بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

23 سبتمبر 2019

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

المقالات

الغزو الفرعونى لـ«بالتيمور»

1701 مشاهدة

9 مارس 2019
بقلم : د. حسين عبد البصير


«بالتيمور» اسم قد لا يعرفه الكثير من المصريين والعرب، فهى ليست ولاية معروفة بين المصريين والعرب على نطاق واسع مثل نيويورك أو واشنطن أو لوس أنجلوس أو سان فرانسيسكو، ومع ذلك، فإنها تحتل المركز الرابع فى قائمة أكبر مدن الساحل الشرقى للولايات المتحدة بعد نيويورك وفيلادلفيا وجاكسونفيل.
حسنًا، كذلك كان وقْعُ سماع اسم «بالتيمور» للمرة الأولى غريبًا على سمعى ولايزال يثير دهشتى كلما سمعته رُغم مرور كل هذه السنين التى قضيتها بها، فما قصة هذه المدينة المثيرة؟

كانت معلوماتى عن تلك المدينة، التى ذهبت إليها منذ سنوات كى أدرس بها للحصول على درجة الدكتوراه فى الآثار المصرية القديمة من جامعة جونز هوبكنز، متواضعة جدّا. نعم لقد مَرّ اسم مدينة بالتيمور بى مرات قليلة للغاية. فقد كنت أقرؤه كمكان نشر أحد الكتب العلمية التى استخدمتها فى أبحاثى العلمية، خصوصًا الصادرة عن دار نشر جامعة جونز هوبكنز الشهيرة.
وضمن إحدى هذه المرات، سمعت اسم بالتيمور مرتبطًا بإقامة أحد المعارض الأثرية عن مصر الفرعونية فى متحف الوالترز للفن المعروف. أو كنت أربط دومًا بين اسم مدينة بالتيمور واسم القائد المغولى الأشهر تيمورلنك، وأحيانًا بين اسم عائلة «تيمور» المصرية ذائعة الصيت فى دنيا الأدب والثقافة، لاحتواء هذه الأسماء على المقطع الصوتى والكتابى «تيمور».
وفضلاً عن ذلك، كانت متابعتى لأعمال روائية وسينمائية وتليفزيونية عديدة دارت أحداثها فى بالتيمور أو تكرر ذِكْرُ المدينة بها مرارًا. وتخيلت أننى سوف أقابل الدكتور لكتر بمجرد أن تطأ قدماى أرض مطار بالتيمور- واشنطن الدولى. وحقيقةً، فقد أخذت أحملق فى أوجه جميع البالتيموريين، بحثًا عن وجه الدكتور لكتر بينها حتى أنه أثار ريبة الموجودين بالمطار فى شخصى.
كان علىَّ أن أعرف الكثير عن تلك المدينة التى سوف أقضى فيها عدة سنوات من عمرى المبكر وكيف لى أن أعرف شيئًا عن بالتيمور وأنا ذلك الذى لم أغادر مصر كثيرًا؟!
أخذت أجمع معلومات عديدة من المصادر المتاحة عن بالتيمور من الكتب والأدلة السياحية وشبكة الإنترنت وغيرها حتى تجمعت لدىّ ثروة هائلة من المعلومات عن «المدينة الحلم» أو «المدينة المنقذة» كما كنت أطلق عليها.
تقع مدينة بالتيمور فى ولاية ميريلاند على الساحل الشمالى الشرقى للولايات المتحدة الأمريكية. ورُغم أن عاصمة الولاية هى مدينة أنابلس أو أنابوليس كما تُكتب عادة فى الصحافة العربية، فإن مدينة بالتيمور هى المدينة الأشهر والأهم فى ولاية ميريلاند، حتى إن البعض يعتقد خطأً أنها العاصمة، وهذا الاعتقاد الخاطئ قد يكون صحيحًا إلى حد كبير؛ لما تتميز به من مميزات تجعلها تتفوق على العاصمة نفسها فى كثير من الأشياء؛ فيمكن القول إن بالتيمور هى العاصمة غير الرسمية للولاية.
ومن مصدر آخر عرفت ما يلى: سُميت مدينة بالتيمور بهذا الاسم نسبةً إلى مالك ومؤِّسس مقاطعة، أو بمعنى أصح مستعمرة، ميريلاند، أو ولاية ميريلاند فيما بعد، المستعمر الإنجليزى المشهور اللورد بالتيمور الثانى أو سيسل كالفرت (1605-1675م) المنتمى إلى عائلة كالفرت الاستعمارية المعروفة، التى يوجد شارع باسمها يشق بالتيمور من الشمال للجنوب، ويحمل كذلك لقب البارون بالتيمور الثانى،وينحدر من بيت اللوردات الأيرلندى الشهير.
وبقى شىء عن بالتيمور أثار - ولايزال يثير- قلقى، وليس أنا فقط، بل كل من زار أو يزور المدينة أو أقام أو يقيم فيها حتى من الأمريكيين أنفسهم. وهذا الشىء هو ارتفاع معدل الجريمة فى بالتيمور بصورة كبيرة جدّا. مما جعل البعض يصفها بأنها مدينة العنف والجريمة الأولى فى الولايات المتحدة الأمريكية بامتياز. وقد يكون محقّا فى هذا؛ فعلى سبيل المثال، فى شرق المدينة وأنحاء أخرى منها، يُسمَع دوى إطلاق الرصاص ليل نهار، وكأنهم يستمتعون بذلك، أو كأنهم يعزفون لحنًا موسيقيّا أثيرًا لديهم. وتتعدد الأسباب والدوافع وراء انتشار الجريمة فى المدينة. ومن بين أهمها الفقر والمخدرات وانتشار البطالة والعنصرية ضد الأجانب أحيانًا.
ويَطلق أهل بالتيمور عليها أسماء تدليل عديدة، مثل: «المدينة الأثر»، و«المدينة الروعة»، و«بلدة الرعاع»، «ب- مور». وشعارها هو «أعظم مدينة فى أمريكا»، و«ادخل إليها». وكان شعارها السابق: « المدينة التى تقرأ».
وصلتُ إلى مدينة بالتيمور فى بداية عام2003. ولفت نظرى أن الجامعة تضم مجموعة أثرية تعليمية صغيرة بها بعض من الآثار المصرية القديمة. وفى أواسط عام 2002، كانت الجامعة قد استضافت اللقاء السنوى لمركز البحوث الأمريكى بمصر بعد فترة طويلة من انعقاده فى الجامعة نفسها. وشهدت نهايات عام 2003 وصول معرض «مصر الخالدة» من المتحف البريطانى بلندن إلى «متحف والترز للفن» الشهير بمدينة بلتيمور فى إحدى محطاته الأمريكية العديدة. فما قصة مصر الفرعونية فى مدينة بالتيمور الأمريكية وتحديدًا فى متحفها المعروف بـ«والترز»؟
يقع «متحف والترز للفن» فى وسط مدينة بالتيمور، قريبًا جدّا من منطقة الميناء الداخلى (الإنر هاربر) وليس بعيدًا عن جامعة جونز هوبكنز، ويُعتبر من أبرز معالم المدينة الثقافية. وبناه هنرى والترز (1848-1931م) عام 1909م، رجُل الأعمال وجامع التحف الأمريكى المعروف، ابن مدينة بالتيمور. وجمع آثاره وكنوزه الفنية الرائعة، بين عامَى 1899 -1931. وبوفاته أصبحت مجموعة الآثار المصرية واحدة من أجمل المجموعات الأثرية الخاصة فى الولايات المتحدة الأمريكية. وفيما بعد ساهمت الإهداءات والمقتنيات والإعارات الزمنية الطويلة فى جعل المتحف واحدًا من أهم المجموعات الأمريكية فى الفن المصرى القديم.
وربما جذب والترز إلى اقتناء أعمال الفن المصرى القديم قيامه برحلة بحرية فى البحر المتوسط فى عام 1889 زار خلالها مصر، وتحديدًا القاهرة والجيزة لمدة يومين. وفى تلك الزيارة، جلب عددًا من روائع مجموعته المصرية. وعلى عكس عدد كبير من هواة جمع الآثار الثمينة فى زمنه، لم يقم أو يكلف والترز أحدًا بإجراء حفائر له فى مصر من أجل التنقيب عن الآثار المصرية لإثراء مجموعته الخاصة، وإنما اقتنى أغلبها بالشراء من التجار أو من صالات بيع الآثار فى مصر وخارجها.
وبينما شغل هواة جمع الآثار المصرية أنفسهم بجلب المومياوات والبردى والآثار الكبيرة الحجم إلى متاحفهم ومجموعاتهم الخاصة، انصب اهتمام والترز على الآثار الصغيرة والثمينة مثل التماثيل الصغيرة والتمائم والجعارين والحُلى والقطع المهمة. وانصرف بدأب إلى اقتناء كمية كبيرة وفريدة من التماثيل المصرية والأعمال المصنوعة من البرونز. وفى نهاية حياته، ضم عددًا من التماثيل الكبيرة إلى مجموعته حتى أصبحت متميزة للغاية فى زمن قصير.
وفى عام 1925، اشترى والترز واحدة من أهم القطع المصرية فى مجموعته، وأعنى تمثال المدعو «نحى» من تاجر آثار فرنسى غير معروف فى نيويورك، وربما جاء هذا التمثال من سقارة، وربما اشتراه جان- فرانسوا شامبليون، مكتشف الكتابة الهيروغليفية، أو أحد جنود الحملة الفرنسية على مصر فى نهاية القرن الثامن عشر الميلادى.
ومن بين الآثار المصرية المهمة فى متحف والترز، نقش من معبد من سمنود (وسط الدلتا المصرية)، يمثل الملك نختنبو الثانى (من ملوك الأسرة الثلاثين وآخر ملوك مصر الفرعونية)، وتمثال كبير لأنثى فرس النهر يجسد الرَّبَّة الحامية «تاورت». ومن بين جميع المتاحف الأمريكية، اشترى والترز أكبر عدد من التماثيل المستخرَجة من خبيئة الكرنك التى اكتشفها المهندس الفرنسى جورج ليجران فى فناء الصرح السابع الخاص بالمعبود آمون من الصروح العشرة فى معابد الكرنك. وعلى ذلك، فإن مجموعة الآثار المصرية بمتحف والترز ضعيفة فى عدد من الموضوعات المصرية المهمة مثل المومياوات والأثاث الجنائزى وقطع الحياة اليومية والبردى.
للتغلب على ذلك النقص، قام المتحف فى عام 1941 بالحصول على مومياء من متحف متروبوليتان للفن فى نيويورك. وكان قد عُثر على هذه المومياء فى البر الغربى لمدينة الأقصر فى منطقة الدير البحرى (حيث يوجد معبدالملكة حتشبسوت الشهير) بين عامَى 1930و1931. وهذه المومياء لسيدة وذات غطاء جميل من الكارتوناج، وتُعَد من روائع متحف والترز. وبعد ذلك، جاءت مومياء أخرى من العصر الرومانى،ومومياوات حيوانية، ومومياء القمح الطقسية. وأعار متحف متروبوليتان بعضًا من آثاره الجنائزية لمتحف والترز. وكذلك فعل متحف المعهد الشرقى بجامعة شيكاجو حين أعار بعضًا من أدواته للحياة اليومية لمتحف والترز. وتمتد زمنيّا مجموعة الآثار المصرية بمتحف والترز من عصور الأسرات المبكرة إلى العصر اليونانى- الرومانى. وتم إعداد وإعادة افتتاح القسم المصرى بالمتحف للجمهور فى عام 2001.
ورغبة منه فى أن يشرك أهل مدينته، مدينة بالتيمور، فى التمتع بمجموعته الفنية الضخمة، كتب هنرى والترز فى وصيته أن يؤول المبنى ومحتوياته إلى عمدة ومجلس مدينة بالتيمور، وذلك «لمنفعة الجمهور». وعندما مات فى عام 1931، أصبح متحف والترز متحف مدينة بالتيمور.
وفى نهاية حديثى عن متحف والترز، أقول إن مجموعة الآثار المصرية فى متحف والترز للفن فى مدينة بالتيمور تُعَد خير مُعَبر عن مصر القديمة وحضارتها على أرض أمريكية، وتعكس ماضيًا مصريّا بعيدًا غير أنه مفعم بالحيوية، وتمثل حالة لا تنتهى من السحر والجَمال.
*مدير متحف الآثار-مكتبة الإسكندرية




مقالات د. حسين عبد البصير :

زعماء «التحرر الوطنى» فى مصر القديمة
البناءون العظام
خير أجناد طيبة
الفراعنة المحاربون!
السحر الفرعونى
متحف مكتبة الإسكندرية.. هدية مصر للعالم
متحف الحضارة.. 7 آلاف سنة! «بانوراما»
فى حضرة «المهندس الأعظم» بمتحف سقارة!
الكنوز المدفونة فى عروس المتوسط
أولمبياد «طيبة 2020» قبل الميلاد!
«الهرم الرابع» بوابة «عِلم المصريات» لغزو أوروبا
«الفراعنة» فى أعمال نجيب محفوظ
حكايات «ضمير العالم» فى مصر القديمة
الأصول الفرعونية لـ«كعك العيد»!
هل عَبد المصريون القدماء الحيوانات؟
أوجه الشبه بين
باسْم «الإله الواحد» فى معابد الفراعنة!
البحث عن «الله» فى مصر القديمة
هى مش فوضى!
«محاربو الساموراى» أسْرَى «السحر الفرعونى»
ليالى «إيزيس وأوزيريس» فى شوارع أمريكا
فتوحات «توت عنخ آمون» من باريس إلى «لوس أنجلوس»
تغيير وجه التاريخ فى أهرامات الجيزة
سجون الفراعنة.. إرشاد وتهذيب وإصلاح
إيزيس صانعة الآلهة فى مصر القديمة
لصوص المومياوات فى أوروبا
الحج إلى مقام فى سوهاج!
ملامح الشخصية المصرية
«دفتر يومية» عمال بناء الهرم الأكبر
نهاية أسطورة تفوق «الرجل الأبيض»
حضارة «المايا» تبوح بأسرارها!
العالم السرى للآثار الغارقة!
لغز «الأصول الأدبية» للتـوراة
لُقْيَة الفرعون الذهبى!
أهم 10 اكتشافات فى القرن الـ20
ألغاز موت ملوك الفراعنة!
الصراع على الله فى مصر القديمة!
أسطورة «الفرعون الشمس» أمنحتب الثالث!أسطورة «الفرعون الشمس» أمنحتب الثالث!
مُجَمَّع الديانات القديمة فى الواحات البحرية
عندما استعادت البشرية ذاكرتها
شمس «مصر القديمة» فى متحف «عاصمة الضباب»!
عملية إنقاذ ميراث «الجد الأعظم»
أسرار فراعنة اللوفر!
مذكرات الفراعنة.. لا أكذب ولكنى أتجمل
نهاية أسطورة «لعنة الفراعنة»
بقلم رئيس التحرير

الأفاقون!
بامتداد 365 يومًا مضت، كانت الإشارات لا تزال خافتة.. لكنها، كانت موجودة على كل حال.. يُدرك المتمرسون فى كشف «ما بين السطور&..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
طارق مرسي
ماذا يفعل الداعية «معز مسعود» بين نساء الجونة؟
د. فاطمة سيد أحمد
لا تتحدث عن الجيش.. أنت لا تعرف شيئًا
هناء فتحى
موت «مارلين»!
محمد جمال الدين
هل عندنا أحزاب؟!
اسامة سلامة
جريمة لا تسقط بالتقادم
د. ايريني ثابت
كلمة تساوى حياة
حسين دعسة
ضربات أرامكو والانتخابات الإسرائيلية
د. حسين عبد البصير
زعماء «التحرر الوطنى» فى مصر القديمة

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF