بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

13 نوفمبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

«عم عياد».. راهب فى محراب الوحدة الوطنية

690 مشاهدة

12 مايو 2018



فى قرية يلتقى فيها الماضى بالحاضر، وتتقارب عندها حسابات الجغرافيا والتاريخ، وتجتمع بين أحضانها الآثار القبطية والإسلامية والفرعونية معا، هنا يصعب عليك أن تفرق بين المصريين على أساس الدين أو أى شيء آخر.
ما أجمل الواقع حين يغنى عن كثير من شعارات الوحدة الوطنية التى قد يرى البعض أنها تحتوى على قدر من المغالاة أو المثالية الزائدة، وما أبدع الصورة حين تقف وحدها معبرة عن المعانى التى يصعب على الكلمات نقلها.

بطل الصورة «رجل ثمانينى» رسم الزمن على ملامح وجهه الكثير من الحكايات، يقف محملا بكل هذا الرصيد من التجارب بين تلاميذ لا يتجاوز أكبرهم 10 سنوات ينقل لهم بعضا مما تعلمه خلال رحلته فى هذه الحياة.
داخل «حوش» منزله الصغير بقرية «طهنا الجبل» يقف عم عياد – ذلك الرجل الصعيدى المسيحى مرتديا جلبابه وطاقيته «البلدى» الشهيرة وأمامه سبورة صغيرة سوداء، ومن حوله يلتف الأطفال الصغار، بينما يقوم بتحفيظهم القرآن الكريم وتعليمهم تفسيره.
سبعة كيلو مترات هى المسافة التى تفصل قرية «طهنا الجبل» عن مدينة المنيا، قطعناها فى طريقنا إلى «عم عياد حنا» أو كما يطلق عليه أهل القرية «عياد العريف» الذى يعرفه جميع أهل القرية بأنه مثال لوحدة الأديان، ووأد الفتنة الطائفية والذى استطاع أن يذيب الفوارق الدينية بين أهالى قريته.
ويروى لنا «عم عياد» حكايته قائلا: إنه بدأ حياته كمدرس ابتدائى بعد أن حصل على شهادة المرحلة الابتدائية، أو «الإلزامية» كما كانت تعرف حينها، ثم درس فى مدرسة الأقباط فى المنيا لأنه لم يكن لديه من المال ما يكفى لأن يذهب إلى «مصر» ويتعلم، ومن هنا كان من ضمن التلاميذ الذين كافحوا لتلقى التعليم.
كان عم عياد يذهب إلى المدرسة سائرا على قدميه مسافة 20 كيلو مترا لأنه لم تكن هناك مواصلات حتى يركبها، بينما كان غيره يكتفى بالمرحلة الابتدائية ويعمل بعدها فلاحا فى أرض والده.

وعن سبب حفظه للقرآن يقول (العريف): «امتنعت عن حفظ القرآن فعاقبنى ناظر المدرسة وكنت وقتها فى الصف الرابع الابتدائى.. واشتكيت للمرحوم والدى، فنهرنى وقال لى «احفظه»، قلت له «أحفظه أعمل بيه إيه ؟!» فقال «أنا حفظته قبلك».
 سألت والدى يوما – يكمل عم عياد - أنت حفظت القرآن ليه؟ فقال: كنت أعرف الشيخ أبو عاشور الأزهرى وكان دائما يذهب معى لحضور عزاء أهل القرية أو القرى المجاورة من المسلمين أو المسيحيين وكان يطلب منى أن أقول كلمتين فى المأتم وكنت أقف فى عزاء المسيحى أقول آيات من الإنجيل وأشرحها وفى عزاء المسلم أقول آيات من القرآن وأشرحها».
 يكمل «عم عياد» حديث ذكرياته عن والده ويقول: كان أبى يقف بين الناس ليشرح الآية «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا»، وهذه الآية – الكلام لعم عياد – لها ما يقابلها فى الإنجيل فمعناها «طوبى للأموات الذين يموتون فى الرب، «فكلمة طوبى كلمة يونانية معناها «ياسعده»، «يا هناه» الذى يؤمن بالله ويعمل به وبكتابه.
نفى «عم عياد» بشكل قاطع أن يكون قد قابل أى نوع من الاعتراضات على حفظه القرآن داخل عائلته، بل أكد على أن والده كان يشجعه على حفظه مثلما فعل هو، إلى جانب أنه ما زال يحتفظ بالمصاحف التى كان يقرأ فيها بالإضافة إلى مصاحف حصل عليها كهدية وتكريم من أحد الشيوخ بعد أن تعلم أبناؤه على يد «عم عياد»
وحول موقف الكنيسة منه قال «عم عياد» إنه لم يلق أى اعتراض من الكنيسة بشأن حفظه للقرآن مؤكدا على الترابط القوى والمودة والتآخى بين المجتمع داخل قرية «طهنا الجبل» فليس هناك أي فرق بين مسلم ومسيحى، وذكر أن تعليم الأطفال فى عائلته ليس حالة فردية بل إنه ورث هذه المهنة عن والده بينما ابنه ليس لديه حب التعليم لكنه حصل على دبلوم وتوظف به.
روى «عم عياد» أنه بدأ تعليم الأطفال القرآن الكريم إلى جانب مبادئ القراءة والكتابة والرياضيات واللغة العربية ومساعدتهم فى تفسير الآيات التى تطلب منهم فى مدرسة القرية وكان ذلك فى عام 1948 وكان ذلك يتم فى 3 غرف داخل الكنيسة وهو ما عرف «بالكتاب» نظير حصوله على 10 قروش.
ليس غريبا على الرجل الذى ينتمى للمحافظة التى ولد فيها طه حسين عميد الأدب العربى أن يرى أن كل الأطفال يجب أن يحصلوا على حقهم فى التعليم سواء كان معهم المال الكافى لذلك أم لا، بنات كانوا أو بنين، مسلمين أو مسيحيين، فقد سبقه طه حسين إلى ذلك بقوله «إن التعليم يجب أن يكون كالماء والهواء».
يدلل «عم عياد» على ذلك بقوله إن أحد أهالى القرية حضر إليه ومعه ابنه «محمد» وطلب منه أن يعلمه ولم يكن معه ما ينفق عليه ولكنه وعده مقابل نجاح ابنه بأنه سوف يعطيه «أردب ذرة» – وقتها أردب الذرة كان ثمنه 167 قرشا –فرد «عم عياد» على الأب قائلا: «وأنا قبلت» وعلمه ونجح محمد وفعلا حصل على أردب الذرة.. يمضى عم عياد قائلا: «كبر محمد وتزوج وأنجب وأتى بأولاده كى يتعلموا عندى كمان».
قرر «عم عياد» نقل «الكتاب» إلى بيته عندما امتلأت الكنيسة بالمصلين وزادت الاجتماعات الدينية داخلها.. يتقاضى «عم عياد» حاليا 10 جنيهات شهريا عن كل طالب يحضر إليه ليعلمه وهو مورده الأساسى إلى جانب حصوله على معاش بسيط قائلا: «الموضوع ليس بكثرة المال فقط، نحن نشكر ربنا كثيرا، فالتقوى مع القناعة تجارة عظيمة».
وأكد عم عياد أن الدراسة معه لا تغنى عن ذهاب الأطفال عن المدرسة، بل على العكس فهو يساهم في تشجيعهم على الذهاب إليها ويريهم أهمية التعليم، ففى أثناء اليوم يدرس لهم ما سوف يأخذونه فى اليوم القادم، وبذلك يصبح الطفل متفوقا فى مدرسته، هذا بالإضافة إلى تشجيع المدرسين للأطفال مرددين «اذهبوا لعم عياد العريف».
وبسؤاله عن مسيرته، التى استمرت لأكثر من 65 عاما، كيف يراها قال عم عياد: «أنا لن أحكى عن ما أفعله بل الفعل هو الذى يتحدث عن نفسه» وذكر أنه قال لأحد سكان القرية الذى قدم إليه ذات مرة ليعلم ابنه «شوف لك حد تانى يعلم ابنك قال له أنت علمتنى وهتعلم ابنى كمان».


 


بقلم رئيس التحرير

عودة المؤامرة!
كما للتاريخ أحكامه، فإن للتاريخ – أيضًا – إشاراته، ودلالاته.. تقول الحكاية: إنه خلال عصر الإصلاحات الأخير، فيما عُرف..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
رشاد كامل
ذكريات عبدالرحمن الشرقاوى التى لم يكتبها!
محمد جمال الدين
بائعة الخضار والمسئول!
اسامة سلامة
أين مفوضية القضاء على التمييز؟
د. فاطمة سيد أحمد
السيسى يصرف لنفسه (توجيه)
عاطف بشاى
الذين يملكون صكوك التفويض الإلهى
د. حسين عبد البصير
عندما استعادت البشرية ذاكرتها
طارق مرسي
حلوه يا بلدى
سمير راضي
جولة فى عقول الميادين!
حسين معوض
مصانع «أرض الخوف».. العتوة وتوابعها
مصطفي عمار
حرب الأجور المقدسة!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF