بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

13 نوفمبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

بالتفاصيل: ملفات (المخابرات الأمريكية) عن تغيير (الأنظمة العربية)!

1513 مشاهدة

19 اغسطس 2017
كتب : هاني عبد الله



فيما بين تدمير بُرجى   «مركز التجارة العالمي» (هجمات أيلول/ سبتمبر 2001م)، و«الغزو الأمريكي» للعراق (آذار/ مارس 2003م)؛ شهدت الساحتان: (الأوروبية، والأمريكية)، بشكلٍ متزامن، العديد من السيناريوهات «المتعاقبة» حول مستقبل منطقة «الشرق الأوسط» (!)وكان من بين ما شهدته تلك الفترة، تقديم «واشنطن» لورقتها الأولى، عن عمليات التحول «المفترضة» بالمنطقة.. ثم تبعتها كلٌ من: «بريطانيا»، و«ألمانيا»، و»فرنسا».
 اندمجت الأخيرتان (أى   الورقتين: «الألمانية، والفرنسية») فى   «الورقة الأوروبية».. وتركتا «الورقة البريطانية» جانبًا.. ثم جاءت «الورقة الأمريكية» المعدّلة.. وتناوبت هذه الأوراق - جميعًا - على   العمل تحت لافتة: الإصلاح فى   «الشرق الأوسط الكبير» (أو الموسّع، أو الأوسع، أو الأكبر... إلى   آخره).
وبالتوازى   مع سنوات التداول [التمهيدية] للمشروع؛ بدا فى الأفق أن ثمة «توجهات أمريكية» قوية؛ لإحداث تغيرات «جذرية» بأنظمة المنطقة الحاكمة.. إذ استبق عددٌ من «المحافظين الجدد» بإدارة بوش (الابن) الأمر، بالإعلان عن أنّ «سياسات الاسترضاء»، التى   اتّبَعتها «واشنطن» مع الأنظمة القائمة بـ«الشرق الأوسط» (الموصوفة بـ«الاستبدادية») فشلت فى   أن تؤتى   ثمارها.. وأنه يتعين على   «الولايات المتحدة» أن تتحرك بشكلٍ سريع؛ لإزاحة تلك «الأنظمة» عن السلطة، وتدشين «الديمقراطية» بأرجاء المنطقة، كافة.. إذ كان «تغيير الأنظمة» هو أكثر الكلمات الجديدة صخبًا.
ومع ذلك.. لم يكن لـ«احتلال العراق» أى   علاقة منطقية بـ«إرساء الديمقراطية»، إذ تأسس على   زعمٍ بأن «العراق» يمتلك «أسلحة دمار شامل»، وأن «صدام حسين» أقام قنوات اتصال مع «تنظيم القاعدة»(!).. وعندما وجِهت الحرب فى   العراق بـ«مقاومة محلية» شرسة؛ أصبح من الواضح أن «الولايات المتحدة» سوف تبقى   هناك لفترة من الزمن.
إلا أنّ الأمر اقتضى   - بالتبعية - من واضعى   «السياسات الأمريكية» إعادة تهيئة المسرح؛ بعيدًا عن الصورة «السلبية»، التى   رسخها «غزو العراق».. ومن ثمَّ، كان أن أعلن «جورج بوش» (الابن) - فى   استباق آخر لمبادرة الشرق الأوسط الكبير (GMEI) من داخل «معهد أمريكان إنتربرايز» (American Enterprise Institute) حيث يقبع «الصندوق الوطنى للديمقراطية» (NED) فى 6 نوفمبر/ تشرين الثانى   من العام 2003م، عن أن «الولايات المتحدة الأمريكية» سوف تتبنى «استراتيجية تقدمية للحرية» (forward strategy of freedom) داعيًّا «الصندوق» لتخصيص 40 مليون دولار من ميزانيته لـ«الشرق الأوسط» وحده (أى   ما يُعادل ما تم إنفاقه خلال سنوات التغيير فى   «صربيا» مجتمعة).
إذ كانت الفكرة «الرئيسية» من مبادرة الشرق الأوسط الكبير (GMEI) وفقًا للعديد من المراقبين الغربيين، (وهى   فكرة أسهم العديد من الدوائر فى   صياغتها، ووضعت «وزارة الخارجية الأمريكية» لمساتها الأخيرة)؛ البحث عن أداة «أخري» (غير الاحتلال التقليدي)؛ للسيطرة الإمبريالية.. إذ كانت تسعى   «واشنطن»، وقتئذ - من الناحية الفعلية - لتعزيز هيمنتها: (سياسيًّا، وعسكريًّا، واقتصاديًّا) على   المنطقة، وبسط نفوذها على   أسواقها الداخلية.. فى   حين كان المُعلن (نظريًّا)، هو «القضاء على   الإرهاب»، وإحداث نوع من التغيير الديمقراطى.
وعبر «الآليات» التى   تم تطويرها - فى   السابق- وتوظيفها ضد الأنظمة المناهضة لواشنطن بـ«أمريكا اللاتينية» [وغيرها من البلدان الأخري] أقدمت «الولايات المتحدة» على   فتح العديد من الأبواب على   مصارعها لكى   تتدفق أموال «وكالة الاستخبارات المركزية» (C.I.A) داخل المنطقة، نيابة عن العاصمة الأمريكية.
وبالتالى.. لم تكن «أزمة الثقة» التى   أبداها - فى   حينه - العديد من «الأنظمة العربية» تجاه المشروع بعيدة عن حقيقته.. إذ أدت «الصورة السلبية» التى   رسختها الممارسات الأمريكية فى   الشرق الأوسط (خاصةً: بعد «غزو العراق»، وفضائح التعذيب فى   معتقل «أبو غريب») إلى   احتدام الشكوك العربية (من قِبل «الأنظمة»، و«الجماهير» فى   آنٍ واحد) بشكل أكبر.
وبدت «الولايات المتحدة» - بشكلٍ واضح - نموذجًا صارخًا لـ«الاستعمار الحديث» (Neo-imperialism) بالمنطقة.. إذ فشلت - أيضًا - فى   التواصل مع أيٍّ من حكومات البلدان «المستهدفة».. كما بدت «ازدواجيتها السياسية» أوضح ما تكون، إذ شرعت «واشنطن» فى   إعطاء مساحات أوسع لبرامج «الصندوق الوطنى   للديمقراطية» (NED) لتنتقل أنشطته - بشكل ملحوظ - من أوروبا الشرقية و«البلقان»، إلى   «الشرق الأوسط»، عبر أموال «دافعى   الضرائب»، وضخ تلك الأموال داخل «الأحزاب»، أو «القوى   السياسية»، التى   تُفضلها «الولايات المتحدة» بجميع أنحاء العالم؛ لتمكينها داخل بلدانها (على   الرغم من أنه أمر «غير قانوني» داخل الولايات المتحدة، نفسها!).
كما خصص (مكتب الإدارة والميزانية) بالولايات المتحدة نحو 458 مليون دولار (رغم ما شهده «العراق» من انتهاكات) لما وصِف بـ«تعزيز الديمقراطية» فى   «بغداد»، خلال الأشهر الستة الأولى   من العام 2004م.. فضلاً عن إدارتها - فيما بعد - إحدى   «العمليات السرية» لتوجيه نتائج الانتخابات الداخلية هناك بالعام 2005م.
■ ■ ■
وفى   ظل مشهد مرتبك «عالميًّا» (من النواحي: الأمنية، والسياسية)؛ بدا أمام الرأى   العام (الشرق أوسطي) أن «تيار الإسلام السياسي» بات (ظاهريًّا) بمثابة ورقة «منتهية الصلاحية» فى   ظل السياسات الأمنية «الأمريكية» الجديدة بالمنطقة.. لكن، ربما ما غذَّى   هذا الاستنتاج «المبكر» لدى   العديد من الدوائر الشرق أوسطية (السياسية - الأمنية - البحثية)، هو ذلك الكم «الهائل» من «المبادرات»، و«الدراسات» التى   أنتجها «العقل الأمريكي» فى   أعقاب 11 أيلول/ سبتمبر.. إذ طالبت تلك المبادرات، والدراسات - صراحةً - بإحداث تغييرات «جذرية» فى   بنية الثقافة العربية، والإسلامية بالمنطقة.
ففى   ديسمبر/ كانون الأول من العام 2002م (على   سبيل المثال) كان أن أطلق وزير الخارجية الأمريكى   «كولن باول» (Colin Luther Powell) مبادرته الشهيرة (المبادرة الأمريكية للديمقراطية فى   العالم العربي) أثناء خطابه أمام «مؤسسة التراث» بواشنطن.. إذ أعرب «باول» عن قلقه البالغ إزاء ما وصفه بـ«مستقبل الأمة العربية، التى   تخطاها قطار الحداثة».. وأن تلك المنطقة يجب أن تخضع للعديد من الإصلاحات «الجذرية»: سياسيًّا، واقتصاديًّا، وتعليميًّا، إلى   جانب «تمكين المرأة».
واعتمد «باول» فى   الترويج لمبادرته (خصصت «واشنطن» نحو 29 مليون دولار لتنفيذها) على   عدد من الإحصاءات الواردة بـ«تقرير الأمم المتحدة» حول التنمية البشرية بالشرق الأوسط، الصادر بالعام نفسه (أي: العام 2002م)، مُبينًا أن ما يترجمه «العالم العربي» عن الثقافة الغربية لا يتجاوز 330 كتابًا (أي: ما يُعادل خُمس ما تترجمه اليونان، وحدها).. وأن هناك نحو عشرة ملايين طفل عربى   على   مشارف سن «الالتحاق بالدراسة»، لا تتوافر لهم «البِنى   المدرسية» الكافية.. فضلاً عن أن هناك «65 مليونًا» آخرين لا يُحسنون «القراءة» أو «الكتابة»، من حيث الأصل (!)
لكن.. لم يكن ما قاله وزير الخارجية الأمريكى   «الأسبق» هو كل ما جادت به «القريحة الأمريكية» وقتئذ.. فبالتوازى   مع «مبادرة كولن باول»، كان العديد من الدوائر (البحثية، والأمنية) الأمريكية يضع لمساته «النهائية»، أيضًا، حول شكل «الشرق الأوسط» الجديد.. إذ يُنبه هنا، «الدبلوماسى   الفرنسي» وأستاذ «العلوم السياسية» بمعهد باريس للعلوم السياسية «بيار كونيسا» (Pierre Conesa) إلى   تلك الحالة، قائلاً: «علينا ملاحظة هذا الإنتاج الضخم من دراسات الإرهاب، التى   أبصرت النور فى   أعقاب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، مباشرةً.. إذ أنتج مركز التفكير للأبحاث والنمو (RAND) وحده، خلال الفترة من: 2002م إلى   2003م - بطلب من السُلطات المُختلفة - أكثر من 100 تقرير.. كما انتشر عدد هائل من السيناريوهات (الكارثية)، بطلب من السُلطات ذاتها».
ولم يكن ما نبّه إليه «كونيسا» حول «السيناريوهات الكارثية» مبالغًا فيه، بأى   حال من الأحوال.. إذ باتت منطقة «الشرق الأوسط» محلاً للعديد من «التشريحات» (السياسية، والعقائدية، والديموجرافية «السكانية») من قبل المتخصصين الأمريكيين بحثًا عن شركاء «مُستقبليين» يُمكن أن يُسهموا فى   تأمين «مصالح واشنطن» بالمنطقة (وخارجها، أيضًا)، بشكلٍ أعمق (!)
وفى   هذا السياق؛ كان ثمة دراسة «مهمة» - من بين ما أنتجه مركز (RAND) خلال تلك الفترة - يُمكن أن تعكس أمامنا بوضوح، كيف كان يفكر «العقل الأمريكي» حينـذاك.. إذ حملت الدراسة التى   أصدرها المركز - بناءً على   طلب من «الحكومة الأمريكية»، ووكالة الاستخبارات المركزية (C.I.A) بالعام 2003م، عنـوان: [الإسلام المدنى   الديمقراطى: الشــركاء، والمصــادر، والاســـتراتيجيات]، أو
(Civil Democratic Islam; Partners, Resources and Strategies).
وتكمن أهمية الدراسة، التى   أعدتها «شيريل بينرد» (Cheryl Benard) فى   أنها كانت بمثابة «مسح جيولوجي» لمعالم وطبقات «المجتمعات الإسلامية» من الداخل؛ بحثًا عن شريك مُستقبلى   يُمكن أن يُحقق المستهدفات «الأمريكية» الجديدة، بدلاً من أنظمة الحُكم القائمة بالمنطقة نفسها.. إذ قسمت الدراسة (ذات التوجه «البرجماتي» البحت) الكتل «الفاعلة» بالمجتمعات الإسلامية إلى   4 طبقات رئيسية، هي:
(أ)- الأصوليون، أو «الراديكاليون»: وهؤلاء يرفضون «القيم الديمقراطية»، و«الثقافة الغربية» المعاصرة.. إذ يسعون نحو تأسيس «دولة سلطوية» تنفذ رؤيتهم «المتطرفة» للشريعة الإسلامية، و«الأخلاق».. وهم على   استعداد لاستخدام المبتكرات و«التكنولوجيا الحديثة» لتحقيق هذا الهدف.
(ب)- التقليديون: ويسعى   هؤلاء نحو «مجتمع محافظ».. إذ يرتابون فى   دعوات «الحداثة» و«الابتكار».. ويُمكن - وفقًا لأكثر من توضيح بالدراسة - أن نضع بينهم تيار «الإسلام السياسي» الذى   يبدو - وفقًا للتصورات الأمريكية - أكثر ميلاً للوقوف فى   «منتصف الطريق» بين التيارات كافة، مثل: «حزب العدالة والتنمية» فى   تركيا [و«جماعة الإخوان» فى   مصر].
(ج)- الحداثيون: وهؤلاء يريدون أن يُصبح «العالم الإسلامي» جزءًا من «الحداثة العالمية»، إذ يسعون نحو «تحديث الإسلام»، وإصلاحه من الداخل (التيار المؤيد لـ«فتح الله كولن» بتركيا، نموذجًا) حتى   يتماشى   مع العصر.
(د)- العلمانيون: ويريد هؤلاء أن يتقبل «العالم الإسلامي» فكرة الفصل بين «العمل الديني»، و«العمل السياسي» على   غرار الديمقراطيات الغربية «الصناعية».. وأن يتفهم العالم الإسلامى   أن «المعتقد الديني» علاقة خاصة، لا تقبل الوصاية من أحد.
فى   سياق التفاصيل «التشريحية»، التى   وضعتها دراسة مركز (RAND) للشرائح الأربع داخل المجتمعات الإسلامية؛ أوضحت الدراسة أن «العلمانيين» (فى   إطار فهمهم للديمقراطية الغربية) يُمكن أن يكونوا - بشكلٍ عام - شريكًا «رئيسيًّا» للولايات المتحدة داخل «العالم الإسلامي».. إلا أن «الولايات المتحدة» يجب ألا تفعل هذا لسببين:
الأول: لأن غالبية أبناء «التيار العلماني» من ذوى   النزعة «اليسارية»، التى   تُناهض «الأمركة»، إذ يُعلون - فى   المقابل - من النبرة «القومية» الصارخة (!)
الثاني: لأنهم «أقلية» داخل تلك المجتمعات.. لذلك على   «واشنطن» ألا تُعوّل على   «العلمانيين» كشركاء «دائمين»، أو «أساسيين».. بل ينبغى   عليها أن تعمل على   «عزلهم» عن البؤر المعادية لأمريكا (!)
أما «الأصوليون» أو «الراديكاليون» (Radicals) فهم معادون - بطبيعة الحال - للديمقراطية الحديثة («القيم الغربية» بشكلٍ عام، و«الولايات المتحدة الأمريكية» على   وجه الخصوص) إذ تتنافى   أهدافهم، ورؤيتهم العامة مع الغرب.. لذلك على   «الولايات المتحدة» ألا تدعمهم، إلا فى   إطار «قضايا تكتيكية مؤقتة» (temporary tactical issues)..  لكن، على   «واشنطن» بشكل عام أن تكشف أعمالهم «غير القانونية» (!)
وأوضحت الدراسة أن «التقليديين» يحملون - للوهلة الأولى   - عدة سمات تجعلهم «جذّابين» كشركاء «محتملين» بالنسبة للولايات المتحدة.. إذ يُمكن تلخيص تلك السمات، فى   الآتي:
■ قوى   مفيدة «مضادة للأصوليين».. فهم يتمتعون بـ«شرعية جماهيرية»، من وجهة نظر الشعوب الإسلامية.
■ يميلون إلى   الوقوف فى   «منتصف الطريق».. أي: أكثر «اعتدالاً»، وتأثيرًا هادئًا.
■ منفتحون على   الغرب.. ويسعون - بأنفسهم - للحوار بين الأديان.
■ لا يؤيدون العنف، بصورة عامة (رغم تعاطف العديد منهم مع «الأصوليين»).. وهو تعاطف يدفعهم فى   كثير من الأحيان لحمايتهم، ودعم مواردهم ومباركة أنشطتهم.
ولكل هذه الأسباب (وفقًا للدراسة) يبدو من المُغرى   اختيار «التيار التقليدي» كرافدٍ رئيسٍ لتغذية «الإسلام الديمقراطي».. كما يبدو - فى   الحقيقة - أنّ هذا هو الاتجاه الذى   تميل إليه «القوى   الغربية».. [وهى   عبارة كاشفة لمعالم الارتباط المستقبلى   بين «واشنطن» و«التيار الدينى   التقليدي» بالشرق الأوسط.. إلا أنها - للأسف - لم تحظ باهتمام كافٍ من قبل الدراسات «المبكرة» التى   تعرضت للدراسة بالتشريح، فى   حينه!].
وتُنبه الدراسة هنا، «دوائر صُنع القرار الأمريكية» إلى   أنه كثيرًا ما يكون من الصعب «التمييز» بين: التقليديين (حتى   «الإصلاحيين» منهم)، والأصوليين.. إذ إنّ وجه الصعوبة يتلخص فى   أمرين:
(أ) من دون قصدٍ للتضليل من قِبل «التيار التقليدي»؛ فإن آراءه وقيمه، كثيرًا ما تتقارب مع «التيار الأصولي» لدرجة يصبح من الصعب فيها الفصل بين «الفريقين» بخيط رفيع.
(ب) يتشارك «التقليديون» و«الأصوليون» فى   العديد من المرتكزات.. إذ يستخدم «الأصوليون» البنية الأساسية للتقليديين: (المساجد - التجمعات - الجمعيات الخيرية... إلخ)، كغطاء ومصدر للدعم.
.. وهو ما يُمكن اعتباره مكونًا «مزعجًا» فى   البنية الأساسية للتيارين.. إذ أصبح من الواضح - بشكلٍ متزايد، ومُلفت - خلال الأشهر التى   تلت «هجمات أيلول/ سبتمبر»، أن هناك تماهيًا بين الفريقين على   مستوي: المساجد، والمؤتمرات الإسلامية، والجمعيات الخيرية.. وفى   حين يصبح «العمل الاستخباراتي» المُحكم «وحده»، هو القادر على   كشف الصلات بين «المنظمات الإسلامية»، و«الحركات المتطرفة»؛ فإن الارتباط بين «المنصات التقليدية»، و«التيار الأصولي» يُمكن كشفه بجهد أقل.
وفيما بيّنت الدراسة أن أفضل طريقة يجب أن تتعامل بها «الولايات المتحدة» مع التيار «التقليدي»، هى   الاحتفاظ بعلاقات «هادئة» معهم (إذ لا يُمكن توقُّع انحيازهم للمفاهيم الغربية، فى   أى   وقتٍ من الأوقات) كان أن وضعت الدراسة «اقترابًا» يرتكز على   «أربعة محاور» مختلفة لتحديد المسار الذى   يجب أن تنتهجه «واشنطن» تجاه القوى   الأربعة «السالفة» عبر الآتي:
أولاً - دعم «الحداثيين»:
■ القيام بنشر وتوزيع أعمالهم بأسعار مُدعمة، وتشجيعهم على   مخاطبة «الجماهير»، و«الشباب».. والكتابة إليهم.
■ تقديم آرائهم فى   مناهج التعليم الإسلامى.
■ منحهم منبرًا جماهيريا يُعبرون من خلاله عن «وجهات نظرهم».. وجعل «أحكامهم الشرعية» تجاه «المسائل الجذرية» التى   كثيرًا ما تُثار فى   الخطاب الإسلامى   فى   متناول أيدى   الجماهير كنوعٍ من المنافسة مع «الأصوليين»، و«التقليديين» الذين يمتلكون قنوات إعلامية وتعريفية متعددة ابتداءً من: مواقع الإنترنت، و«دور النشر»، والمدارس، والمعاهد.. وانتهاءً بـ«قنوات الدعم» الأخرى، التى   تساعدهم على   نشر أفكارهم.
■ وضع «العلمانية» فى   اتجاه معاكس لـ«الحداثة» حتى   لا يأتى   هذا الربط بـ«أثرٍ سلبي» على   الشباب المسلم.
■ جعل كل ما يخص تاريخهم وثقافتهم مادة متداولة، يسهل الوصول إليها فى   «وسائل الإعلام»، وفى   «المناهج التعليمية» للدول وثيقة الصلة بالموضوع.
■ العمل على   تنمية «منظمات المجتمع المدني» بهدف الترويج للثقافة المدنية، وتوفير مساحة للمواطنين «العاديين» لكى   يُثقفوا أنفسهم حول «العملية السياسية»، وتدريبهم على   التعبير عن آرائهم.
ثانيًا - مساندة «التقليديين» ضد «الأصوليين»:
■ نشر، وترويج «النقد التقليدى   للعنف»، و«التشدد الأصولي».. وتغذية «نقاط الاختلاف» بين التقليديين والأصوليين.
■ دحض أى   فرصة للتقارب، أو «التحالف» بين التيارين.
■ تعزيز التعاون بين «الحداثيين»، و«التقليديين الإصلاحيين» (أي: القريبين من الفكر الحداثي).
■ تدريب التقليديين على   آليات مواجهة، و«مجادلة» الأصوليين.. فـ»الأصوليون» معروفون بـ«تفوقهم النوعي» فى   الخطاب الدينى.. فى   حين يلجأ «التقليديون» إلى   خطاب «الإسلام الشعبي».
■ تعزيز «التواجد الحداثي» داخل المؤسسات التقليدية.
■ تأييد الاتجاه الصوفى، ونشره.
■ التفريق بين «الفئات المختلفة» داخل التيار التقليدى.. ودعم «التوجهات التقليدية» الأقرب للحداثة، مثل: «مدرسة الأحناف» وتمكينها من إصدار أحكام دينية، وترويج تلك الأحكام لإضعاف «التوجه الوهابي» (ذى   الأحكام الرجعية).. كما قد يقتضى   الأمر «تقويض» منافذ التمويل الوهابى، التى   تدعم «مدرسة الحنابلة»؛ حتى   لا تمنع المسلمين من التعرف على   «مواطن التجديد» و«التحديث» التى   شهدها الفقه الإسلامى.. سواء من «الناحية النظرية»، أو من «الناحية التطبيقية».
ثالثًا - مواجهة «الأصوليين»:
■ تفنيد آرائهم حول الإسلام، وإظهار عدم دقتها.
■ كشف اتصالاتهم، وعلاقاتهم بـ«الجماعات»، و«الأنشطة» غير القانونية.
■ نشر العواقب الوخيمة الناتجة عن «أعمال العنف»، التى   ينتهجونها.
■ إبداء قدراتهم الهشة فى   الحكم، وإمكانياتهم الضعيفة فى   الوصول إلى   تنمية حقيقية تفيد مجتمعاتهم.
■ تسهيل وصول الرسائل - المذكورة أعلاه - إلى   الشباب المسلم و«المتدينين التقليديين» و«الأقليات المسلمة فى   الغرب».. وأخيرًا إلى   «المرأة المسلمة».
■ تجنب إظهار أى   بادرة تقدير لـ«أعمال العنف» التى   يتبنونها.. ووصفهم جميعًا بـ«الجبناء» و«المخبولين».. لا «الأبطال الأشرار».
■ تغذية عوامل الفرقة بينهم.
■ دفع الصحفيين للبحث و«التنقيب» حول «القضايا المهينة»، التى   يمكن أن تنال منهم مثل: «الفساد»، و«النفاق»، و«الانحرافات الأخلاقية».
رابعًا - التأييد «الانتقائي» للعلمانيين:
■ دعم «العلمانيين» المناهضين لـ«الأصوليين» والوقوف معهم فى   الخندق نفسه.. لكن، علينا، فى   المقابل، تثبيط أى   «تحالف علماني» مناهض للولايات المتحدة الأمريكية سواء أكان هذا التحالف يقف على   «أرضية وطنية» (قومية) أم «أرضية يسارية».
■ تعزيز فكرة «فصل الدين عن الدولة فى   الإسلام».. وأنّ الإسلام لن يتضرر من هذا الفصل بل على   العكس، سيستفيد منه بشكل أعمق.
■ ■ ■
ويبدو واضحًا - فى   ضوء المُعطيات السابقة - أنّ «العقل الأمريكي»، فيما بعد أحداث أيلول/ سبتمبر «مباشرة» كان عازمًا - بالفعل - على   تمهيد المنطقة - بمختلف امتداداتها - للدخول فى   حالة جدلية «شديدة التعقيد»، قبل الإعلان عن أكثر مشاريعه، استهدافًا لبنيتها الثقافية والعقائدية و«أنظمتها القائمة» (أي: مشروع الشرق الأوسط الكبير) الذى   أعلنه «بوش» (الابن)، خلال قمة الدول الثمانى   (G8) بالعام 2004م (قمة: «سى   آيلاند» بولاية جورجيا).. إذ فى   موازاة هذا «الجهد» كانت تُعقد «اجتماعات عربية» من أجل أن تقدم التغطية اللازمة لمقولة:«الإصلاح ينبع من الداخل».. ولم تتخلف «القمة العربية» عن الركب؛ فأدلت بدلوها، وافتتحت سلسلة «القمم الحزيرانية» (نسبة إلى   شهر: حزيران/ يونيو)، التى   كانت محطتها الإصلاحية فى   «سى   آيلاند»، والأمنية فى   «إسطنبول».
وفيما كانت الحكومة التركية [ذات التوجه الدينى   التقليدي] هى   النموذج «القياسي» للتعميم على   بقية دول المنطقة، من وجهة نظر القائمين على   «مشروع الشرق الأوسط الكبير» فى   واشنطن.. لم تكن - كذلك - أحداث سبتمبر (على   خلاف الشائع) بداية لتوتر العلاقات بين «واشنطن» و«تيار الإسلام السياسي» داخل بلدان المنطقة ذاتها.. وهو ما سيكون لنا معه وقفة «تفصيلية» تالية.


بقلم رئيس التحرير

عودة المؤامرة!
كما للتاريخ أحكامه، فإن للتاريخ – أيضًا – إشاراته، ودلالاته.. تقول الحكاية: إنه خلال عصر الإصلاحات الأخير، فيما عُرف..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
رشاد كامل
ذكريات عبدالرحمن الشرقاوى التى لم يكتبها!
محمد جمال الدين
بائعة الخضار والمسئول!
اسامة سلامة
أين مفوضية القضاء على التمييز؟
د. فاطمة سيد أحمد
السيسى يصرف لنفسه (توجيه)
عاطف بشاى
الذين يملكون صكوك التفويض الإلهى
د. حسين عبد البصير
عندما استعادت البشرية ذاكرتها
طارق مرسي
حلوه يا بلدى
سمير راضي
جولة فى عقول الميادين!
حسين معوض
مصانع «أرض الخوف».. العتوة وتوابعها
مصطفي عمار
حرب الأجور المقدسة!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF