بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

13 نوفمبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

المقالات

«جمهورية زفتى».. الصناعية

122 مشاهدة

3 نوفمبر 2018
بقلم : حسين معوض


الآن لا يوجد فارق بين الكفور التابعة والمراكز الجامعة، أتحدث عن زفتى وتابعها «كفر عنان» بمحافظة الغربية، حكاية جديدة من حكايات الكفور الصناعية التى تمثل قمة مشهد صناعى غير مفهوم فى مصر، ليس فقط لأن الصناعة سكنت الكفور وهجرت المدن التى تحمل لقب «صناعية» ولكن أيضا لأن الزمن ألغى المسافة بين الكفر والمركز وغير من ملامح العمران وثقافة السكان.
كتبت، الأسبوع الماضى، عن ثروة «كفر أبو جمعة» الصناعية والتى ترتكز حول 40 مصنعا لإنتاج خزانات المياه و30 مصنعا لمنتجات الفايبر ومصانع ملابس ومواسير الكارتون ومصانع مسمار ومواد غذائية.. كل هذا فى الكفر العجيب التابع لمركز قليوب محافظة القليوبية.. وقبل أن أكتب قلت إنه ليس الكفر الوحيد، فهناك كفور كثيرة فيها صناعات هجرت المدن الصناعية وهى ظاهرة يجب أن نبحث عن أسبابها ولا نستسلم للتفسيرات الجاهزة رغم أنها مقنعة.
اليوم، نتحدث عن الكفر الثانى «كفر عنان مركز زفتى محافظة الغربية»، وقبل الحديث باستفاضة نؤكد أننا استخدمنا صيغة الجمع للتعبير عن واقع وليس من قبيل المبالغة لا فى وصفها بصناعية ولا فى عددها، وثالث الكفور المقصودة هنا هو «كفر هلال بمحافظة المنوفية» فخر صناعة الغزل الثقيل الذى يستخدم فى فرش الكنب والأنتريهات والأثاث الراقى وحتى الخيام والمفروشات العربية.. هناك فى كفر هلال 500 مصنع، الماكينة الواحدة فى المصنع الواحد طولها يتجاوز 40 مترا وطاقتها الإنتاجية تحتاج حديثا مفصلا، له وقته.
تنوع الكفور وابتعادها وتمثيلها لمحافظات مختلفة يعنى أننا نتحدث عن ظاهرة نرصد بعضها من ملامحها بين ثلاث محافظات «الغربية والقليوبية والمنوفية».
نعود لكفر عنان، فخر الصناعة فى «جمهورية زفتى».. تمثل زفتى واحدة من عواصم الصناعة فى مصر، بها أكبر نسبة من المشتغلين فى الصناعة، داخل ورش تترواح بين الورش الصغيرة وصولا إلى المصانع الكبيرة، والميزة الأهم هناك هى أن الورش والمصانع لا تستسلم للصناعات التقليدية، ففيها تخترع ماكينات جديدة أو تستنسخ ماكينات لم نكن نحصل عليها إلا بالاستيراد من الخارج.. وتتراوح الصناعة هناك من عربات الجر التى يستخدمها الفلاحون فى أراضيهم إلى تصنيع آلات زراعية منها الدرَّاسات وماكينات الرى وصناديق مقطورات النقل الثقيل ومقطورات الجرارات الزراعية وصناديق تانكات المياه المجرورة، وتصنع هناك كل الأجزاء الصامتة فى الماكينات وسيارات النقل، ويتم استيراد الأجزاء الميكانيكية سواء جديدة أو مستعملة، ويطلق عليها «استيراد»..
وكفر عنان، والقرية التى تجاوره «سندابسط»، كانت تعتبر أقرب توابع مركز زفتى، إلا أن المسافة الفاصلة بين التوابع والمركز تحولت إلى مساحات صناعية تتصل فيها الورش والمصانع والمخازن.. لا يوجد حصر دقيق معلوم هناك لعدد الورش أو نسبة الكبير منها إلى الصغير والمتوسط والكبير ولا حتى تعداد للمصانع التى تمتلك هناجر كبيرة.
العين المجردة لا تخطئ حجم الثروة الصناعية هناك، والتعرف على طبيعة المنتجات يخلق حالة انبهار بالقدرات الإبداعية للمصنعين والصنايعية وحتى لمغامرات أصحاب الورش وقد يتحمل بعضهم تكلفة لا طاقة له بها من أجل اختراع أو فكرة.
التقيت هناك صاحب ورشة يقوم بتصنيع جنوط سيارات النقل الثقيل، وآخر يصنع مقطورات زراعية، وثالثًا يصنع مقطورات النقل الثقيل، بالإضافة للأنشطة الصناعية التقليدية.
نتعلم من الكفور دروسا ليست مقررة فى المدن، نشاهد ثقافة تعلى من قيمة الإنتاج والتصنيع والابتكار وأكل العيش.. فى كفر عنان رجل قد يحمل تعليما متوسطا لكن فى يده صنعة مع مرتبة الشرف والإبداع، قد يلتقيك وهو يركب ماكينة المياه متوجها إلى قراريطه القليلة وبعدها يمر على حقول الآخرين.. ليس فى الأمر خطأ إملائى «يركب ماكينة رى» لقد حول الماكينة إلى آلة جر بدلا من البحث عن وسيلة تنقلها أو كائن يجرها، وتحريك ماكينات الرى هناك أصبح سهلا، فقد تم توزيع سر الصنعة على كل الورش، فالكفر لا يدخر الأسرار بل ينشرها أولا بأول.
ليس فى الأمر مبالغة إذا قلنا إن أسطول النقل الثقيل والخفيف الذى يجوب شوارع مصر من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها نسبة كبيرة منه من زفتى، وحتى الذين لا ينتمون لزفتى وكفر عنان يقصدونها للصيانة والإحلال والتجديد، لقد حجز الكفر لنفسه مساحة خاصة جدا كأكبر منطقة لوجستية مفتوحة لخدمة وسائل النقل.
هناك لا تجد مشاكل، تجد حلولا، فقطع الغيار مهما كانت لا تستعصى عليهم فإن لم يجدوا واردها من الخارج صنعوها، المهم ألا تتعطل الماكينات، والمهم ألا يخسر الكفر سمعته بقدرته على تحريك أى معدة أو الاستغناء عن المستورد الغالى، وهم يجيدون قراءة أسرار الصنعة ولو لم تبتكر فى بلادهم، فكل آلة زراعية جديدة تدخل الخدمة فى الغرب تستنسخ فى كفر عنان، ينقصهم خطوة واحدة وهى أن تتسابق مراكز الأبحاث والتصميم هنا على منحهم منتج يصنعونه ولتضع المراكز البحثية والرقابية ما تشاء من ضمانات ولتدخل منتجهم ما شاءوا من اختبارات.
نعود لمحاولة فك الطلاسم والتى تبدأ بسؤال: لماذا تنتشر المصانع فى الكفور ولا تذهب للمدن الصناعية؟.. هذا السؤال يستدعى أسئلة أخرى أكثر إغراءا من الإجابات.. لماذا يرعى المسئولون المحليون عشوائية انتشار تلك المصانع ولا يسعون لتنظيمها؟.. هل تتكسب المحليات أكثر من المخالفين؟.. لماذا يحاول المسئول المحلى إقناعنا دائما أنه يحارب الأشرار؟.. بينما كل حيلة الشرير أفكار ومنتجات وعمال وماكينات!.. السؤال الأكثر قسوة من وجهة نظرى هو: لماذا يخبئ المسئول المحلى أن تحت ولايته كفر أو قرية أو نجع صناعى؟.
لا أحد يملك إجابات.. تجربة دخول تلك التجمعات يدخلك فى دوائر الحيرة وليس فى خلاصة الإجابات وراحة البال، فقد جربت التعامل مع بعض قيادات المحافظات التى تنتشر بها تلك التجمعات، وفوجئت بخوف بعض المحافظين من فتح تلك الملفات، واكتشفت بعد فترة أن دوائر البيروقراطية الصغيرة والكبيرة وجهات الجباية المنظمة أو المنحرفة تدخل الرهبة فى قلب المحافظ من أول يوم لدخوله مبنى المحافظة، ولا يملك هذا المسئول وقف عمليات الجباية التى تدر دخلا قد يكون مشروعا للمحافظة وغير مشروع لطيور الظلام.
بالطبع التجربة تترك فى الحلق مرارة، وتترك فى الذهن مبررا لحالة الخوف التى تجرى أمامنا فى شوارع تلك المجمعات الصناعية الطبيعية أو القرى والكفور والنجوع المنتجة، هناك يخافون أن تكون من المحليات أو الضرائب أو التأمينات أو من أى جهة تصطادهم على طريقة صائدى الثروات.. وقبل أن يعتقد أحد أن هؤلاء مخالفون ولا يستحقون أن نتركهم ينتجون بينما هم يرفضون سداد حق الدولة وأولها الضرائب وأسعار المرافق والخدمات.. للرد على ذلك أقول إن سداد فاتورة الوضع غير القانونى تتجاوز عشرات المرات فاتورة التقنين.
بعد كل هذا.. لماذا تنجح الصناعة وسط كل تلك التعقيدات والفساد والملاحقة؟.. ولماذا لا تذهب تلك التجمعات جماعات أو فرادى للمناطق الصناعية؟.. الإجابة بسيطة: فقط تم حساب تكلفة الفساد ضمن تكلفة المنتج، والمصانع هناك غير قابلة للتوقف عن الإنتاج، ومنتجاتها مطلوبة فى الأسواق الداخلية أو التصدير بعد دورة مستندية معلومة للجميع، والعمالة والخامات والصنايعية والمرافق كلها تحت أيديهم.
إذن، هل نعمل على نقل تلك المصانع من الكفور والقرى والنجوع إلى المدن والتجمعات الصناعية الجديدة؟.. أعتقد أنه مسعى طيب شرط ألا نخرب الكفور ونتركها للغربان والفئران، قد يكون توطين بعض الصناعات فى القرى والكفور أهم من نقل المصانع.. إياكم وتخريب الكفور!.




مقالات حسين معوض :

مصانع «أرض الخوف».. العتوة وتوابعها
العالم السرى لـ:«الكفور الصناعية»
عولمة «شبرا بلولة»!
كيف تواجه «الأجهزة الرقابية» مؤامرات الفساد؟!
«الخلطة السرية» لطارق عامر فى البنك المركزى
المدن السرية فى مصر
«الأيادى الناعمة».. تمتلك الثروة ولا تدفع الضرائب!
تكلفـة الرشـوة: 90 مليـــار جنيه سنويًا!
فن إدارة "المال الحرام"
بقلم رئيس التحرير

عودة المؤامرة!
كما للتاريخ أحكامه، فإن للتاريخ – أيضًا – إشاراته، ودلالاته.. تقول الحكاية: إنه خلال عصر الإصلاحات الأخير، فيما عُرف..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
رشاد كامل
ذكريات عبدالرحمن الشرقاوى التى لم يكتبها!
محمد جمال الدين
بائعة الخضار والمسئول!
اسامة سلامة
أين مفوضية القضاء على التمييز؟
د. فاطمة سيد أحمد
السيسى يصرف لنفسه (توجيه)
عاطف بشاى
الذين يملكون صكوك التفويض الإلهى
د. حسين عبد البصير
عندما استعادت البشرية ذاكرتها
طارق مرسي
حلوه يا بلدى
سمير راضي
جولة فى عقول الميادين!
حسين معوض
مصانع «أرض الخوف».. العتوة وتوابعها
مصطفي عمار
حرب الأجور المقدسة!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF