بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

16 يوليو 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

أيهما الجاهلى!

4143 مشاهدة

15 يوليو 2017



جرت العادة فى جميع كتب الأدب العربى والمقررات الأدبية المدرسية تسمية الأدب بشكل عام (شعرا أو نثرا) ما قبل البعثة النبوية بالأدب الجاهلى كصفة لاصقة به، وقد يكون المقصود نسبته للعصر الذى عاش فيه (الجاهلى) وممكن أن يكون ذلك مقبولا من الناحية الدينية وليس  الأدبية، هذه الصفة وتعميمها بهذا الشكل ليس عدلا، فكثير من النتاج الأدبى سواء نثرا أو شعرا به من سمو المعانى وجمال الصورة ما يفوق الذى يليه،  خاصة وقد سادت فورة إنتاج الذى يليه قصائد غلب عليها تدبيج المديح المبالغ فيه والتى تلقى على بلاط الخلفاء والأمراء طمعا بالخلع والعطايا من الممدوحين وبعض شعراء البلاط أصبح هذا أحد مصادر الرزق لديه، فلا مانع من قلب الحقائق دون أدنى  تحرٍ للمصداقية وأيضا الإخفاقات إلى نجاح عريض، ولنأخذ مثالا على ذلك فالمعروف أن الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين وغيرها.. تمثل مآسى إنسانية وأضرارها مضاعفة فى ذلك العصر فلا توجد أدوات أو فرق مدربة للإنقاذ أو للتخفيف على الناس لكن شاعر البلاط يقلب ذلك كله إلى مديح فج فيقول مادحا حاكم مصر فى حينه:
ما زلزلت مصر من شر أريد بها بل رقصت من عدلكم طرقا
وأيضا قد يكون الأديب الشاعر لا يريد المال فقط ثمنا لشعره فهو يريد الجاه والسلطة لنفسه (المنصب) فسخر موهبته الشعرية الفذة الذى لا يعلو عليها فى زمانه لهذا الهدف، فها هو يمدح أحد الحكام فيوصله للنجوم مادحا على أمل أن يحصل منه على منصب أو مركز مرموق وعندما لا يحصل منه على ذلك يذمه ذما عنصريا مقيتاً فالقصيدة التى مطلعها:
عيدا بأى حال عدت يا عيد
بما مضى أم بأمر فيك تجديد
(إلى أن يقول)
لا تشتر العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأنجاس مناكيد
وأيضا قد يجند شعر المديح لأغراض سياسية دعائية وهو الإعلام الوحيد تقريبا السائد فى ذلك الوقت، فنجد شاعرا قد يكون ساعد شعره فى تغيير مفهوم اجتماعى سياسى وتغيير الحقائق المثالية بعد أن يكون تم تجنيده لهذه الغاية مثالا على ذلك فى القصية التى مطلعها:
مهلا عباد الله أن الخلافة
يشاء بها الرحمن حيث يريد
 إلى أن يقول أو يقرر:
إذا المنبر الغربى خلى مكانه
فإن أمير المؤمنين يزيد
أى على الأمة أن تقبله كقرار سياسى لا رجعة فيه، خاصة وأنه أرجع ذلك كإرادة إلهية كما ورد فى البيت الأول مما ورث المجتمع قبول السلطة القسرية، وقد يشغل فيها الشخص الممدوح غير المناسب فى قيادة تورث وضعا كارثيا تتوارث نتائجه السلبية الأجيال اللاحقة وكما قال شاعر البلاط الآخر والمعاصر له : القول ينفذ مالا تنفذ الإبر.. لكن شعر المديح المبالغ فيه لا يقتصر ضرره على المتلقى من الناس فهو يدخل الزهو بالنفس للممدوح فقد يترسخ بذهنه أنه يملك ميزات لا تتوفر لغيره من الناس..لنقارن ذلك بالأدب المسمى الجاهلى ونأخذ  نماذج منه (الذى يقال فى الغالب بشكل عفوى غير متكلف) فهذا أحد الشعراء يمدح اثنين من وجهاء القبائل بذلا مالهما الخاص لدفع ديات لأهلى القتلى من قبيلتين أخريين طال تناحرهما فى  سبيل وقف عملية الثأر المتبادل التى لا تنتهى، وقد نجحا فى ذلك فيؤرخ الشاعر هذا الحدث العظيم فى القصيدة التى منها:
تداركتما عبسا وذبيان بعدما
تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
فلا الشاعر ولا الممدوحان كانا يهدفان لاعتلاء زعامة أو منصب ولا يجريان أجرا دنيويا أو أخرويا ولو عاصرا عصرنا الحاضر فلا أقل من جائزة نوبل بحقهما، ومثال آخر،  شاعر يرسم لوحة معبرة عن تجذر الكرم العربى فى عمق نفسه الإنسانية فى القصيدة التى مطلعها:
وطاوى ثلاثا عاصب البطن مرملا
ببيداء لم يعرف بها ساكنا رسما
إلى أن يقول:
رأى شبحا وسط الظلام فراعه
فلما بدأ ضيفا تسور واهتما
 إلى أن يقول:
وقال ابنه لما رآه بحيرة
يا ابتى اذبحنى ويسر له طعما
ولا تعتذر بالعدم على الذى طرى
يظن لنا مالا فيوسعنا ذما
فروى قليلا ثم أحجم برهة
وإن هو لم يذبح فتاة فقد هما
ولنأخذ مثالا آخر هذه المرة من النثر بل هى مقطوعة أو مسرحية ذات معانٍ واقعية يمكن إسقاطها فى أى عصر لما ترسمه لنا من الصور الصحراوية القاسية.
وقد أبدع معد السيناريو القديم والمجهول فى إعداد الحوار لها وهى تتحدث عن مشكلة أو قضية حدثت بين أنثى أرنب وثعلب ذهبا للقاضى ويقوم بدوره (الضب) ويعطى لقب (أبا سحل) كنوع من التفخيم وقد بدأت المرافعة بالقضية الأرنب بصفتها المدعية عندما وصلا إلى حجر الضب نادته الأرنب كما يلى:
الأرنب: يا أبا سحل
أبا سحل: سميعا دعوتما
الأرنب: أتيناك لنحتكم
أبا سحل: عادلا احتكمتما
الأرنب: فاخرج إلينا إذا
أبا سحل : فى بيته يؤتى الحكم
الأرنب: إنى وجدت ثمرة
أبا سحل: حلوة فكليها
الأرنب: فاختلسها منى الثعلب
أبا سحل: لنفسه بغى الخير
الأرنب: فلطمته
أبا سحل: بحقك أخذت
الأرنب: فلطمنى
أبا سحل: حرا انتصب لنفسه
الأرنب: فاحكم بينا إذا
أبا سحل : قد حكمت
هذه المسرحية فيها من العبر ما يكفى ويمكن إسقاطها علينا فى هذا العصر على أى مشكلة مشابهة تواجهنا.
ولنأخذ مثالاً آخر: على شاعر يصور لنا معاناته عندما سدت الطرق فى وجهه فاضطر للسفر المضنى والطويل.
 فيقول:
 بكى صاحبى لما رأى الدرب دونه وأيقن أن لاحقانى بقيصر فههنا البساطة وكأنه حديث شفهى.
وأيضا نفس الشاعر يصور مأساته ولكن بطريقة هزلية هذه المرة عندما كان يحتضر وبعيدا عن أهله ووطنه بمكان يقال له عسيب وكان القبر المعد له بجانب قبر أميرة غسانية فيصور نفسه كأنه يحدثها.
أجارتهما إن الخطوب تنوب
وأنى مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان هاهنا
وكل غريب للغريب نسيب
ما أردت أن أصل إليه فى هذا المقال أن من الظلم تعميم صفة الجهل بأدب رفيع كهذا بحجة العصر الذى عاش فيه، فليس ذنب رواده أن عاشوا فى هذا العصر ما دام إنتاجهم بهذا السمو.
 علما أن معاصريه قد رفعوا شأنه وعلق عدد من قصائده على أستار الكعبة (المعلقات السبع) كتقدير معنوى لما أبدعوه.
فالأدب هو نتاج إنسانى، فبالإمكان إطلاق اسم الأدب العربى القديم وبالنسبة للذى يليه فى عهد الخلافة الراشدة والأموية والعباسية بالأدب العربى الوسيط والأخير بالأدب العربى الحديث وأيضا لكل منها تفرعاته، فمن الحديث أدب المهجر ومنه ومن غيره أدب  الرثاء والغزل.. الخ.
فصفة الجاهلى يجب محوها من أدب عزيز علينا فكيف نأمل من ناشئتنا وأجيالنا القادمة إجلال أدبنا العربى القديم ودراسته ونشره أمام العالم ونحن قد وصفناه بالجهل.
 عبدالرحمن الحُذنِّى
Abdulrahman_alhatgnni@yahoo.com
 


بقلم رئيس التحرير

الداعية والنساء!
  من مواجهة الإلحاد بالجنس .. إلي زواج الفنانات! فى غضون العام 1903م، طبّقت شهرة الرجل الآفاق؛ إذ وصلت «شهرته»..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
محمد جمال الدين
دكتوراه فى الفساد!
اسامة سلامة
صحيفة تحت الحصار
د. فاطمة سيد أحمد
«الصلاة».. و«السلام»!
وائل لطفى
دعاة وفنانات!
عبدالعزيز خريبط
مصر التى فى خاطرى
د. مني حلمي
إنكار ما هو معلوم من المواطنة.. بالضرورة!
حسين معوض
تكلفـة الرشـوة: 90 مليـــار جنيه سنويًا!
مدحت بشاي
هل ماتت الكوميديا؟!
مصطفي عمار
كيف تصبح أسطورة أو على الأقل رقم واحد؟!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF