بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

14 نوفمبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

المؤامرة «البترولية» عــلى ليـبـــيـا

1309 مشاهدة

3 مارس 2018
حلقات يكتبها: رئيس التحرير: هاني عبد الله



قبل أن تزداد أحداث «الشرق الأوسط» سخونة، خلال ما اصطلح على تسميته بـ «ثورات الربيع العربى»، بشهور قليلة.. كان ثمة مؤشرات، حول أن «الولايات المتحدة الأمريكية» تسعَى (بشكل أكثر تركيزًا)؛ لتعظيم نفوذها داخل منطقة «الشمال الإفريقى»، فى سياق البحث عن بدائل «تنفيذية» لمشروع التغيير ببلدان: «الشرق الأوسط»، و«شمال إفريقيا» (M.E.N.A).. إذ كان من بين ما يستهدفه «المشروع»؛ خَلْق مناطق ارتكاز جديدة لـ «واشنطن» داخل حدود الدول، التي لطالما اعتبرتها «الولايات المتحدة» فناءً خلفيًّا للنفوذ الأوروبى.. ومن ثمَّ.. كان على «واشنطن»، فى سياق ترسيخ «مصالحها الاستراتيجية» بمنطقة «الشمال الإفريقى»، أن تبحث عن آليات جديدة؛ لتنسيق جهودها مع دول «الاتحاد الأوروبى»، التى أبدت نوعًا من التحفظ (النسبى) على مشروع «الشرق الأوسط الكبير» فى بداية طرحه(1).

.. وهى آليات، يمكننا رصد جانب «مهم» منها، بين سطور «الورقة»، التى أصدرها «صندوق مارشال الألمانى للولايات المتحدة» (The German Marshall Fund of the United States)، بالعام 2010م، تحت عنوان: [سباق ضد الزمن: الإصلاح فى شمال إفريقيا، واستراتيجيات عبر الأطلسي].. إذ يستهدف «الصندوق»(2)، فى المقام الأول، تعظيم مساحات التفاهم، والتعاون بين أمريكا الشمالية، وأوروبا.
ومن ثمَّ.. كان من بين التوصيات التى ساقتها الورقة (بعد استعراض الموقف فى 4 دول، هي: ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب)، أنه يجب على «الولايات المتحدة»، و«الاتحاد الأوروبى» بذل المزيد من الجهد؛ لتحفيز جانب الطلب فى معادلة الإصلاح، من خلال العمل معًا على تعزيز مبدأ إمكانية حصول «المنظمات غير الحكومية» (بمنطقة شمال إفريقيا) على «تمويل أجنبى».. وأوضحت «الورقة» أن هناك تقريرًا، صدر مؤخرًا (أي: بالعام 2010م) من قبل المفتش العام لـ «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية» (USAID)، حول أنّ تقديم المساعدة الديمقراطية إلى مصر، يشير إلى «النجاح النسبى» لتلك المنح، مقارنة بالعقود الضخمة التى يتم توجيهها من خلال مقاولين يعملون مع «المنظمات الحكومية»، و«شبه الحكومية».. وأنه من «غير الواقعى» توقُّع قيام «الولايات المتحدة» بتخصيص موارد هائلة؛ لمعالجة التحديات فى شمال إفريقيا.. إلا أن إدخال تعديلات بيروقراطية متواضعة مصحوبة بأدوات برامجية وسياسية، يُمكن أن يؤدى إلى نتائج ملموسة.. كما يجب زيادة التمويل لمشاريع «مبادرة الشراكة الشرق أوسطية» (M.E.P.I)، الخاصة بالجزائر وليبيا وتونس(!).. وأن الدول الغنية (المنتجة للنفط) ليست مرشحة للحصول على المساعدات الاقتصادية، لكن؛ هناك جوانب إصلاح رئيسية مهمة للحوكمة (مثل الإصلاح القضائى والإعلام المستقل... إلخ)، لا تتطلب مبالغ تمويل كبيرة، لكنها تُعتبر حيوية لتنمية الدول التى تستجيب بصورة أكبر».
■ ■ ■
لكن.. لم يكن - فى الواقع - ذلك التوصيف، الذى بدا عارضًا، فى «ورقة صندوق مارشال» حول ما وصفوه بـ«جوانب الإصلاح» داخل الدول الغنية (ونقصد: توصيف «الدول المنتجة للنفط»)، عفويّا بأى حال من الأحوال.. إذ كان ذلك التوصيف - إلى حدٍّ بعيد - هو أحد «نقاط الارتكاز» الأساسية، التى سعت من أجلها «الولايات المتحدة»؛ للبحث عن موطئ قَدَم (أعمق) داخل منطقة «الشمال الإفريقى».. ومن ثمَّ؛ كان أن عملت «واشنطن» على إقناع «شركائها» الأوروبيين، بضرورة «التعاون» فى هذا السياق.. إذ تكفلت «الورقة» بشرح العديد من أبعاد «المشهد النفطى» فى المنطقة (المُستهدفة بالتغيير)، إلى حدٍّ بعيد، مقرونًا بالغطاء «الإصلاحى».. وكان من بين ما نصّت عليه فى «مقدمتها» التمهيدية:
[بالنسبة لمعظم «صانعى السياسات» (الأمريكيين والأوروبيين)، تمثل: المغرب، وتونس، والجزائر، وليبيا - بصورة جماعية - نصف الكوب الممتلئ، الذى يدعو إلى التفاؤل.. وعند مقارنتها بالتحديات الكبيرة التى تواجه المجتمع الدولى فى العراق وأفغانستان وفلسطين وباكستان واليمن، على سبيل المثال لا الحصر؛ فإن التحديات التى تواجه شمال إفريقيا (الجزائر وليبيا والمغرب وتونس) تكاد لا تُذكر.. فلدَى الجزائر وليبيا (معًا) احتياطيات مؤكدة من النفط تعادل 4.6 % من الإجمالى العالمى، أو نحو 61.5 مليار برميل، تحوز منها ليبيا وحدها على نسبة «الثلثين» (أى نحو: 40 مليار برميل).. ولاتزال الجزائر أكبر مُصدِّر للغاز الطبيعى بقدراتها الاستيعابية غير المعروفة.. ومن ثمَّ.. فإن انفتاح هاتين الدولتين، مؤخرًا، تجاه شركات النفط العالمية؛ يُبشِّر بأن هذا الوضع يساعد أوروبا على تنويع إمداداتها من الطاقة بعيدًا عن اعتمادها الحالى على روسيا، مع توفيرها - فى الوقت نفسه - موارد هائلة للاستثمار فى رأس المال البشري].
وتابعت «الورقة»: شهدت البلدان الأربعة جميعًا، خلال السنوات الأخيرة، نموّا اقتصاديّا «متواضعًا».. لكنه «قويّا»؛ إذ تجاوز متوسط معدلات النمو 5.6 % فى الفترة من 2003م إلى 2008م.. كما كانت التجارة عاملاً مُهمّا، ومُحفزًا لحدوث النمو.. إذ تُشكل البلدان الأربعة (مجتمعة) سوقًا محتملة لنحو 82 مليون شخص، مع إمكانية الوصول إلى الأسواق فى كل من الغرب وإفريقيا (جنوب الصحراء الكبرى).
وبشكل أكثر تحديدًا.. كانت «طرابلس» (ليبيا) - على وجه التحديد - من بين الدول الأربعة، نقطة ارتكاز «محورية» خلال رسم سياسات «واشنطن» الجديدة بالمنطقة.. فتحت عنوان: [ليبيا: الدولة الانتقالية]، ذكرت ورقة «صندوق مارشال»؛ إن «ليبيا» نجحت فى بدء عملية تنويع اقتصادها (بعيدًا عن الاعتماد على النفط).. ولاتزال الإيرادات «المحققة» من النفط والغاز تشكّل نحو 60 % من «الناتج المحلى الإجمالى» هناك.. ورُغم أن نمو القطاع «غير النفطى» لايزال قويًا؛ فإن صادرات «هذا القطاع» لاتزال صغيرة جدًا على نحو يثير الشفقة، مقارنة بصادرات النفط، إذ شكّلت 2 % فقط من الصادرات بالعام 2008م.. وطالما بقيت أسعار النفط قوية نسبيًا؛ فإن احتمالات ليبيا «المتوسطة الأجل» فيما يتعلق بالاستقرار الاقتصادى المستمر، تظل قوية.. ومنذ العام 2005م، بلغ متوسط معدلات النمو 6.5 % سنويًا.. ورُغم الركود العالمى، كان من المتوقع أن تشهد ليبيا نموّا بالعام 2009م (!).. وفضلاً عن ذلك، يعمل فائضها المالى القوى (بواقع 25 % من «الناتج المحلى الإجمالى») على طمأنة «النظام» بأن بوسعه مواصلة الوفاء بالاحتياجات الأساسية لشعبه.. فى حين أن تدفق «التكنولوجيا الغربية»؛ لتحديث، وزيادة «إنتاج النفط»، سوف يضمن الإيرادات خلال العام المقبل (أي: العام 2011م).
وفى ظل «المرتكزات النفطية» التى نبَّهت إليها «ورقة صندوق مارشال»؛ لم يكن لـ«واشنطن» أن تغامر (فى سياق مستهدفاتها الرامية؛ لخلق موطئ قَدَم داخل «السوق البترولية الليبية» إلى جوار شركائها الأوروبيين) بالارتباط و«نظام معمر القذافى» بأى حال من الأحوال.. ومن ثمَّ.. كانت العديد من دوائر المعلومات الأمريكية، فى نهاية العام 2010م، تدرس بجدية شديدة (بالتزامن مع احتمالات تغيير معادلات الأنظمة فى منطقة الشرق الأوسط)، كيف يُمكن لـ«واشنطن» أن تتعامل مستقبلاً، خلال مرحلة ما بعد القذافي.. إذ انتهت تلك الدوائر (وفقًا لما نمتلكه من معلومات)، إلى أنّ سنوات التعامل مع «نظام القذافى» والولايات المتحدة الأمريكية، منذ العام 2003م (أي: منذ التحرك الفعلى لفتح صفحة جديدة مع واشنطن)، لم تُسفر عن أى تغيرات «ملحوظة» فى توجهات «نظام العقيد»، على الأرض(3).
وأرجعت تلك «التقديرات» هذا الأمر، إلى أنّ مرتكزات «الخطاب السياسى» للعقيد القذافى، تم بناؤها - بشكلٍ رئيس - على معاداة «الهيمنة الغربية» (الإمبريالية).. وهو توجُّه  يحظَى برواج كبير بين الأطياف السياسية الداعمة لنظامه، فى الداخل الليبي.. ومن ثمّ.. فإن حاجته الأساسية لطمأنة تلك القطاعات (تم وصفها بـ«القطاعات المتشددة»!)، لن تسمح له فى القريب بتغيير ذلك الخطاب «الشعبوى»؛ لترسيخ صورته كقائد مستقل.. وهو ما أسفر (فى الأغلب)، عن «سياسات ليبية»، مناهضة للمصالح الأمريكية بالمنطقة.. وأوضحت «التقديرات الأمريكية»؛ أنه نظرًا لطبيعة ليبيا الفريدة، يتحتم على «واشنطن» إعادة تقييم «العلاقات الثنائية» بين البلدين بوصف «طرابلس» (ليبيا) إحدى الدول التى تنطبق عليها استراتيجيات التعامل مع «الدول المارقة»(!).. إذ اضطرت «ليبيا» لتغيير بعض سلوكياتها السياسية، على خلفية فرض عقوبات دولية عليها فى ظل الأزمة التى أعقبت إسقاط الطائرة «بان أمريكان 103» فوق لوكيربى بـ«اسكتلندا».. ويلاحظ أن هذا التغير فى سياسات «طرابلس»، كان قبل (وليس بعد) الاتصالات الدبلوماسية المباشرة مع الولايات المتحدة.. وهنا؛ تبرز «التجربة الليبية» أهمية العقوبات «الفعالة» (متعددة الأطراف) فى تشجيع تغير السلوك(!).
ونبَّهت «دوائر المعلومات الأمريكية» إلى أن «التغير فى السلوك» يكون محدودًا، عندما لا يكون هناك (تغير فى النظام!).. ورُغم أن «ليبيا» قد غيَّرت من طبيعة علاقاتها مع «الولايات المتحدة»، كما غيَّرت الكثير من سياستها الخارجية؛ لم تكن سياسة «التعامل الثنائى» هى الدواء الناجع، مادام «هيكل النظام» لم يتغير بشكل كبير(!).. وفى سياق «المعطيات» السابقة، أوصت «دوائر واشنطن الاستخبارية» بأن إصلاح الأوضاع بما يحفظ «مصالح واشنطن» فى المنطقة، يتطلب - على الأقل - تغييرًا فى الأفراد(!).. إذ عندما تركت «واشنطن» الهياكل السياسية، ومصالح النظام فى ليبيا، على ما هى من دون مساس، أو «تغيير» فى أعقاب التوصل إلى «اتفاق ثنائى» بين البلدين؛ كانت النتيجة: أنّ العديد من الأشخاص - أنفسهم - ممن حكموا البلاد منذ عقود مضت، يواصلون حكمها الآن(!).. وفى هذا الصدد؛ لن تكون «ليبيا» (بعد القذافي) مختلفة على الأرجح، إذا ما بقت عناصر النظام («المتشددة» فى مواقفها «تجاه واشنطن»)، جزءًا من «هيكل الحكم» الليبي(!).
وفيما عبرّت أهداف «إسقاط النظام الليبى» (تحقيقًا للتوصيات «السابقة»، بما يحفظ مصالح «واشنطن» بمنطقة الشمال الإفريقي) عن نفسها، بقوة، فى أعقاب «الانتفاضات العربية».. كان أن غضت «واشنطن» نفسها الطرف عن إعادة انتشار مقاتلى «القاعدة بالعراق» داخل «ليبيا»، وفقًا لانتماءاتهم الجغرافية (بحسب الدراسة التى أعدها» قسم العلوم الاجتماعية» بالأكاديمية العسكرية الأمريكية فى العام 2008م، وأشرنا لها آنفًا)؛ تحقيقًا للهدف نفسه(4).. إذ كانت التقديرات الاستراتيجية الأمريكية، حينئذ، تؤكد أن «النظام الليبى» لن يسقط بغير معركة (5).. والنتيجة يمكن أن تكون صراعًا مطولاً.. بل من الممكن أن يُعيد «النظام» تأكيد سيطرته - مؤقتًا - على بعض المناطق التى فقدها بالفعل. وأنه (أي: القذافي)، إذا كان قادرًا على البقاء فى السُلطة، واستعاد السيطرة على المناطق، التى خسرها مثل: «بنغازى»؛ فسوف يفرض على الأرجح انتقامًا عنيفًا.. رُغم علامات «الانهيار الداخلى»، التى يشهدها «الجيش الليبى»؛ إذ انضم بعض أفراده إلى المعارضة، كما رفض آخرون الامتثال لأوامر «إطلاق النار» على المتظاهرين.
ومن ثمَّ.. كانت «خيارات التدخل» الأولى (بحسب التقديرات العسكرية الأمريكية)، ترى أنه بإمكان كل من «الولايات المتحدة» وحلف «الناتو» الارتكان إلى العديد من الأشكال، أولها: فرض مناطق «حظر جوى» على الطيران الليبى التابع للنظام.. فكلما اتسعت «الخيارات» بصورة أكبر؛ فمن المرجح أن يكون ذلك أكثر تأثيرًا(6).. فرُغم أن النظام قد استخدم «القوة الجوية» على نحو ما؛ فإنّ قواته البرِّيَّة ستكون على الأرجح، هى الأهم فى تحديد «المحصلة»، و«التكلفة» فيما يتعلق بالإصابات والخسائر البشرية.. وسيكون لمناطق حظر الطيران تأثير ضعيف (إن وُجِدَ أصلاً)، على مسار القتال البري.. وبينت «التقديرات الأمريكية» أنه من غير الواضح «المدَى الكامل» الذى استخدم فيه النظام «طائرات مقاتلة»، و«مروحيات هجومية» أثناء الأزمة.. ومع ذلك، يمثل هذا المخطط العسكرى تهديدًا كبيرًا للمعارضة، التى لها قدرة ضعيفة على الدفاع عن نفسها، ضد هجمات من هذا النوع.. وبالتالى (بحسب «التقديرات» نفسها)؛ فإن فرض «منطقة حظر الطيران»، تعني: إقامة «مناطق محظورة» على الطائرات المقاتلة.. ومن خلال تمشيط الجو فوق «شمال ليبيا»، سوف تقوم «قوات الولايات المتحدة»، و«الناتو» بالحَدِّ من قدرة النظام على استخدام «القوة الجوية»، ضد «المتمردين» داخل ليبيا (إن لم يكن القضاء تمامًا عليها!).
ومن الناحية الإجرائية (بحسب «التقديرات» العسكرية الأمريكية)؛ كان لا بُدَّ من أن تشمل مهام القيادة، والتحكم الكبرَى، توفير «بوابة إلكترونية» لروابط بيانات التحالف، وإزالة أى تعارض بين طائرات التحالف، ومراقبة إطلاق الصواريخ، والطائرات الليبية، وتوجيه اعتراضات للطائرات العسكرية الليبية، التى تنتهك مناطق حظر الطيران.. وأن تشمل «المهمات جو- جو»، تنفيذ دوريات جوية قتالية؛ لمواجهة أصول القوة الجوية الليبية التى تشمل: طائرات من طراز «ميراج إف-1»، و«ميكويان جيروفيتش 21/23»، و«سوخوى سو-22»، و«سوكو جى-21 إس»، ومروحيات «إم آى-24 هند» الهجومية، ومجموعة متنوعة من مروحيات النقل.. والخيار الثاني؛ يتعلق بقدرات «الدفاع الجوى» للنظام الليبي.. فبما أن ليبيا تمتلك قدرات صاروخية (أرض- جو)؛ فإن «الضربات الاستباقية» لتلك القدرات، ستكون مطلوبة لمواجهة بطاريات صواريخ «إس أي-2»، و «إس أى -3»، و «إس أى -6».. كما سيكون مطلوبًا - أيضًا - وجود قوة نشطة من طائرات التزود بالوقود؛ لضمان وجود القدرة لدَى جميع الطائرات على تحمُّل التمشيط الفعال.. كما يجب أن تكون قوات استعادة الأفراد فى حالة تأهب؛ لتنفيذ مهمات الاستعادة، لو حدث أن أُسقِطت طائرة من طائرات التحالف.
وسوف تحتاج قوات الإنقاذ أن تكون عائمة إمَّا فى البحر المتوسط أو فى مالطا لتقليل زمن الاستجابة. ويجب أن يولى الاهتمام لنشر طائرة التزود بالوقود من طراز«إتش سي-130»؛  حيث إنه ليست هناك قوة أساسية مساوية لـ «القوات الجوية للولايات المتحدة فى أوروبا»، وثمة عدد محدود فقط يدعم «فرقة العمل المشتركة فى القرن الإفريقى».. كما أوضحت بعض جوانب التقديرات(7)؛ إن القاعدة الجوية البحرية الأمريكية «سيجونيلا» الموجودة بـ«صقلية»، تقع (بشكل مركزي) فى البحر المتوسط؛ لدعم العمليات، إذ تتمتع بـ(قدرة مطار)، ولها موقع ممتاز؛ لخدمة «نقطة الإطلاق»، والاستعادة؛ لتمشيط «الجزء الغربى» من أى منطقة من مناطق حظر الطيران.. كما أن «قاعدة خليج سودا لنشاط الدعم البحرى» فى جزيرة كريت، بموقع «جيد»، هى الأخرى؛ لتوفير الوصول إلى النصف الشرقى من أيّ من مناطق الحظر هذه.
وترَكزَّ «الخيار الثالث» على إنشاء منطقة «حظر قيادة السيارات»؛ لمنع النظام الليبى من تعبئة ونشر القوات البرية ضد قوات المتمردين.. فإذا كان يأمل «نظام العقيد» فى استعادة السيطرة على المناطق التى فقَدَها، فسوف يحتاج ذلك إلى تحريك قوات كبيرة.. وبالتالى، يمكن أن تُحدَّ مناطق حظر قيادة السيارات من قدرته على القيام بذلك؛ خاصة بالنظر إلى التحركات «طويلة المسافة» من جانب القوات الثقيلة.. بينما كان «الخيار الرابع»، هو إعلان «منطقة حظر الإبحار»، إذ يُقال إن «نظام القذافى» استخدم وحدات بحرية لقصف قوات المعارضة.. ومن ثمَّ.. فإن إقامة «منطقة حظر إبحار»؛ لمنع هذا النشاط، يُمكن أن يتحقق عبر استخدام «القدرات الجوية للقوات الأمريكية»، أو وحدات (بحرية - برية) فى المنطقة.. بما فى ذلك قوات «الأسطول السادس» الأمريكى، الموجودة فى «نابولى» (إيطاليا)، وقيادة القوات المشتركة لحلف «الناتو» فى «نابولى»، أيضًا.
■ ■ ■
ويبدو من واقع «التقديرات الاستراتيجية» السابقة؛ أن قوات التحالف (الولايات المتحدة، و«الناتو»)؛ سعت بكل جهدها (فى حينه)؛ لمحاصرة «نظام العقيد» من كل الجوانب، بما يسمح بتمدد قوات التمرد الليبية، خصوصًا فى «شرق ليبيا».. وما كاد أن ينتهى شهر «فبراير/ شباط» من العام 2011م، إلا وفقد «النظام الليبى» سيطرته على الشرق فعليًا، إذ سقطت مدن مثل: بنغازى، والبيضاء، وأجدابيا، ودرنة، وطبرق فى أيدى «قوات التمرد».. وهو ما أدى إلى استحواذ تلك «القوات» (ومنها: العناصر التابعة لتنظيم القاعدة) على مخازن الأسلحة بتلك المناطق، مما دفع النظام إلى شن «غارات جوية» مكثفة استهدفت تدمير هذه المواقع، من دون نجاح يذكر.. إلا أنّ هذا الأمر، لم يكن - حينئذ - على القَدر نفسه بالغرب الليبى، ومن ثمَّ (وفقًا لمصدر أمنى مصري)؛ كان على الولايات المتحدة «وحلفائها» تدشين مكتسبات «قوات التمرد الليبية» بشكل أكبر؛ للقضاء على أى أمل يُذكر فى استعادة «نظام العقيد» لزمام الأمور.. وبالتالي.. تمّ إسقاط العديد من الأسلحة (عمدًا) لقوات التمرد (بما فى ذلك التابعة منها لتنظيم القاعدة)، عَبْر القوات الجوية للتحالف.. وهو ما كان «ترجمة» مباشرة لأحد تقارير الاستخبارات الدفاعية الأمريكية (DIA)، حول أنواع التدخلات «الممكنة»؛ لتقصير أمَد الصراع داخل ليبيا، وبما يُسرع من عملية «إسقاط نظام العقيد».. إذ انقسم التقرير (بحسب المعلومات) إلى:
(أ) - خيارات «منخفضة المخاطر»:
• تزويد المعارضة بمعلومات استخباراتية عن حشود قوات النظام وتحركاتها ونشاطها الجوى، مما يسمح لها تجنب الكمائن وإعداد الدفاعات ونشر قواتها بأفضل ما يمكن.
• تعزيز خدمات الإمداد والتجهيز والدعم لقوات المتمردين من خلال توفير الذخيرة والوقود والمساعدات الطبية للحفاظ على قدراتهم العملياتية وتعزيز روحهم المعنوية.
• تعزيز قابلية قوات المعارضة على القيادة والسيطرة من خلال توفير أنظمة اتصالات وتدريب سريع لقادة التمرد.
• تدريب وحدات المعارضة على أنظمة الأسلحة الرئيسية مثل المدافع والصواريخ المضادة للطائرات والأسلحة المضادة للدبابات وأنظمة المدفعية.
• تزويد قوات التمرد بأسلحة تؤدى إلى تغيير مسار اللعبة مثل الأنظمة المتطورة المضادة للطائرات والدبابات، وذلك لزيادة استنزاف قوات النظام القتالية، وتقليل تفوقها فى إطلاق النيران.
(ب)- خيارات «عالية المخاطر»:
• توفير دفاع جوى للمناطق المحرَّرة أو لعمليات المساعدة الإنسانية فى شرق ليبيا، إمَّا عن طريق دوريات القتال الجوية أو الدفاعات الجوية الأرضية؛ لتقليل مخاوف الهجمات الجوية بين السكان، وسيكون لها على الأرجح تأثير رادع على عمليات النظام الجوية.. كما أنها لن تكون معقدة أو محفوفة بالمخاطر مثل إنشاء منطقة حظر للطيران فوق البلاد بأكملها.
• إنشاء مناطق حظر طيران وحظر قيادة السيارات؛ لتقليل تفوق النظام فى قوة النيران الجوية والأرضية.
• القيام بهجمات جوية ضد الأصول الحكومية العسكرية الحاسمة (مثل: الطائرات، والقيادة والسيطرة، والقوات المدرعة ووحدات المدفعية)؛ لتقليل قدرات النظام، وتسهيل عمليات المعارضة ومناوراتها القتالية على حد سواء.. وسوف يحمل هذا الخيار أشد أنواع المخاطر، لكن سيكون له أيضًا أكبر تأثير مباشر على مجرَى الحرب.
.. وتدريجيّا (مع نجاح عمليات «الإمداد اللوجيستى» لقوات التمرد فى ليبيا)؛ شجع هذا الأمر قوات التحالف على إطلاق «عملية فجر الأوديسا»؛ لعرقلة تفوُّق القوات الليبية بالسُّبُل كافة، وبما يحفظ مزيدًا من «الروح المعنوية» المرتفعة للمتمردين الليبيين، بعد أن حققوا مزيدًا من التقدم على الأرض بفضل عمليات الإمداد تلك.. وتكريسًا لتلك الحالة (أي: الحفاظ على الروح المعنوية للمتمردين الليبيين)، كان لا بُدَّ من إرسال «رسالة» على الأرض لقوات التمرد بأن «الولايات المتحدة» ستواصل دعمها لتلك القوات إلى النهاية، حتى التخلص الكامل من كل رجال القذافي(!).. ومن ثمَّ.. كانت «بنغازى» على موعد مع زيارة «غريبة فى مضمونها» خلال نيسان/ إبريل من العام 2011م، إذ لم يكن لدَى القابعين داخل «الغُرَف المغلقة» بواشنطن أى مانع من إعلان تحالفهم «المرحلى» مع عدوهم المُعلن (تنظيم القاعدة) بما يحقق استراتيجية تغيير الأنظمة بمنطقة «الشرق الأوسط»، وبما يحقق - كذلك - المزيد من المصالح الأمريكية بالمنطقة ذاتها.. إذ استقبلت «بنغازى» - وقتئذٍ - السيناتور الجمهورى «جون ماكين» (John McCain).. وكان من بين الأهداف «المتعددة» للزيارة أن يلتقى بأحد رءوس الحربة الرئيسية فى مواجهة قوات «نظام العقيد» [نقصد بذلك: «جماعة أنصار الشريعة»](8).. وحينها.. وصف عضو الكونجرس (أحد أهم مناصرى التدخل العسكرى فى ليبيا) قوات التمرد (التابعة للقاعدة!) التى تواجه قوات القذافى بأنهم (أبطاله!)، مُثمِّنًا جهودهم فى الإطاحة بهذا الديكتاتور(!).
■ ■ ■
لكن.. لم يكن «التدخل الأمريكى» المباشر، بالتعاون مع حلف شمال الأطلسى (الناتو)، هو كل الأوراق التى لجأت إليها «واشنطن»، داخل «المستنقع الليبى»، وقتئذٍ.. فوفقًا لمبدأ «القيادة من الخلف» (Leading from behind)، الذى اعتمدته «إدارة أوباما»؛ كان على «البيت الأبيض» أن يدفع بشركائه الإقليميين، إمَّا لتمهيد الأرض داخل «طرابلس»، من حيث الابتداء (أي: قبل إطلاق عملية فجر الأوديسا)، أو لإعادة استثمار «الحالة الليبية» فى تكريس «أعمال العنف» ضد «النظام السورى»، فى وقتٍ لاحق..
■ الهوامش ■
(1) هانى عبدالله: «أمريكا وصناعة الإرهاب: الحلقة الرابعة»، (دراسة)، جريدة «روزاليوسف» اليومية، (العدد: 3354)، 4 مايو 2016م.
(2) Marshall Fund: “Racing Against Time: Reform in North Africa and Transatlantic Strategies”, (PDF), The German Marshall Fund of the United States (Mediterranean Paper Series 2010). Available at: http://www.gmfus.org/publications/racing-against-time-reform-north-africa-and-transatlantic-strategies
(3) كُتبت تلك التوصيات فى أغسطس من العام 2010م.
(4) هانى عبدالله: «أمريكا وصناعة الإرهاب: الحلقة الخامسة»، (دراسة)، جريدة «روزاليوسف» اليومية، (العدد: 3360)، 11 مايو 2016م.
(5) Jason Hanover and Jeffrey White “U.S.-NATO Intervention in Libya: Risks and Benefits” Op. Cit.
(6) Ibid.
(7) Ibid.
(8) Guardian: “ John McCain praises <heroic> rebels on visit to Libya”, April 22, 2011. Available at: https://www.theguardian.com/world/2011/apr/22/john-mccain-praises-libya-rebels
 


بقلم رئيس التحرير

عودة المؤامرة!
كما للتاريخ أحكامه، فإن للتاريخ – أيضًا – إشاراته، ودلالاته.. تقول الحكاية: إنه خلال عصر الإصلاحات الأخير، فيما عُرف..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
رشاد كامل
ذكريات عبدالرحمن الشرقاوى التى لم يكتبها!
محمد جمال الدين
بائعة الخضار والمسئول!
اسامة سلامة
أين مفوضية القضاء على التمييز؟
د. فاطمة سيد أحمد
السيسى يصرف لنفسه (توجيه)
عاطف بشاى
الذين يملكون صكوك التفويض الإلهى
د. حسين عبد البصير
عندما استعادت البشرية ذاكرتها
طارق مرسي
حلوه يا بلدى
سمير راضي
جولة فى عقول الميادين!
حسين معوض
مصانع «أرض الخوف».. العتوة وتوابعها
مصطفي عمار
حرب الأجور المقدسة!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF