بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

15 اغسطس 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

دُرج الأسرار!

839 مشاهدة

7 ابريل 2018




إحسان عبدالقدوس يكتب عن يوم رحلت الأسطورة:

سلمونى حزمة من المفاتيح.. والرؤوس منكسة، وفى عيوننا بصمات الدموع.
وضممت المفاتيح بين أصابعى فى حنان ورفق.. كأنى أضم يدها.. يد أمى.. وقرّبتها من فمى وقبّلتها.. كما تعودت أن أقبّل يد أمى.. وشممت فيها رائحة عطرها.. العطر الهادئ البسيط. إنها مفاتيح مكتبها..

إنى أعرف كل ما فى هذا المكتب.. فى الدرج الأيمن عقود واتفاقات.. وفى الدولاب دوسيهات.. وفى الدولاب الآخر مجموعات من المجلات والصحف القديمة.. وفى هذه الخزانة الصغيرة مسودات لخطابات كانت ترسلها إلى رؤساء الحكومات فى عهود الرقابة.. كانت عندما تعجز عن أن تقول لهم رأيها على صفحات جريدتها، ترسله لهم فى خطابات خاصة.. و.. و... و..
درج واحد لم أكن أعرف ما فيه..
ولم يكن هذا الدرج يثيرنى، ولم أكن أسأل عما فيه.. أنى أعرف أن أمى ليس لها أسرار.. إن كل ما فى قلبها للناس.. وكل ما أعرفه عنها لا يزيد عما يعرفه الناس.. ولكنى كنت أحترم هذا الدُّرج، وتعودتُ أن أنظر إليه من بعيد فى حنو كأنى أنظر إليها وهى نائمة..
ووضعت المفتاح فى هذا الدرج، وقلبى يخفق، كأنى سأراها مرّة أخرى..
وفتحته..
وابتسمت.. وجرت ابتسامتى دموعًا..
إنه درج أمومتها.. لم تكن تكتفى بأن تحتفظ بأمومتها فى بيتها، فكانت تصحبها معها إلى مكتبها.
فى الدرج صورة لأختى.. وصورة لنا نحن الثلاثة، هى وأختى وأنا.. وصور لأحفادها.. وخصلة من شعرى عندما قصته لى أول مرَّة وأنا طفل.. وكيس نقود فارغ قديم.. وعلبة بودرة قديمة علا أطرافها الصدأ.. ثم مجموعة خطابات كتبتها لها وأنا صغير عندما كانت فى أوروبا عام 1927.. وخطاب أرسلته لها منذ ستة أشهر عندما كنت أعالج فى سويسرا.. إنه آخر خطاب كتبتُه لها فى حياتها.. وقد تعودت كلما سافرت أن أبعث إليها بمقالات للنشر، ولكنى فى هذه المرَّة، لم أرسل لها مقالا، أرسلت خطابا خاصا أقول لها فيه:
«حبيبتى ماما:
«أكتب إليك وأنا جالس فى شرفة الفندق.. وبحيرة «لوجانو» تحت قدمى، وجبل على يمينى، وجبل آخر على يسارى، وبين أحضانى أشجار رائعة طرزها الخريف باللون الأحمر والأصفر والأخضر.. ولكنى - فى هذه اللحظة - لا أرى البحيرة، ولا الجبال، ولا الأشجار، ولا الخريف.. أراك أنتِ وحدِك.. أراكِ فى قلبى، وفى مخيلتى، وفى عينى.. أراكِ جميلة عظيمة.. أجمل وأعظم من كل ما فى أوروبا.. إن الله لم يخلق شيئا أجمل من أمى، ولا أعظم من أمى..
«وقد كنت أراكِ جميلة طول عمرى.. ولكنى لم أكن مقتنعًا بعظمتك كما أنا مقتنع الآن.. كنت فى صباى لا أستطيع أن أقدّر لماذا أنت عظيمة.. ماذا فعلتِ حتى تكونى عظيمة.. أنتِ مشهورة.. وأنتِ ناجحة.. نجحتِ على المسرح، ونجحتِ فى الصحافة.. ولكن ليس كل المشهورين عظماء، وليس كل الناجحين عظماء.. فلماذا أنتِ عظيمة.. ما سرُّ عظمتك؟!
هكذا كنت أتساءل فى صباى، ثم كبرت وخضت معركة الحياة.. وعن طريق تجاربى فى محيط البَشَر والعمل.. وبقدر ما عانيت وتعبت حتى أكون إنسانا ناجحا.. استطعت أن أقدر عظمتك وأكتشف سرها.. إن الإنسان العظيم هو الذى يستطيع أن ينجح محتفظا بكبريائه، ومبادئه، وبساطته.. وهذا هو أنت يا أحب الناس.. لقد نجحت دون أن تؤذى أحدًا، ودون أن تتساهلى فى كبريائك.. ودون أن تتغير طبيعتك السمحة البسيطة.. إنك لازلت تضحكين كطفلة، ولازلت تتحدثين كصبية، ولازالت ترضيك الأشياء الصغيرة التى تحمل معنى إنسانيّا كبيرًا.. وردة.. أو كلمة حلوة.. وتتعففين عن الأشياء الكبيرة التى لا تحمل معنى كريمًا.. وهذه هى العظمة.. العظمة هى أن ينجح الإنسان ببساطة».
ثم أقول لها:
«إنك لا تدرين كم يسعد الإنسان ويزهو عندما ينطق لفظ «أمى».. وربما أكون فاشلا فى إظهار حبى لك، ولكنى لا أظن أنك شككت يومًا فى هذا الحب.. لا أظن أن إهمالى فى تدليلك قد جعلك تشُكين فى حبى.. لا أظن.. فأنت أدرى الناس بأنى أعمل، وأكتب وأتعذب، وأحكم طبيعتى المهملة المنطلقة، لا لشىء إلا لأنى أحبك»!
وقد فرحتْ أمى بهذا الخطاب.. فرحت به أكثر من كل ما كتبته.. كأنها تلقت أول خطاب غرام.. دارت على كل زملائى، تبلغهم أنى أرسلت لها خطابا، دون أن تطلعهم عليه.. وعندما عدت لم تحدثنى عن خطابى.. وإنما رأيت على وجهها لمسة من الحياء الجميل والتواضع، كأنها تلتقى بحبيبها بعد أن عاد.

وفى الدرج شىء آخر..
مفكرة صغيرة كانت تكتب فيها بخط يدها.. وكنت أعلم أنها خلال فترات العمل تجلس لتكتب.. ولكنى لم أكن أعرف ما تكتبه.. كانت تحتفظ بما تكتبه لنفسها.
ترى ماذا كانت تكتب؟!
وقلبْتُ الصفحات.. وعاد قلبى يدق.. وابتسمت مرّة ثانية فى حنان كأنى أقبّل الصفحات.
إنها لم تكتب سوى خواطر سريعة، معظمها نصائح أم إلى ابنها.. إليَّ أنا.
إنها تقول لى:
 لا تفكر فى الفشل.. إن الذى يفكر فى الفشل لا يعمل أبدًا..
 إن شبابك فى قلبك وفى إرادتك.. لا فى عمرك..
 الضعف فى الملمات يذيب النفس.. دع الملمات تمر دون أن تذيب نفسك.
 ابنى يردد دائمًا أنى أقسو عليه.. هل إذا دفعته إلى الأمام يعتبر دفعتى قسوة منّى.. إنى أريد أن أراه أحسن ولد، فهل هذه أنانية منّى.. وهل يمكن أن تكون أم قاسية أو أنانية.. تمنيت لو كان لى أم أعرفها وأعيش معها فى حنانها وقسوتها..
 عندما كان ابنى صغيرًا، كنت شجاعة، صبورة، كلى أمل.. ولما كبر ابنى بدأت أحس بالضعف.. ضعف أقرب إلى التخاذل والجبن.. إن خوفى عليه يضعفنى.. وليس هذا ما كنت أنتظره.. أنا الوحيدة فى الدنيا، كنت أنتظر أن تشد أمومتى من أزرى.. وأن تهبنى قوة فوق قوتى.
 يابنى.. حافظ على مظهرك الأدبى، ولا يهمك مظهرك المادى..
 إنى دائمًا أثور على الظلم والكذب والنفاق.. وثورتى تقسو عليَّ.. تجعلنى أشعر بالضيق.. يبدو أن لا أمل لى فى راحة، فلا ثورتى ستكف عنّى، ولا الظلم والكذب والنفاق سينتهى.
 إنى ألاحظ أن ابنى يعترض على كثير من آرائى، ثم لا يلبث أن يقتنع بها بعد وقت قصير أو طويل.. وأنا لا يقلقنى اعتراضه، ولكن يقلقنى أن يرجع عن معارضته.. إنه فى حاجة إلى أن يصبر قليلا قبل أن يعترض..
 أشَرّ أنواع اللصوص.. هم هؤلاء الذين يتقاضون أجرًا ولا يعملون.
 لماذا لا أرى ابنى يضحك أمامى.. هل أحمله من المسئوليات أكثر مما يطيق؟ ولكنى حملت أضعاف هذه المسئوليات، وكنت أضحك..
 احرص على صحتك أولاً وقبل كل شىء.. إنك لا تساوى شيئًا، بلا صحتك و.. و.. و..
وتتوالى الخواطر.. كلها خواطر بسيطة.. فى بساطتها النظرة الثاقبة، والنصيحة الغالية.. وقلب الأم، وعقل الأستاذة.. وأحسّ وأنا أقرأ كأنى أسمع صوتها.. الصوت الرقيق العذب، صوت لا يميزه عن صوت البنات سوى رنة حزم ونبرة ثقة.
لقد تركت لى صوتها.. معى دائمًا..

وفى الدُّرْج كشكول.. ما كدت أقلب صفحاته حتى انبهرت أنفاسى.. إنه يضم قصتها.. قصة طفولتها.. قصة الأيام التى لم تكن تتحدث عنها إلا فى كلمات عابرة.. قصة أبيها وأمها.. ولا أدرى، هل هناك من يعرف هذه القصة غيرى.. إنى أنا نفسى لم أكن أعرفها إلا فى صور مهزوزة.. وقد ألححت عليها مرات أن تطلعنى عليها، فكانت تعدنى، ثم لا نكاد نجلس سويّا حتى تشغلنا عن حديث طفولتها، أحاديث العمل..
وكان أكثر ما أخافه أن تذهب قبل أن تطلعنى على قصتها.. قصتى.. أن تتركنى كفرع شجرة معلق فى الهواء..
ولكنها برَّت بوعدها..
إنها دائمًا تبرّ بوعدها..
إنها لا تنسى شيئًا أبدًا قبل أن تذهب..
وقد تركت لى قصتها وقصتى، وقصة جدى.. محمد بدر الدين اليوسف.. وقصة جدتى: جميلة.
هل أستطيع أن أكتب يومًا هذه القصة؟
لا أدرى..
لقد مرت عليَّ أيام خُيل إليَّ فيها أنى لن أستطيع أن أكتب عنها أبدًا.. خُيل إليّ أنى لن أستطيع أن أمسك بقلمى بعد أن ذهبت من جانبى.. إن الكاتب فى حاجة إلى أن يحتفظ بوعيه وهو يكتب، حتى يرى أحاسيسه وعواطفه ويسجلها على الورق.. وكانت أحاسيسى وعواطفى فى تلك الأيام قد اختلطت بوعيى فلم أعد أستطيع أن أراها، ولا أن أصفها، ولا أن أسجلها على الورق.. ثم ألح عليَّ زملائى كى أكتب.. قالوا لى أنى سأرتاح لو كتبت.. وجلست على مكتبى ساعات طويلة أحاول أن أفصل وعيى عن عواطفى.. أحاول أن أنزع قلبى وأضعه أمام ذهنى حتى أرى ما فيه.. أحاول أن أمُرّ من خلال السُّحُب القاتمة التى تملأ صدرى ورأسى.. ثم كتبت عنها.. عن أمى.. كتبت مقالا نشرته فى «صباح الخير».. وأحسست بالراحة فعلا وأنا أكتب.. أحسست كأن أمى لاتزال بجانبى.. ولكنى بعد أن انتهيت من الكتابة واجهنى فراغ كبير.. فراغ أكبر وأشد قسوة مما كنت أواجهه قبل أن أكتب.. وعدت أتعذب..
إننى فى حاجة إلى وقت طويل حتى أتعود الحياة فى هذا العالم الجديد الغريب..
العالم الذى لا يضم أمى.. وعندما أتعلم الحياة دونها.. سأحاول أن أكتب قصتها..

نشر المقال بمجلة «روزاليوسف»
 فى 21 إبريل 1958م


بقلم رئيس التحرير

من يدفع للزمَّار؟!
  اعترافات أمريكية "جديدة" عن استغلال "المعارضة" للنيل من الأنظمة لم نكن فى حاجة – يقينًا &ndash..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
محمد جمال الدين
فى جريمة الرشوة.. «أبجنى تجدنى»!!
اسامة سلامة
قرارات البابا التى تأخرت كثيرا
د. فاطمة سيد أحمد
الإعلام المحظوظ.. ووزير إعلام شاب
د. رفعت سيد أحمد
رجال من هذا الوطن!!
عاطف بشاى
«هياتم» من أهل النار؟!
طارق مرسي
مطلوب تجديد الخطاب الغنائى
مصطفي عمار
حلا شيحا.. الفتاة التى هزمها الحب!
مدحت بشاي
حتى لا يموتوا.. ويحيوا على صفحات الفيس بوك!
د. مني حلمي
هايل.. ممتاز.. نابغة.. بس ملحد

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF