بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

19 سبتمبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

شاهد على عصر الرقابة (الجزء الأول): على أبو شادى: رقابة الشارع أقوى من القانون

801 مشاهدة

21 اكتوبر 2017
كتب : شيماء سليم



من السهل أن تكون رئيسًا لجهة حكومية تراقب عمل المبدعين وهى «الرقابة على المصنفات الفنية». ما عليك فعله هو الذهاب يوميًا فى ساعات العمل الرسمية، التوقيع على التصاريح التى تقر بعرض الأفلام النظيفة الخالية من أى مشاكل أو اشتباكات، التوقيع على الملاحظات التى تكتب على الورقة الخارجية للسيناريوهات. التوقيع على قص المشاهد التى يراها الرقباء مخالفة للقانون المطاط الذى لا أول له ولا آخر.. وهكذا حتى تنتهى ساعات العمل الرسمية، لكن ليس من السهل، بل من أقسى وأقصى الصعوبات أن تكون أنت نفسك وأنت جالس على مقعد هذا المنصب: فنانًا، مبدعًا، حرًا، تفهم قسوة حذف لقطة واحدة من أى فيلم، محذرًا من أن يمس المقص أى شريط «نيجاتيف» أصلى لأنك تدرك ربما أكثر من صاحب العمل أن هذا هو الأثر الذى سوف يبقى للتاريخ، أو مثلاً تدرك خطورة وقوف أى فنان أمام وكيل نيابة أو قاضٍ ليدافع عن أبسط حقوقه فى حرية التعبير عن وجهة نظره فى الحياة.. «على أبوشادى» عرفته الأجيال ناقدًا جريئًا وحرًا.. وعرفته الدولة موظفًا قديرًا وكفؤًا، لذلك رغم عمله لأكثر من 40 عامًا موظفًا فى الدولة منها 8 سنوات شغل بها منصب رئيس الرقابة. فإنه لم يخسر ثقة وصداقة فنان واحد، حتى من اشتبك معهم كانوا دائمًا يعودون إليه ويعترفون حتى ولو فى قرارة أنفسهم أنه لم يكن ليؤذيهم أو يؤذى أعمالهم - رغم قدرته على ذلك - وهذا ما لم يفعله ولا لمرة واحدة. عن حكايات الرقابة والأفلام والمبدعين والأجهزة الأمنية والرئاسية يفتح «على أبوشادى» قلبه «أخيرًا» فى هذا الحوار.

 فى البداية من يفرض الرقابة على الثاني؟ هل تفرضها الحكومات على الناس أم يفرضها الناس على السلطة؟
- بالنسبة للوضع الحالى هناك قانون للدولة وقانون للشارع. كلما كان المجتمع منفتحًا تكون الرقابة منفتحة، وكلما كان المجتمع منغلقًا تكون الرقابة منغلقة. وهذا ما تخشاه السلطة.. فالقانون مطاط وحمّال أوجه يمكن أن يمرر جملاً ويعرقل نملة. ورقابة الشارع أو المجتمع أقوى من الرقابة القانونية لأن رقابة الشارع تفرض مفاهيم على رئيس الرقابة من الممكن أن يكون غير مقتنع بها أو موافق عليها، ومن الممكن أيضًا أن يكون القانون سامحًا بتجاوزها، إلا أن سيطرة الشارع والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى والتيارات المحافظة تفرض رقابة أقوى بكثير سواء فى السياسة أو الدين أو الجنس. والتيارات المحافظة تحديدًا تسبب مشاكل كبري، أما عن المخاوف  فالدولة يهمها السياسة، وأى انتقاد من الممكن أن يدخل تحت طائلة القانون، الدين والعقيدة ممنوع الاقتراب منهما تمامًا. تأتى المساحات التقديرية فى الجنس وهذا وفقًا للقانون وما يسمح به أو يمنعه. يعنى ممكن أن تسمح بفيلم مثل «حمام الملاطيلى» أو ترفض القبلات أو تطالب بالحجاب أو بالسينما النظيفة أو بفيلم مثل «المذنبون».. عندما يكون هناك مشروع نهضوى وتنويري، تختلف المسألة، لأن الدولة يكون لديها مشروع تصدره للناس، وهذا يعنى أن الدولة تقاوم. الآن الدولة لا تقاوم.. الدولة تخشى من الجمهور وتحاول استرضاءه. والرقيب لديه توجس دائم من ارتكاب أى خطأ، لذلك يتبع سياسة (الأحوط) أو (الاحتياط) كما كان يفعل «نجيب محفوظ» عندما كان رئيسًا للرقابة. فالرقيب يحتاط حتى لا يسأل، خوفًا من الشارع الأقوى والأجبر من القانون. والرقابة الآن متخوفة ومتوجسة من العواقب والجزاءات، فهناك خوف من التعامل بحرية.
  كيف كنت تتغلب على هذه المخاوف؟
- كنت أشبه الأمر بإشارة المرور: الأخضر يمر ويكون فى الغالب تلميحًا فقط، الأصفر بين البينين، جزء تلميح وجزء تصريح والأحمر هو التصريح الكامل، وهو ما يمنعه القانون، ويتجسد فى العقائد كلها أو العرى الكامل أو الجنس الكامل. وأنا كنت مع القانون لآخر الأصفر، مثلا السياسة والجنس أصفر.. إلى أين تذهب؟ هل وصلت للأحمر فلا يمكن مرورك أم لآخر الأصفر فتستطيع المرور.
  وهل يمكن أن تسير الرقابة على هوى الرقيب أو رئيس الرقابة؟
- الرأى النهائى لرئيس الرقابة والرقباء يتعاملون بالقانون، لذلك عندما توليت رئاسة الرقابة قلت للرقباء «محدش يعملى فيها ناقد، محدش يقول رأيه» أنت رقيب ولست ناقدًا.
  ولكنك أنت نفسك ناقد؟
- الرؤية النقدية هنا تخدم ولا تقرر، وبالمناسبة الموقف السياسى أيضًا من الممكن أن يؤثر وقد أثر عليّ مرة واحدة فقط عندما توليت الرقابة لأول مرة. فأنا ناصري، وقد عرض عليّ سيناريو بعنوان «صيف 50» من تأليف «أحمد صالح» وكان السيناريو ضد ثورة يوليو. فكتبت: «رغم عدم موافقتى على ما ورد فى هذا السيناريو فإننى أوافق على تصوير الفيلم». وكانت هذه المرة الأولى والأخيرة التى أكتب فيها رأيي، لأن هذا التصرف كان خطأ أسجله على نفسي. ولأننى ذو عقلية متحررة فكنت أسأل كيف أقبل أن أتولى منصب (رئيس الرقابة)؟ فكان ردى دائمًا، أليس من الأفضل أن يتولى هذا المنصب شخص مثقف وقادر على دعم المكان بآرائه وقدرته على التعامل مع هذه الأشياء؟! فوجودى كان مناصرة للحرية.
  معنى ذلك أنك كنت فى صف الفنان دائمًا؟
- هذا الطبيعي، ولذلك كنت أتعامل مع الفنان أولاً من خلال النص نفسه، فأمنحه ملاحظات حتى يتمكن من تمرير السيناريو مثلا نصحت «داود عبد السيد» فى «أرض الخوف» أن يضيف مشهدين حتى لا يرفض السيناريو، وبالفعل كتب مشهدين عن تبنى الداخلية لابنها (بطل الفيلم) من جديد، هذه المشاهد لم تنفذ فى الفيلم. ولكن لأنى كنت قادرًا على فهم القانون أدركت أن مشهدًا واحدًا أو جملة واحدة من شأنها أن تمرر السيناريو والأمر نفسه بالنسبة لملاحظات الرقباء، فمثلاً «عمارة يعقوبيان» كسيناريو كان عليه 50 ملاحظة و«مروان حامد» كان من الذكاء أن ينفذ الفيلم دون الالتزام بالملاحظات ويمر الفيلم، لأن التنفيذ أمر مختلف، فالتجسيد يوضح الرؤية، وعندما نرى الفيلم كاملاً، نفهم أن ما يحدث يكون رد فعل طبيعيًا تفرضه الضرورة، ولهذا قلت لمروان: «نفذ فيلمك كما تريد والموافقة النهائية عند مشاهدة العمل» لأننى أعلم أن الأمر سوف يختلف والموقف سوف يتغير عند مشاهدة العمل كاملاً. وفى واقعة أخرى كانت ملاحظة الرقابة على سيناريو فيلم «صعيدى فى الجامعة الأمريكية» تفيد بحذف مشهد حرق العلم الإسرائيلي. لأن إسرائيل فى نظر القانون دولة صديقة وممنوع حرق أعلام الدول الصديقة. وعندما سألنى منتج الفيلم «محمد العدل»: «أحذف المشهد؟» قلت له: «أنا قلت لك احذفه، صور فيلمك وسوف يكون هناك كلام آخر بعد مشاهدة الفيلم»، وعندما عرض الفيلم عرضًا خاصًا تركت المشهد لأرى رد فعل الجمهور فجاء تصفيق حاد مع حرق العلم، لذلك كان الرأى العام فى هذه اللحظة حماية لى كرقيب، وكان الأمن أحيانًا يساندنى لأن إسرائيل بالنسبة لى عدو وكذلك هى بالنسبة لرجال الأمن.
  ولم تخش من اعتراض السفارة مثلاً؟
- الرأى العام كان فى صفي، وأقصى ما يمكن أن يفعلوه هو تقديم احتجاج لوزارة الخارجية.. عامة مادام الرقيب أو المسئول قادرًا على فهم خريطة المسألة وحدودها، «خلاص»، خاصة أن الواقعة جاءت فى فيلم كوميدي، وبمرور حرق العلم فى الفيلم الكوميدى استفدت من هذه (السابقة) وعدم محاسبة الرقابة عليها، فكان تمرير حرق علمى إسرائيل وأمريكا فى الفيلم السياسى الجاد «العاصفة»، فهناك سوابق يستطيع الرقيب القيام بها لتمرير أشياء مثلها مستقبلاً، ولكن عليه اختيار الظرف المناسب.
 كنت تقوم أحيانًا بأشياء تبدو أنها ضد مصلحة العمل الفنى مثل فرض علامة استفهام فى «هى فوضى» حتى يكون العنوان سؤالاً قابلاً للإثبات أو النفى بدلا من أن تكون جملة تقريرية؟
- لأن الأجهزة الأمنية ترفض أن تكون جملة تقريرية، وهى أقوى من الرقابة ألف مرة لأنها من الممكن أن ترفض إعطاء تصريح بالتصوير. وأنا شخصيًا كنت موافقًا على كل ما جاء فى «هى فوضى»، وكانت علامة الاستفهام حيلة أو تحايلاً وضعت فقط على الأفيش وليس على شريط الفيلم، فالأفيش فى النهاية يتم التخلص منه، لكن الفيلم يبقي.
 وهل اقتنع رجال الأمن وصمتوا؟
- نعم.
 ألا يعد ذلك إهمالاً منهم؟
- ربما كانوا موافقين على ما يقدمه الفيلم. بعض الناس تكون ساخطة على الأوضاع، ورجال الأمن لا يمكن وضعهم فى كتلة واحدة، بعضهم يكون رافضًا لما يحدث ولكنهم مضطرون لتنفيذ رغبات رؤسائهم. وكان من المفترض أن يحذف الكثير فى هذا الفيلم مثل مشاهد ضرب الأقسام بالحجارة أو مشاهد التعذيب، هناك ملاحظات عديدة جاءتنى من الأمن وقمنا بعمل عرض خاص فى استوديو مصر قبل يوم واحد من العرض العام للفيلم. كنت موجودًا به أنا و«خالد يوسف» والمنتج «جابى خورى» ومجموعة من رجال الأمن الذين أخذوا فى كتابة الكثير من الملاحظات أثناء المشاهدة، ملاحظات تعنى عدم عرض الفيلم لأن ما كان به يعنى إخلالاً بالأمن العام، وبدأت المفاوضات نعرض أو لا نعرض. «خالد يوسف» رفض كل الملاحظات وتشبث بهذا الرفض، وهذا يذكر له وأنا كنت سعيدًا بهذا التشبث، لكنى كنت مضطرًا لعمل دور المحلل، وبالمناسبة لابد من توجيه التحية لكل رجال الأمن الذين كانوا متواجدين فى هذه الفترة 2007 لأنى تعاملت معهم وقلت لهم وقتها لمن تعودون فى اتخاذ القرار فقالوا اللواء «فلان» اتصلت به وبدأت فى النقاش معه قال لى: «لا يمكن قبول الفيلم بهذه الملاحظات التى سجلها رجال الأمن، فيلم مثل هذا من الممكن أن يحدث ثورة» قلت له: «الأفلام لا تصنع ثورات ولكن الثورات هى التى تصنع أفلامًا»، مصطلح نقدى أدرك عدم صدقه لأن الأفلام من الممكن أن تصنع ثورات بالفعل بالتراكم والنبوءات وهو ما فعله فيلم «البريء» من قبل، ثم فكرت وقررت أن أستغل قصة كنا نتحدث فيها أنا و«خالد» و«جابى» حول ما يمكن أن يفعله «يوسف شاهين» إذا منع الفيلم. فقلت لهذا اللواء: «لنترك الفيلم ونتحدث سياسة. الآن «يوسف شاهين» مريض وعلى شفا الموت وإذا منع الفيلم فأعلم أنه قرر أن يكبل نفسه بجنازير على سور مجلس الشعب حتى يموت، وهذا ما سوف يحدث، فتتحمل الدولة مسئولية موته ونضع أنفسنا فى تساؤل أمام العالم لأنه مخرج عالمى .. فلنمرر الفيلم ولن يحدث شيء،  فيلم ويعدى». الرجل بالعقل والكياسة صدق أن هذا من الممكن أن يحدث فحاول الخروج من المأزق بأن قال لى: «هل يرضيك أن ممثل وزارة العدل يصفع ممثل وزارة الداخلية». قلت له: «بسيطة من الممكن أن نحذف هذا المشهد مجرد 10 ثوانى». قال لى: «كده يبقى كتر خيرك». اتفقت مع «خالد يوسف» أن يحذف هذه اللقطة من النسخ التى تعرض فى دور عرض وسط البلد التى من الممكن أن يحدث بها تفتيش من الداخلية. وبالفعل حدث ذلك، وعرض الفيلم محذوفًا منه هذه اللقطة من دور عرض وسط البلد وموجود فى باقى دور العرض، وبالمناسبة من الممكن، بل من المؤكد أنهم عرفوا أن المشهد موجود فى دور العرض الأخري، ولكنهم فضلوا الصمت، لذلك أؤكد لك أن ليس كل هؤلاء الناس سيئين، بل إن بعضهم حموا هذا الفيلم. وما تعرضت له شخصيًا بعد عرض الفيلم أن السيد «حبيب العادلى» - وزير الداخلية حينذاك - أرسل خطابًا سريًا للغاية لـ«فاروق حسنى» - وزير الثقافة حينذاك أيضا - يقول فيه أن «السيد رئيس الرقابة يوافق على أفلام إيثارية. تحرض على قلب نظام الحكم»، وما فعله «فاروق حسنى» - هذا المتهم بمعاداة السينما - أن أرسل لى الخطاب دون كلمة تعليق واحدة، فى ظرف كتب عليه «سرى وخاص»، وما كان منى إلا أن احتفظت بالخطاب فى أحد أدراج مكتبى مع باقى أوراقي. ولم يحدثنى «فاروق حسنى» فى هذا الأمر ولا مرة ولا قال لى ولا كلمة.
 ولماذا قام «حبيب العادلى» بهذه المناورة؟
- محاولة منه لتنبيه المسئول مني.. «حبيب العادلى» كان عنده مشكلة شخصية معي، أنى أقوم بعمل أشياء لا يريدها، وأقول مشكلة شخصية لأن هناك موقفًا أكد لى ذلك وكان شاهد العيان عليه أحد المسئولين فى الداخلية.. فقد كان نادى الشرطة يقدم لى عضوية شرفية وكان يوقع عليها «حبيب العادلى» بنفسه وعندما رأى اسمى ضمن الأعضاء قام بإلغاء العضوية الشرفية كلها.
 لكن ما فعلته لتمرير «هى فوضى» يندرج تحت مسمى القدرات الفردية؟
- الفكرة فى كيفية التعامل مع الأشياء وفقًا لطبيعة الظروف، بمعنى أننى كنت أتعامل مع رجال الأمن هؤلاء بالثقة، فمثلاً كانت تأتينى مكالمات تليفونية فى الثانية صباحًا لسؤالى عن شيء معين لأن الصحافة نشرت أخبارًا مستفزة بخصوص فيلم ما، أنفى ما أسأل عنه.. فكل هدفى أن الفيلم يصور ويصبح «نيجاتيف» فى هذه الحالة حتى وإن منع فسوف يبقى للتاريخ، ومن الممكن أن يعرض بعد عشرات السنين. مثلما حدث فى الاتحاد السوفيتى عندما انهار فما بقى هو الأفلام، لذلك عندما توليت رئاسة الرقابة منعت القص من النيجاتيف. النيجاتيف يبقى كما هو والقص يحدث فقط فى النسخ التى تعرضها دور العرض.
 هل من الممكن أن يمر الآن فيلم مثل «هى فوضى»؟
- بالنسبة لى شخصيًا لن أسمح به لأن الظرف لا تسمح بذلك.
 هل لأن الرقابة أداة فى يد الدولة؟
- دائمًا،
 لكن المفروض عليك أن تحمى المواطن وليس النظام؟
- فى الدول المتخلفة تتم حماية النظام. لذلك لا يوجد رقيب حر.
 وفى «هى فوضى» لم تكن تحمى النظام أم كنا فى دولة متقدمة؟
- لا، كنت أحمى الفن، عملت دور المحامى وكنت أعلم أن هناك مخاطر لكنى فى الوقت نفسه منعت سلسلة من الأفلام التى عرضت على الرقابة بعد التعديل الدستورى الذى منح لأى شخص حق الترشح لرئاسة الجمهورية. منعت كل السيناريوهات لأنها لم تكن تصلح.
 سمحت بفيلم «ظاظا»؟
- كان ضروريًا، ورغم ذلك اتهمت بأننى أريد منعه، لأنهم قدموا الفيلم ناقصًا وعندما طلبنا الجزء الناقص حتى نمنحهم التصريح بالعرض.. خرجوا باتهامات أننا نرفضه وعملوا ضجة وبطولة زائفة.
  تحدثت عن «فاروق حسنى» هل كنت تعود إليه فى مثل هذه المواقف الصعبة؟
- مرة واحدة فقط سألته بشكل عابر ومن قبيل الدعابة، «نعمل إيه فى يعقوبيان»؟، فقال: «إنت رأيك إيه»؟ قلت: «يعدى»، قال: «خلاص يعدى». وكانت هذه أول وآخر مرة أسأله وكان السؤال من باب الدعابة فقط وحرصًا على بعض اللياقة، وهذا الذكاء الذى كان يتمتع به  «فاروق حسنى» هو ما عملت به، ومواقفه كانت سندًا لي. أليس هو من دافع فى مجلس الشعب عن الصور العارية التى نشرتها مجلة «إبداع»؟ فهذا الرجل أعرفه جيدًا وأسجل على نفسى أننى طوال عملى معه لم يوجهنى توجيهًا واحدًا ..وبعد أن سألته عن «يعقوبيان» بفترة قصيرة، قام «كمال الشاذلى» وكانت الإشارة عنه فى «يعقوبيان» واضحة وضوح الشمس ولا تقبل التأويل. قام بعقد واحد من المجالس القومية التى كان يرأسها وجاء بى وبـ«فاروق حسنى» وبعد انتهاء الجلسة قال لـ«فاروق حسنى»: «يا فاروق بيه ايه يعقوبيان»، «فاروق» قال له: «على».. أهو». وجدته بضخامته يقول لى: «على بيه مش إحنا بلديات، دا احنا كمان متخرجين من مدرسة واحدة - مدرسة المساعى المشكورة بشبين الكوم - إيه اللى فى يعقوبيان ده»؟ قلت: «ماذا»؟ قال: «هناك كلام حول إحدى الشخصيات فى الفيلم»، قلت له: «يا كمال بيه - رأيى الشخصى - إن مفيش حاجة فى الفيلم خالص - شوفى الرزالة بتاعتى - لو حد قال لك إنها تشير لك، هذا غير صحيح، وإذا حذفنا سوف نؤكد الإشارة ويكون وقع المسألة أكبر من حيث معرفة تدخلك». وقد كان ذكيًا جدًا، فنظر لى نظرة ثعلب وقال: «إنت شايف كده»؟ قلت: «علشان خاطرك».
 هل كان من السهل خداع مثل هؤلاء الناس؟
- لم أكن أخدعه، لقد وضعته فى مأزق، هو يعلم وأنا أعلم أنه لو حذف شيء من الفيلم سوف يكون بسببه، إذا حذفت فأنت السبب وإذا لم أحذف فأنت الشخصية. أيهما تختار الفضيحة بالحذف أم مرور الفيلم؟!
 هل مررت بمثل هذه المواقف الصعبة كثيرًا؟
- الأصعب كان «هى فوضى»، لكن أذكر مثلاً فى «طباخ الرئيس» وهو فيلم كوميدى ومع النظام، عندما شاهدته مع المنتج والمخرج، قلت لهما أن الفيلم يمر ولا يوجد أى سبب لمنعه، وحذرتهما من وجود مشهد كارثى وهو أن الشخص الشرير فى الفيلم والذى كان يرمز لشخصية «زكريا عزمى» يظهر فى أحد المشاهد كعضو فى مجلس الشعب، مما يؤكد أن المقصود هو «عزمى»، لذلك قلت لهما: احذرا «زكريا عزمى» سوف يقتلكما. وأن المخرج الوحيد هو ألا تجعلا الشخص الشرير هو عضو مجلس الشعب حتى لا تؤكدان أنه المقصود، ونصحتهما بإعادة تصوير هذا المشهد ليكون الشخص الطيب هو عضو مجلس الشعب حتى يفلتا من تلك الإشارة الواضحة.
 ولماذا يمر «كمال الشاذلى» فى «يعقوبيان» ولا يمر «زكريا عزمى» فى «طباخ الرئيس»؟
- «زكريا عزمى» كان مسيطرًا وقتها سيطرة كاملة وكان يستطيع أن يفعل ما يشاء أكثر من «كمال الشاذلى» الذى كان دوره انتهى ووضع فى المجالس القومية،  يعنى خلاص.. لقد تحملت مسئولية «كمال الشاذلى» وكان عندى الدفاع. لكن «زكريا عزمى» كانت ستواجهنا مشاكل كبيرة، لذلك حذرتهما وأخذا بالنصيحة وصورا مشهدًا آخر بالبطل الطيب ومر الفيلم.
 يعنى لأن «الشاذلى» تراجع نفوذه كان سهل الإشارة إليه؟
- لو كان «كمال الشاذلى» بقوته وقت «يعقوبيان» لم يكن الفيلم ليكتب من الأصل.. والرقيب فى النهاية مسئول عما يعرض عليه وليس عن نوايا وخوف ورعب الآخرين.
 هل كانت قوة صناع الفيلم عاملاً لمروره أحيانًا؟
- قوة العمل الفنى الذى هو أقوى من الرقيب نفسه، وقناعتى بالعمل الفنى وليس بالفنان هى التى تجعلنى أساند الفيلم.. وأنا مع الحرية وإذا كان عرض عليّ فيلم به جرأة وقوة وسيناريو محترم كنت سأقف معه وأسانده حتى وإن كان صانعه «عيل صغير»، وتلك الأفلام كانت متميزة جدًا.
 ليست كلها.. هناك أفلام لنجوم كبار لم تكن تحمل مضمونًا فنيًا جيدًا وكان بها اشتباك سياسى ومع ذلك كانت تمر؟
- كانت بعض الأفلام تأتى بموافقات مسبقة من أمن الدولة ورئاسة الجمهورية. وكنت أعلم،  لكنى أعمل نفسى لا أعلم. لأنى كنت مع مرور الأفلام وليس ضدها. وكل ما يهمنى هو مرور الفيلم فقط. 


بقلم رئيس التحرير

11 سبتمبر وثائق "الوهم الأمريكي" في الحرب علي الإرهاب!
لأن [هنالك دائمًا معلومات أكثر مما ينبغى]، على حد توصيف «ميلت بيردن» (العميل السابق بوكالة الاستخبارات المركزية/ سى ..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
محمد جمال الدين
حكايات من المستطيل الأخضر
اسامة سلامة
46 عاما.. ولا يزال تقرير العطيفى صالحا للاستعمال
د. فاطمة سيد أحمد
لماذا عاد (النجم الساطع)؟
د. رفعت سيد أحمد
هنا دمشق.. من القاهرة!
عاطف بشاى
هيكلة الأديرة هى الحل
طارق مرسي
حكايات عمرو أديب
مصطفي عمار
رشيد طه.. موسيقى بدرجة مناضل!
د. مني حلمي
«المطبخ» و«غرفة النوم» وملكات الجمال

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF