بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

13 نوفمبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

برعاية أمريكية.. تحالف (كفاية) والإخوان) .. لإسقاط النظام!

1440 مشاهدة

26 اغسطس 2017
كتب : هاني عبد الله



يقينًا.. أسفر الإعلان عن «مشروع الشرق الأوسط الكبير» عن حالة جدلية (شديدة التعقيد) داخل «الشارع العربي»، فى حينه (أى: بالعام 2004م).. ورغم أن ثمة وثائقَ «رسمية» حول المشروع، لا تزال طيّ الكتمان (وفقًا لترجيحات عديدٍ من المراقبين).. فإن العملية «الترويجية» للمشروع ذاته، دارت - وقتئذ - حول عددٍ من النقاط الأساسية، منها:

(أ) - إن هناك تدهورًا حادًّا فى بنية «النظم السياسية» العربية، والإسلامية.. وبالتالي؛ لا بد من إحداث تغييرات «جوهرية» فى بنية تلك النظم، اعتمادًا على ثلاثة «محاور» أساسية، هى: «المحور السياسي»، و«المحور الثقافي/ الاجتماعي»، و«المحور الاقتصادي»، إذ يشمل «المحور الأول» (أى: المحور السياسي) قضايا: «سيادة القانون»، و«حقوق الإنسان»، و«دعم الديمقراطية».. بينما يشمل «المحور الثاني» قضايا: «التعليم»، و«حرية التعبير عن الرأي»، و«المساواة بين المرأة والرجل».. ويندرج تحت «المحور الثالث» (أى: المحور الاقتصادي) قضايا: «التشغيل»، و«الهيكلة»، و«دعم التجارة الحرة».
(ب) - إن عملية التدهور تلك (وفقًا للتصور الأمريكي)، أصبحت مُحفّزًا على نمو «العنف»، و«الإرهاب»، وتحوله إلى «إرهاب عابر للحدود»، إذ وصلت موجاتُه إلى العمقين: «الأوروبي، والأمريكي».
(ج) - على الولايات المتحدة أن تبدأ - بشكلٍ فورى - فى اتخاذ عدد من الخطوات الجادة؛ لتجاوز تلك الأزمة، عبر استهداف «البنية الحاكمة» لأنظمة 23 دولة «عربية وإسلامية»، بمنطقة: «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» (M.E.N.A)  بالتعاون مع شركائها الدوليين (مجموعة الدول الثماني).. وأن عملية التغيير «المرتقبة»، يجب أن تعتمد - إلى جانب «تشجيع الفرص الاقتصادية» - على برامج: «الحُكم الرشيد» (عبر منظمات المجتمع المدني)، و«بناء مجتمع المعرفة».
■■
يُمكننا، هنا (وفقًا للشائع) أن ننطلق (مرحليًّا) من أن «المبادرات» و«الدراسات» السابقة للإعلان عن «مشروع الشرق الأوسط الكبير» كانت بمثابة «حجر الزاوية»، الذى تأسست عليه أهداف المشروع ذاته (بشِقيه: السياسي، والأمني).. ورغم أنّ لهذا الأمر (جزئيًّا) نصيبًا من الصحة؛ فإننا نمتلك - فى المقابل - عدة «ملاحظات»، و«منطلقات» أخري، يُمكننا التأسيس عليها فى فهم «أعمق» للمشروع:
أولاً - يبدو (على خلاف الشائع) أنّ أحداث «الحادى عشر من أيلول/ سبتمبر» لم تكن بداية لتوتر العلاقات بين «واشنطن» و«تيار الإسلام السياسي» بمنطقة الشرق الأوسط، بقدر ما كانت «بداية مختلفة» للتعامل مع ذلك التيار.. وأن العديد من الدوائر الأمنية، والبحثية الأمريكية (بعضها أبدى حذره) كانت تُرحّب بهذا التيار شريكًا فى الحُكم بمنطقة الشرق الأوسط، باعتباره «نموذجًا» مُغريًّا؛ لتغذية «الإسلام الديمقراطي».. إذ تمت صياغة ذلك التصور، تأسيسًا على أن هذا التيار يضم أطيافًا من القوى «المضادة للأصوليين» (رغم تعاطف العديد من أبنائه معهم!).. وأنه يميل إلى الوقوف فى «منتصف الطريق»، إذ يُمكن (بحسب التصور الأمريكي) توظيفه فى عملية احتواء التيارات «الأكثر عنفًا»؛ اعتمادًا على وجود قنوات اتصال متعددة بين أفراده، والحكومات الغربية (دراسة RAND  نموذجًا).
ثانيًا - ثمة دلالة «مهمة» حول استبعاد «الولايات المتحدة الأمريكية» للتيار المدنى (العلماني) كشريك فى الحُكم (رغم أنه النموذج الأكثر فهمًا، واستيعابًا لقيم الديمقراطية، والحداثة).. إذ اعتبرت «واشنطن» أن «النزعة القومية» لهذا التيار، ورفضه لممارسات «الهيمنة الأمريكية»، أكثر خطورة على مصالحها، من التحالف وتيار يرفع «تكتيكيًّا» لواء الاعتدال (!)
ثالثًا - رغم العداء المُعلن بين «واشنطن» و«التيار الأصولي» (الراديكالي).. فإن عديدًا من الدوائر الأمريكية لم يكن يرى حرجًا فى «التوظيف السياسي» لعناصر ذلك التيار فى إطار «قضايا تكتيكية مؤقتة» (temporary tactical issues)..  وهو ما بدت له العديد من الشواهد، خلال أكثر من حادث، وفى أكثر من «حقبة».
رابعًا - روّج أغلبُ الدراسات «المبكرة» (سواء «الشرق أوسطية»، أو «الغربية»)، التى تعرضت لـ«مشروع الشرق الأوسط الكبير» إلى أن أحداث «11 أيلول/ سبتمبر»، كانت هى المُحفز الرئيسى لإطلاق هذا المشروع، من حيث الأصل.. وأنه كان ثمة «مبادرات تمهيدية» أطلقها كلٌ من: وزير الخارجية الأمريكى الأسبق «كولن باول» (Colin Luther Powell)?  ومدير تخطيط السياسات الأسبق بوزارة الخارجية الأمريكية «ريتشارد هاس» (Richard Nathan Haass)  عن تحديث البنية الثقافية، والسياسية بالوطن العربي.
لكن.. لم يكن هذا الأمر (وفقًا للمتاح أمامنا، حاليًّا، من معلومات) سوى الجزء «الظاهر» من جبل الجليد.. إذ لم تفعل إدارة «بوش» (الابن) فى العام 2004م، سوى أنها أعلنت عن «مشروع»، امتدت جذوره لما قبل «أحداث أيلول/ سبتمبر» بنحو 10 سنوات (!).. وما يدعم هذا التصور هو تفاعل العديد من الدوائر القريبة من «وزارة الدفاع الأمريكية» (البنتاجون) مع المشروع (بمسماه المعروف)، منذ التسعينيات (!).. وكان من بين «عملية التفاعل» السابقة تلك ما نشرته إحدى «مجلات الدفاع» الأمريكية (Joint  Forces Quarterly)،  فى خريف العام 1995م، إذ نشرت «المجلة» تقريرًا فى 6 صفحات، كتبه «جد سنايدر» (Jed C. Snyder)، عن المشروع، و«الدور التركي» فى تنفيذه، تحت عنوان: (الدور التركى فى الشرق الأوسط الكبير) (Turkeys Role In the Greater Middle East).
خامسًا - على ذكر «الدور التركي» فى تنفيذ المشروع؛ يبدو - واضحًا - فى ضوء التقاطعات التالية للإعلان عن «الشق السياسي» من المشروع بالعام 2004م - أن عديدًا من دوائر «صُنع القرار الأمريكية» (فضلاً عن شركائها الغربيين) كان يرى فى النموذج التركى «نموذجًا قياسيًّا» (رغم انتمائه للتيار التقليدي).. إذ تم النظر إليه باعتباره نموذجًا (لا يرفض «القيم الغربية»، ونابع من عمق «الثقافة الإسلامية»).. وهو ما يُفسر (بالتبعية) انطلاق أولى فاعليات «الشق الأمنى للمشروع» من داخل تركيا نفسها.. إذ تم الترويج، حينها، إلى أنّ «قمة حلف شمال الأطلسي» المنعقدة فى إسطنبول (NATO Summit in Istanbul)  هى نقطة الانطلاق الأساسية لـ«مشروع الشرق الأوسط الكبير».
كما كان من أبرز «الخطوط العامة»، التى تم تحديدها، حينئذ، هى تصورات «الناتو» حول الأعداء، إذ تصدَّر «الإرهاب العالمي» المشهد، فى ظل ما اصطلح على وصفه بـ«تغيّر البيئة الأمنية»، ليحل محل «الكتلة الشيوعية»، خلال حقبة «الحرب الباردة».. لذلك؛ أصبحت تركيا (ذات الثقافة الإسلامية) «دولة مركزية» (Central Country)  بالنسبة لـ«الناتو» أيضًا (لا «الولايات المتحدة» فحسب).. وهو ما حفّز عددًا من «المراقبين»، و«الأكاديميين» الأتراك؛ للقول بأن «المجتمع الدولي» بات يعتبر «تركيا» من دول «الخط الأمامي» (front country)..  وأنه من دون «تركيا» (وفقًا لهذا التصور)؛ سيصبح من الصعب تنفيذ سياسات «الاتحاد الأوروبي»، و«الولايات المتحدة» الجديدة تجاه «الشرق الأوسط»، وسوف تتعثر مهامهم «المستحدثة» بالمنطقة.
سادسًا - فى سياق محاولاتنا «الآنية» لإعادة قراءة «المتفرقات السابقة» للمشروع (ومقارنتها بمسار تطور الأحداث التالية داخل منطقة «الشرق الأوسط»)؛ يُمكننا أن نتلمّس بوضوح (الآن) عديدًا من جوانب التأثير التصاعدى للتيار التقليدى (من الناحية الإقليمية)، فى أعقاب أحداث أيلول/ سبتمبر (لا العكس).. كما يُمكننا ملاحظة أن «النموذج التركي» (القياسي) كان نموذجًا «تحت الاختبار» أيضًا، خلال تلك الفترة.. فإذا ما نجح «النموذج» فى تأدية الدور المنوط له؛ كان هذا مُحفزًا للولايات المتحدة، من أجل مواصلة الارتباط بالنماذج القريبة منه، داخل بلدان المنطقة الأخرى (تنظيم «الإخوان»، نموذجًا).. أما إذا أخفق؛ فقائمة «البدائل» لا تزال مفتوحة (!)
وبالتالي.. يُمكننا، هنا، أن «نستشف» كيف حاولت «أنقرة» أن تستثمر «الموقف»، حينئذ، لحسابها.. إذ وفقًا لـ«مراقبين» أتراك؛ فإن «تركيا» (انطلاقا من مقومات حكومة «رجب طيب أردوغان»، واختلافها النسبي، عن أغلب أنظمة الشرق الأوسط)؛ كانت الأكثر توافقًا كـ«دولة نموذج» (a sample state)  من أجل «الشرق الأوسط الكبير».. إذ تماشت خُطط الولايات المتحدة الأمريكية - جنبًا إلى جنب - مع التوجهات التركية، وبنائها الهيكلي.. خاصةً أن «واشنطن» كانت تسعى (وفقًا للظاهر من المشروع)؛ لدعم ما تعتبره «إسلامًا مُعتدِلاً» ضد «الإرهاب العالمي»، وبما يتوافق مع ما أعلنه - فى حينه - نائب وزير الدفاع الأمريكى الأسبق «بول وولفويتز» (Paul Wolfowitz) ، إذ قال «وولفويتز»: «علينا أن نصل إلى ملايين المسلمين «المعتدلين»؛ لكى نربح معركتنا ضد الإرهاب.. يجب علينا أن ندعم الراغبين فى الاستفادة من الحرية.. ومن المشاريع الحرة.. و«تركيا» تنبهنا إلى أنه ليس مطلوبًا منا أن نُضحى بقيم المجتمع الحديث».
سابعًا - فى أعقاب الإعلان عن «الشق الأمني» من المشروع (خلال «قمة الناتو» بإسطنبول)؛ لم تدخر تركيا (الأردوغانية) وسعًا فى إبداء حماستها «الزائدة» للتنفيذ، بما يجعل منها (فضلاً عن حصول «حزب العدالة والتنمية» (AKP) على العديد من التسهيلات السياسية) قوة إقليمية، من وجهة النظر الغربية، واعتبارها - فعليًّا - شريكا ديمقراطيا لقمة «الدول الثماني» (!).. وأن يتم تنفيذ المشروع، وفقًا لثلاث خطوات، هى:
(أ) - أن تتم عملية التغيير المرتقبة(Reformations)  من الداخل.
(ب) - أن يؤخذ «التنوع الداخلي» فى الاعتبار.
(ج) - أن تكون «المنظمات غير الحكومية» (NGO‚S)  و«الغرف التجارية» شريكًا فى التنفيذ.
وفى ظلال اجتماع «الأطلسي» (على سبيل المثال)؛ كان أن التقى نحو 150 باحثًا، ومثقفًا، وسياسيًا (أمريكيًا، وأوروبيًا، وتركيًا)؛ للتداول فى المهمات الجديدة للحلف.. وتحدث «رجب طيب أردوغان» داعيًا إلى امتداد «قيم الأطلسي» من «شمال إفريقيا إلى أوراسيا»، وإلى اعتماد تركيا نموذجًا.. وناقش «المجتمعون» ورقة عمل (كانت محصلة 3 أشهر من الاجتماعات، والمداولات)، عنوانها: (الديموقراطية والتنمية الإنسانية فى الشرق الأوسط الأوسع: نحو استراتيجية عبر أطلسية للشراكة).
.. وهى دراسة صادرة بدعم من «صندوق مارشال الألمانى للولايات المتحدة»، و«المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية».. إذ كان «المجتمعون»؛ برلمانيون وبحّاثة، ومسئولون فى مراكز دراسات: (تركية، وأوروبية، وأمريكية).. أى أنهم فى «دوائر» قريبة إلى «صُنع القرار».. ومنهم من لعب دورًا «مؤكدًا» فى إيجاد المناخات المناسبة للحرب على العراق.. وتقاطعًا مع «النهج التركي»؛ كان أن دأبت، أيضًا، الجماعات «المستوطنة للغرب» (التابعة لـ«تنظيم الإخوان الدولي»، والقريبة من تركيا «الأردوغانية»)، على أن تُصدّر للحكومات الغربية، عبر سنوات خلت (على خلاف «مناهجها التربوية») أنها تتماشى و«القناعات» نفسها، وعلى هذا؛ لم تستبعد «واشنطن» الجماعة من سياق مشروعها، الرامى لإحداث «عمليات التغيير» بالمنطقة».
كما يُمكننا هنا «إجمالاً»، الجزم (تأسيسًا على «المُعطيات» السابقة)، بأننا كُنّا أمام «مشروعٍ» ضارب بجذوره نحو ما هو أعمق مما تصورناه فى «الماضى القريب»، إذ انطلق أغلب مراقبى الشرق الأوسط «تحليلا» (أثناء المحاولات «الأولي» لفهم «السياسات الأمريكية» الجديدة، الخاصة بـ«منطقة الشرق الأوسط»)، من أرضية «أحداث 11 أيلول/ سبتمبر».. وذلك؛ من دون الانتباه - بشكلٍ كافٍ - إلى أن معالم الارتباط بقوى «الإسلام السياسي»، وتصعيدها على رأس السلطة (مع استبعاد التيار «المدنى - القومي»، كشريك «ديمقراطي» من المعادلة السياسية)، كانت قد تشكلت داخل «العقل الأمريكي» قبل هذا الأمر بسنوات (!)
■■
وفيما كانت «الدولة الشريك» (أى: تركيا) لا تتوانى عن تقديم الخدمات (المتبادلة) مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتمهيد أرض «الشرق الأوسط» أمام صعود تيار الإسلام السياسى داخل المنطقة (بدعوى أنه تيار يُمكنه التعاون فى تلبية متطلبات «واشنطن» الجديدة بالمنطقة)؛ كانت «الولايات المتحدة» نفسها، على موعد آخر لتهيئة «المسرح السياسي» داخل ذلك الامتداد الجغرافي، على طريقتها الخاصة.. إذ كان الدور الأبرز خلال تلك المرحلة لـ«الصندوق الوطنى للديمقراطية»(NED)  وما تبعه من: منظمات، ومؤسسات، وهيئات (متعاونة، أو تابعة)؛ لتغيير شكل الخريطة الخاصة بـ«أنظمة المنطقة العربية»، عبر تمويل «المنظمات غير الحكومية» (NGO‚S) و«الحركات الاحتجاجية».
وهى قصة «متداخلة»، و«متشعبة» إلى حدٍّ بعيد، إذ كان من بين حلقاتها «التنفيذية» - إلى جوار عمليات الدعم الخارجى لـ«الحركات الاحتجاجية» بالوطن العربى - ما أشرنا له سابقًا، حول «القرار» الذى اتخذه اثنان من مدربى حركة «أوتبور» الصربية، ممن قادوا عملية الإطاحة بالرئيس الصربى «سلوبودان ميلوشيفيتش» (وهما كُلٌ من: «سرديا بوبوفيتش»، و«سلوبودان ديينوفيتش»)؛ بتأسيس مركز «كانفاس» (CANVAS)  أو «المركز التطبيقى لحركات اللاعنف والاستراتيجيات».. إذ كان من بين مُستهدفات المركز تقديم الدعم التكتيكى لعناصر تلك «الحركات»، عبر تمويلات «وزارة الخارجية الأمريكية»، و«منظمة الأمن والتعاون فى أوروبا»، و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، ومنظمة (Humanity in Action)  الدولية، ومؤسسة «فريدم هاوس» (Freedom House)  الأمريكية.. وغيرها من المنظمات.
ففى إطار تهيئة «المسرح السياسي» لاستقبال عمليات التغيير بـ«النظم السياسية الحاكمة» داخل منطقة «الشرق الأوسط».. كان أن أولت «الولايات المتحدة الأمريكية» (خلال نصف الألفينيات الأول) اهتمامًا كبيرًا بدعم «الحركات الاحتجاجية» الناشئة داخل بلدان المنطقة.. إذ اعتبر «البيت الأبيض» أن تلك «الحركات» يمكن أن تُسهم - إلى حدٍّ بعيد - فى تحقيق عمليات الحراك «المُستهدفة».. حتى وإن كان ذلك الحراك «محدودًا» فى بدايته (أثر الفراشة).
وفيما شهد «الشارع المصري» من بين ما شهده، خلال تلك الفترة (وما تلاها)، ظهور «حركة كفاية» (على غرار حركة «كمارا» الجورجية)؛ كان أن منحت «الولايات المتحدة الأمريكية» جزءًا كبيرًا من أولوياتها للحركة المصرية «الصاعدة»، وما أحدثته بـ«الشارع السياسي»، فيما بعد.. إذ أسهمت «كفاية» فى ظهور «حركات احتجاجية» أخري، سارت على نهجها.. وهو ما كان محل «رصد دقيق»، فى حينه، من قِبل العديد من «مراكز التفكير»، والدراسات الأمريكية.
.. وكان من بين ما أنتجه «العقل الأمريكي»، حول هذا الأمر (فى وقتٍ لاحق)، ورقة تحليلية «مهمة» أصدرها مركز «راند» (RAND) تحت عنوان: (حركة كفاية: دراسة حالة لمبادرة الإصلاح الشعبية).
■■
لكن.. لم يكن إصدار مركز «راند»، وقتئذ، لتلك الدراسة «الوثيقة» (شاركت بإعدادها، أيضًا «شيريل بينرد»، صاحبة دراسة: «الإسلام المدنى الديمقراطي»، التى أشرنا لها سابقًا) وليدًا للصدفة.. إذ تم إصدارها فى إطار مشروع «المبادرة الاستراتيجية البديلة» (Alternative Strategy Initiative)  بالتنسيق مع «مكتب التكنولوجيا واللوجستيات» التابع لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون).. كما تم تمويلها، بشكلٍ «متعدد الأطراف»، من قِبل: «مكتب وزير الدفاع»، و«هيئة الأركان»، و«قيادة الأسطول»، و«مشاة البحرية» (المارينز)، و«الوكالات الدفاعية»، و«مجتمع الاستخبارات العسكرية»، إذ كانت تستهدف «المبادرة» تعميق أواصر التعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية، و«الحركات الاحتجاجية» المختلفة، فى إطار البحث عن «بدائل» سياسية متنوعة للنظم السياسية القائمة.
ومن ثمَّ.. تضمنت «الدراسة» تسليط الضوء على الحركة (أى: كفاية)، باعتبارها أحد النماذج «البارزة» لما تم توصيفه بـ«حركات الإصلاح الشعبية».. وأوصت الدراسة بـ«ضرورة» قيام الولايات المتحدة الأمريكية بدعم الحركة، ومثيلاتها فى العالم العربي، عبر المؤسسات غير الحكومية(NGO‚S)  لتعزيز أوضاع النشطاء بتلك الدول.. والعمل على تدريبهم (أى: النشطاء) على «كيفية بناء التحالفات الإقليمية، والدولية»، ومساعدتهم فى الحصول على «تكنولوجيا المعلومات» عبر تقديم العديد من الحوافز للشركات الأمريكية للاستثمار فى «البنية الأساسية للاتصالات، والمعلومات» بالمنطقة العربية.. إذ وفقًا لبعض المراقبين «الغربيين»، كانت تتوقع «الولايات المتحدة»، بناءً على تجاربها السابقة فى أوروبا: «الوسطي، والشرقية» (أى: خلال ما عُرف بـ«الثورات الملونة»)؛ أن تأتى «موجة الدمقرطة» المرتقبة، بنخب «موالية للغرب» إلى الحُكم.
ووفقًا للمراقبين أنفسهم؛ كان «المخططون» داخل الصندوق الوطنى للديمقراطية(NED)  وما يتصل به من «منظمات غير حكومية» يسعون نحو المزيد من الأسماء الرنانة (catchy names) للعديد من «الثورات الملونة» الأخري.. ومن ثم؛ كان أن اقتبست «الحركة المصرية» الجديدة اسم «الحركة الجورجية»، ومضمونها؛ من أجل التعرف على حركة تغيير النظام.. وعلى غرار حركة «كمارا الجورجية» تم تدريب عدد من نشطاء «كفاية المصرية» على أيدى عدد من المُدربين «الممولين» من قِبل «الصندوق الوطنى للديمقراطية» (NED) إلى جانب «مؤسسة ألبرت أينشتاين» (Albert Einstein)، التى تعتمد على أفكار «جين شارب» (Gene Sharp) حول ما أُطلق عليه: «وسائل حرب اللاعنف» (non-violence as a method of warfare).
.. وكان الهدف من تأسيس «كفاية»، أو «الحركة المصرية من أجل التغيير»؛ هو إنشاء «شبكة لا مركزية» من الخلايا «المتحركة»؛ حتى لا تنكسر الفكرة (!).. إذ تم تأسيس الحركة فى العام 2004م، بمنزل رئيس حزب الوسط «أبوالعلا ماضي»، وثيق الصلة بـ«جماعة الإخوان» (انضم، أيضًا، عدد من قيادات الجماعة للحركة، فور تأسيسها).. من دون النظر إلى «الاختلافات الأيديولوجية»، ومن أجل التحالف - أيضًا - على هدفٍ «واحد»، هو: الدعوة إلى إنهاء «حُكم مبارك».
إلا أنّ سيناريو التعامل مع «الحالة المصرية»، والحالات الشبيهة لها بالشمال الإفريقى (تونس، نموذجًا)، لم يكن بالضرورة هو «السيناريو القياسي»، الذى أرادت «واشنطن» تعميمه على بقية بلدان «الشرق الأوسط»، وقتئذ.. إذ ذهب بعض «التقديرات» إلى وجود عدة سيناريوهات (خلال تلك الفترة) أمام «صانعى السياسات» بالولايات المتحدة الأمريكية.. وهى «سيناريوهات» (بدائل)، مثّلت - فى مجملها - نتاج دراسات «مختلفة» لكل حالةٍ على حدة.
ففيما مال البعض إلى أنّ «عملية الدمقرطة» بالنسبة لـ«حلفاء واشنطن»، مثل: (مصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية)؛ يُمكن أن تتم عبر حثهم على تخفيف القيود المفروضة على «حرية الرأي»، و«المجتمع المدني»، و«الإجراءات الانتخابية»، و«إفساح المجال» أمام مشاركة سياسية أوسع نطاقًا.. كان من المطروح، أيضًا، أن تتعامل «واشنطن» مع عدويها المعلنين، وقتئذ: (إيران، وسوريا)؛ فى سياق عملية «تغيير الأنظمة»، على الطريقة التى شهدها العراق (!)
ومع ظهور «ثورة الأرز» فى لبنان؛ للمطالبة بالانسحاب السوري.. و«حركة كفاية» فى مصر؛ للمطالبة بإنهاء استمرارية حُكم مبارك (تحت شعار: «لا للتمديد، لا للتوريث»).. وحركة «نَبِّيها خمسة» الكويتية (أى: «نبغيها»، أو «نريدها» خمسة) للمطالبة بالإصلاح التشريعي، وتعديل «الدوائر الانتخابية»؛ بدا للحظة، وكأن «الثورات الملونة» فى أوروبا (الوسطي، والشرقية)، وصلت - بالفعل - إلى «الشرق الأوسط»، وأن شعار «الدمقرطة» الذى أطلقه الرئيس «بوش» (الابن) قد أثمر.. ومن ثمَّ؛ لم تخفت «سخونة» المناقشات (على مدار السنوات التالية، لظهور «الحركات الاحتجاجية» بالعالم العربي) حول مستقبل، وشكل «الشرق الأوسط» الجديد، داخل «واشنطن» (!)
.. أما ماذا جرى بتلك «المناقشات» الأمريكية؛ فهو ما سيكون لنا معه وقفة تالية.■


 


بقلم رئيس التحرير

عودة المؤامرة!
كما للتاريخ أحكامه، فإن للتاريخ – أيضًا – إشاراته، ودلالاته.. تقول الحكاية: إنه خلال عصر الإصلاحات الأخير، فيما عُرف..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
رشاد كامل
ذكريات عبدالرحمن الشرقاوى التى لم يكتبها!
محمد جمال الدين
بائعة الخضار والمسئول!
اسامة سلامة
أين مفوضية القضاء على التمييز؟
د. فاطمة سيد أحمد
السيسى يصرف لنفسه (توجيه)
عاطف بشاى
الذين يملكون صكوك التفويض الإلهى
د. حسين عبد البصير
عندما استعادت البشرية ذاكرتها
طارق مرسي
حلوه يا بلدى
سمير راضي
جولة فى عقول الميادين!
حسين معوض
مصانع «أرض الخوف».. العتوة وتوابعها
مصطفي عمار
حرب الأجور المقدسة!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF