بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

16 اكتوبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

سيرة «نصر».. العبور إلى الله

495 مشاهدة

14 يوليو 2018



نهي هندي

تكتب نهى هندى، محرّرة ومترجمة علمية، عن تجربتها فى التعرّف
إلى خطاب نصر حامد أبو زيد. وظروف ترجمتها لكتاب عن سيرته، صدر عام 2015، عن الكتب خان بعنوان «صوت من المنفى.. تأمّلات فى الإسلام».

يقول أبو زيد إن الخطاب الدينى يقدَّم للناس باعتبارهم من العوام، يقصيهم مع أنه يتحدّث إليهم، ويخبرهم مرارًا وتكرارًا أن المعرفة ليست حقًا مكفولًا للجميع، فقط من خلالهم يمكنهم فهم النص وعبور الجسر الوهمى إلى الله. ربما لا توجد جسور بين الله والإنسان، لكن قطعًا هناك جسور بين الإنسان العربى والمعرفة، وكان عليّ اجتيازها قبل أن أقابل أبو زيد، قابلتُ أبو زيد - ليس بشكل شخصى للأسف - فى العام التالى من وفاته من خلال سيرته الذاتية، وصلتُ إليها عبر فوضى القراءة، بمحض الصدفة أقف داخل مكتبة فى جامعة أمريكية بالولايات المتحدة، أتفقّد رفوف الأدب العربى،أجد اسمه فوق غلاف كتاب، فأستعيره وأرحل.
اسم نصر حامد أبو زيد لم يكن غريبًا بالنسبة لى،  سمعته على مدار سنوات ضمن أحاديث مختلفة، لكن ما تبقّى من سيرته كان عبارة مفادها: «الرجل الذى ذكر بعض الأفكار المارقة المضادة للدين، فقرّرت المحكمة فى مصر الحكم عليه بالتفريق بينه وبين زوجته، بعدها رحل وترك البلاد». هكذا تستطيع الذاكرة الجمعية أن تختصر سيرة إنسان فى سطر واحد، تتناقلها دون تفكير، وتُلقى بباقى التفاصيل جانبًا، فماذا تريد أن تعرف بعد أن قضت السلطة القضائية والدينية بإلحاد الرجل وخروجه عن الدين!
كيف قرّرتُ عبور الجسر بينى وبين معرفة أبو زيد؟ فى عام 2011، كنتُ غاضبة من حدود المعرفة المتاحة لى من خلال المنشور باللغة العربية، فقضية الإصلاح الدينى هى القضية التى ناقشها الجميع دون أن يناقشوها، ثقبٌ أسود يبتلع كل ما يُكتب فيُعاد كتابته من جديد. أردّتُ الهروب من الدائرة المعرفية المغلقة التى علقتُ بها، كان هذا هدف أبو زيد أيضًا حين عُيّن معيدًا بكلية الآداب بجامعة القاهرة، تساءل حينها، هل عليّ أن أعيد أفكار من سبقنى منذ أيام طه حسين وحتى يومنا هذا، أهذه مهنة الباحث؟ ما هو الجديد الذى سأقدّمه؟ وتساءلتُ أنا، هل يمكننى قراءة أحد غير محمد عبده الذى تطبع الدولة كتبه بكافة الأشكال والأحجام والألوان؟
لم تكن سيرة نصر أوّل ما قرأت له، ربما قرأتُ بعض ما كُتب عنه أو له، لا أذكر بالتحديد، لكننى وجدت نفسى متعثّرة فى فهم بعض من أفكاره، ما هو علم الهرمنيوطيقا؟ وكيف يُقرأ النص تاريخيًا؟ أليس النص القرآنى الذى بين أيدينا عابرا لحدود الزمان والمكان؟ وكيف يكون للنص المُنزّل بُعد بشري؟ بعد سنوات من دراستى للعلوم البحتة، شعرتُ بالاغتراب فى فضاء العلوم الإسلامية والدينية، بل وجميع العلوم الاجتماعية والإنسانية. كانت تتردّد فى ذهنى محاضرة تشارلز بيرسى سنو- الأديب الإنجليزى وعالم الفيزياء الكيميائية - «الثقافتان المغايرتان والثورة العلمية»، والتى انتقد فيها معرفة طلاب كامبريدج فى الستينيات، فكل متخصص منغلق على ذاته ولا يوجد واحد منهم يمكنه معرفة القانون الثانى من الديناميكا الحرارية ومسرحيات شكسبير فى آن واحد. صحيح أننى لم أدرس بكامبريدج، لكننى كنتُ فى وضع مماثل أحمل معرفة علمية مقتطّعة من سياقها وأرى العالم من خلال نظرة واحدة ضيّقة.
حين تحسّنت لغتى الإنجليزية اختفت تلك العقبات واحدة تلو الأخرى، وانفتح العالم أمامى على آفاق أوسع مما كنتُ أتخيّل، وحين قرأتُ سيرة أبو زيد الذاتية وجدّتُ ضالتى فى معرفة قصّة الرجل بالتفصيل وعلى لسانه دون وسيط، كان هذا الكتاب المفتاح لدخول عالم أبو زيد، يروى فيه عن أحداث طفولته ومراحل تكوينه، والقضايا التى ناقشها بمؤلفاته، على شكل أجوبة لأسئلة طرحتها عليه أستاذة جامعية أمريكية فى حوار مطوّل. أنهيتُ قراءة الكتاب فى أربع ساعات متواصلة، وقرّرتُ مراسلة هذه السيدة بشأن ترجمة الكتاب، وحينها علمتُ أنها عبرتْ جسرًا أيضًا لمقابلة أبو زيد.
تعمل إستر نيلسون أستاذة فى مجال الدراسات الدينية بجامعة فيرجينيا كومنولث فى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد علمتْ بقصة أبو زيد بعد أن قرأتْ عنه مقالًا نُشر بجريدة «ذا نيويوركر» عام 1998، وآخر نُشر فى دورية عن التعليم العالى فى عام 2002. أثارتها القصة عن الأكاديمى الذى يُجبره إسلاميون على ترك جامعة القاهرة حيث يعمل، متهمين إياه بالهرطقة لأنه طرح تفسيرًا مجازيًا للقرآن، وطالبوا بالفصل بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس لأنه صار مرتدًا، ولا يجوز أن يظل زوجًا لهذه السيّدة المسلمة. لم يكن أبو زيد معروفًا للعالم الغربى قبل عام 1996، وهو العام الذى صدرت فيه الترجمة الألمانية لأشهر مؤلفاته «نقد الخطاب الدينى» الصادر فى عام 1992 باللغة العربية. لقد قدّمت هذه الترجمة أبو زيد للجمهور الغربى وعرّفته بأفكاره وأرست أساسًا لهذا الكتاب.
قرّرت إستر مقابلة أبو زيد فى جامعة لايدن بهولندا، بعد أن استقرّ به المقام، وما كان مُحرّكها هو دافع شخصى قبل أن يكون اهتمامًا أكاديميًا، فهى تذكر عن نفسها أنها ابنة اثنين من المبشّرين المسيحيين البروتوستانت، عاشت حياتها على صلة وثيقة بالكنيسة، ورأت والديها وهما يحاولان تنفيذ كلمة الله فى الأرض، وهى دعوة اليهود لاعتناق الدين المسيحى فى نسخته الأصولية والحرفية التى آمنا بها وأيقنا أنها كل الحقيقة. هذه النسخة من «الحقيقة» لم تقنع إستر، وظلّت تبحث عن نسخ أخرى، وأمضت سنوات فى دراسة الأديان المختلفة، وهى تتساءل عن إمكانية خلق حوار يعبُر الحواجز بين الأديان المختلفة. هل يمكن أن يجلس أصحاب الديانات المختلفة معًا ومناقشة الاختلافات بينهم؟ ثم ماذا؟ هل سيقتنع كل واحد بأفكار الآخر؟ ما هو التسامح على أية حال؟ هل هو أن يتقبّل الإنسان أنه لن يصل جميع البشر لاعتناق دينه الصحيح، وستكون هناك أديان أخرى للأسف؟ أم أن يستوعب المسلم أن المسيحى يرى فى المسيح رمزًا بشريًا وإلهيًا، وأن يستوعب المسيحى قيمة التوحيد عند المسلم؟ هل يمكن أن يصل البشر لمفهوم أن للحقيقة تجليات مختلفة؟
تحدّث لها أبو زيد عن حياته وأفكاره بصدق مُثير للإعجاب، فقد كان يؤمن بأن الأكاديمى هو فى خدمة الناس، يجب عليه أن ينقل لهم أبحاثه ونتائجها، كما أن أفكاره لا تولد فى الفراغ فهى نتاج تجربته الشخصية والتاريخية، عبَرت إستر جسر اللغة بينها وبين أبو زيد حين أخبرها أنه لا يكتب الإنجليزية بفصاحة كما يتحدّثها، فتركت له حرية الاسترسال وقاطعته مرّات قليلة لاستيضاح فكرة أو لطرح سؤال جديد. يقال إن حاجزًا يقف بين العرب وبين كتابة السيرة الذاتية، هم دومًا خائفون مما قد يظن بهم البعض إذا ما تحدّثوا بحرية عن أنفسهم، فيلجأون لكتابة الروايات متخفّين وراء شخوصها، لكن أبو زيد لم يكن من هؤلاء، فكانت أكثر الأحداث الشخصية حميمية فى حياته - مثل قصة زواجه - فى نفس أهمية أفكاره الكبرى عن الله والإنسان والنص وتأويله.
العالم فى مأزق بعد الحادى عشر من سبتمبر، والإنسان المسلم مأزوم منذ زمن بعيد، لذا قرّر أبو زيد أن يُجرى هذا الحوار مع مواطنة أمريكية متوجّهًا بحديثه للمواطن الغربى الذى لا يعلم عن الإسلام سوى الصورة النمطية للعربى المسلم الحاقد والعنيف، مصدر الخطر على الحضارة الغربية. ربما لهذا السبب تحدّث بكل هذا التفصيل عن نشأته القروية، ورحلة تعليمه الطويلة، واحتكاكه بالدول الغربية وثقافتها، ربما أراد أن يقول هكذا تتكوّن المعرفة هناك، فى الجانب الآخر الذى لا تعرفون عنه شيئًا، أو هذه هى الحياة التى جئتُ منها ودفعتنى للتساؤلات التى أثرتُها بأبحاثى،إن علاقتنا بالقرآن لم تشهد تفاعلًا مماثلًا فى دراسته كما وقع مع الإنجيل، ما زلنا نتحسّس طريقنا فى ذلك الاتجاه.
ثلاثة عشر فصلًا هى قوام سيرة أبوزيد، ومفتاح فهم مؤلفاته الأخرى ومشروعه الفكرى،ومن أجلها عبرت إستر وأنا الجسور التى فصلت بيننا وبين عالم أبو زيد، أمّا الجسر الوهمى بيننا وبين الله فذلك شأن آخر.


بقلم رئيس التحرير

القاهرة.. موسكو
غالبًا.. عندما يتصدى «رجال الاستخبارات» للعمل السياسى بأنفسهم، فإن تحركات «رقعة الشطرنج» تسمح فى كثير من ..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
اسامة سلامة
إهدار مال عام
د. فاطمة سيد أحمد
المتأسلمون المستقلون.. أين هم؟
عاطف بشاى
رسالة الفنان عند «توفيق الحكيم»
د. رفعت سيد أحمد
أنا .. الشعب!
طارق مرسي
رسائل «أمينة» و«خريستو» فى مهرجان الإسكندرية السينمائى
حسين معوض
عولمة «شبرا بلولة»!
محمد مصطفي أبوشامة
حديث الإنسان عبد الفتاح السيسى
د. مني حلمي
الإذاعة المصرية لا تعترف برتيبة الحفنى!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF