..




مقالات عاطف بشاى :

رسالة الكراهية فى «صفر» المونديال
وزارة السعادة
يا أطفال العالم اتحدوا!
السادية والمازوكية فى «رامز تحت الصفر»
الكوميديا المفترى عليها
فزع القوالب الجاهزة
الحكيم رجعيًا.. والعقاد عنصريًا
نحو ثورة تنويرية ثانية
«لويس جريس».. رحيق الحكمة
دليلك الذكى للقضاء على التطوير
مئوية مدارس الأحد
«مستكة» و «ريحان» فى «أسوان»
فى عصر الرومانسية
سينما الهلس والعبط
رُسُل الفقراء
ائتلافات 25 يناير
وثيقة ديمقراطية ناصر فى «ميرامار»
محرر الجسد من ازدراء الروح
عمليات اغتيال وطن
.. إنهم يقتلون «شكسبير» العالم الإسلامى
التنوير يطرد الخفافيش
كتائب قوانين «الحسبة»
«سينما العشوائيات» والتحليل النفسى للشخصية المصرية
رائد التنوير.. والتكفيريون
«جاكسون»تشويش وضبابية وارتباك
اتعلموا الكوميديا من الضيف أحمد
كوميديا سيد قطب
فيلم «حرب أكتوبر» الذى لم تره الشاشة!
مشكلة المتفرج
أعيدوا الجماهير
مستقبل العالم
شخصيات لها العجب!
المطلقات Group!
الكوميديا التى تُبكى
قانون الكراهية.. وحل حزب «النور»
إهانة الكوميديا فى مسلسلات رمضان
المثقفون من المقهى إلى الثورة
سيناريوهات «الورش»..ونقاد «العلاقات العامة»
جمهورية الحب!
الكوميديا بكت فى سينما العيد
الأنبا بيشوى.. الأسقف الوهابى !
انتبه.. الزعيم يرجع إلى الخلف
لعنة أولاد حارتنا تطارد السبع وصايا
أزمة النقد فى المسلسلات الرمضانية
الجمال والقبح فى تليفزيون رمضان
أزهى عصور السينما
ممـدوح الليثى الرجل الذى عاش 1000 عام
فتنة الإخوان وعدالة عبدالناصر
الخروج الكبير للمـرأة
جـوقـة العميـان
«النهضة» للكلاب المدللة!
أسبوع الدم..المصرى بكام النهارده!
ثـورة الملـح»!
يـسـقـط .. يـسـقـط حكم الرجل
«المسيحيين أهمه»
ذنب الثورة في رقبة الليبراليين
بقلم رئيس التحرير

الداعية والنساء!
  من مواجهة الإلحاد بالجنس .. إلي زواج الفنانات! فى غضون العام 1903م، طبّقت شهرة الرجل الآفاق؛ إذ وصلت «شهرته»..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
محمد جمال الدين
دكتوراه فى الفساد!
اسامة سلامة
صحيفة تحت الحصار
د. فاطمة سيد أحمد
«الصلاة».. و«السلام»!
وائل لطفى
دعاة وفنانات!
عبدالعزيز خريبط
مصر التى فى خاطرى
د. مني حلمي
إنكار ما هو معلوم من المواطنة.. بالضرورة!
حسين معوض
تكلفـة الرشـوة: 90 مليـــار جنيه سنويًا!
مدحت بشاي
هل ماتت الكوميديا؟!
مصطفي عمار
كيف تصبح أسطورة أو على الأقل رقم واحد؟!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF