بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

16 اكتوبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

«ستار» الغواية .. مجاز الحجاب فى الفنون البصرية

705 مشاهدة

28 يوليو 2018



وليد الخشّاب ❋

منذ عدّة سنوات أعكفُ على مشروعى البحثى عن تجسيد الحجاب فى السينما والفنون البصرية، لا سيّما الفوتوغرافيا. وتفاصيل أحدث دراساتى منشورة صيف 2018 فى المجلّة الكندية للأدب المقارن.

مفهوم الحجاب ليس مقصورًا على ما يتصوّر بعض المسلمين أنه لباس الحشمة للمرأة المسلمة، لكنه مفهوم أكثر رحابة. فالمقصود بالحجاب هنا هو التأثير الناتج عن علاقة القماش أو النسيج بجسد المرأة (وأحيانًا جسد الرجل أيضًا) وبالمكان الذى يتحرّك فيه هذا الجسد. إنّ استخدام القماش أو مواد أخرى - مثل الضوء والظلّ - تُعطى نفس تأثير القماش فى العمل الفنى، تؤدّى أربع وظائف اجتماعية وفنية: الوظيفة الأولى للحجاب أنه يعبّر عن الإيروسية أو الرغبة الجنسية، من ناحية، أو على العكس يُخفّف من اندلاعها، من ناحية أخرى. فالحجاب قد يُستخدم لتغطية الجسم بهدف الاحتشام أحيانًا، وبهدف الإثارة والإغراء أحياناً أخرى. وكثيرًا ما يختلط الهدفان فى الأفلام، مثلما نرى فى استخدام «الملاية اللف» التى تستر حينًا وتثير الخيال حول ما تُخفى حينًا آخر، على نحو ما تستخدمها شخصية الراقصة التى تُجسّدها نادية لطفى فى فيلم «قصر الشوق» لحسن الإمام. وفى الوظيفة الثانية قد يُستخدم الحجاب كستار لتقسيم المكان إلى خاص وعام، أو يفصل المساحة التى يحتلّها من هو أعلى اجتماعيّا عن المكان الذى يشغله من هو أدنى اجتماعيّا، على نحو ما نرى فى الأفلام التاريخية التى تدور فى الشرق الأوسط والأقصى، حيث يفصل ستار أو «غلالة» بين مجلس الملك وبين العامّة. وقد يكون الحجاب ثالثا مجازًا يُشير إشارةً رمزية لثقافات بعينها، مثل ثقافات الشرق، فى آسيا أو العالم المُسلم. فما تسمّيه العرب «حجابًا» أو «عباءة»، وما تسمّيه الهند «سارى»، وما تسميه اليابان «كيمونو» كلّها ملابس تعمل عمل الحجاب، حسب تعريفى له. وما إن يراها المُشاهد حتى يعرف أنه أمام مجتمعات بعينها، فصورة سيّدة ترتدى العباءة تُشير لمجتمع الجزيرة العربية وصورة السارى تُشير للهند، وهكذا. وختامًا فالحجاب رمزٌ لأسلوبين مختلفين فى اكتساب الإنسان للمعرفة.
عندما يُفكّر الإنسان فى كيفية وصوله للمعرفة، يجد نفسه أمام طريقين كلاهما يمكن مقارنته مجازًا بالحجاب: طريقة أو نظرية للمعرفة تَعتبر «الصراحة» عنواناً للحقيقة، وتعتمد مبدأ «الكشف» عن الحقيقة «العارية». كأن الحقيقة أو المعرفة شىء يختفى خلف حجاب، فيقوم الإنسان بكشفه واكتشافه، وبالفعل كان الإغريق والمصريّون القدماء يتصوّرون أسرار الطبيعة شيئًا يختفى خلف حجاب ترتديه الربّة إيزيس، ولا يتعلّم الإنسان هذه الأسرار إلا إذا رفع الحجاب عن إيزيس. ثانيًا هناك نظرية ثانية للمعرفة تَعتبر أن الوصول إلى أسرار الحكمة والعلم يتطلّب من الإنسان أن يسير فى طريق شائك، يتراوح باستمرار بين «الحجب» و«الكشف». فتارةً يكتشف سرّا «محجوبًا» عنه، وتارةً يتواضع ويُسلّم بأنّ هناك أسرارًا ومستويات للعلم والمعرفة تظلّ دائمًا مُغلفة بستار الغموض. بهذا المعنى الموجود فى كل الثقافات السامية، لا يكفى أن يقوم الإنسان بكشف ما كان يجهله وكأنّه يخلع حجابًا أخفى المعرفة. فالمعرفة حركة لا تنتهى ومحاولات دائبة يبذلها الإنسان لكشف حقائق يظلّ بعضها إلى الأبد خلف ستار من السرّ.
>النسيج.. الحجاب.. الشاشة
فى الدراسات السينمائية المنشورة فى الغرب قسمٌ من الدراسات ينحصرُ فى الحديث عن الحجاب بوصفه لباسًا مرتبطًا بالدائرة المسلمة. وينقسم الدارسون لصورته إلى قسمين، قسم أوّل يرى فى الحجاب ممارسة تؤكّد فاعلية المرأة وذاتيتها، ويبنى هؤلاء موقفهم على تصوّرهم أنّ الحجاب تعبيرٌ عن هوية المرأة المسلمة، ويُدينون تقديمه فى الأفلام الغربية بصورة تحطّ من شأن المرأة وفرديّتها. يُمثّل هذا القسم البروفسيرة إيلا حبيبة شوحيط، التى تنتقد النظرة الاستعلائية المستعمرة للمرأة المسلمة فى الأفلام الهوليوودية، والتى تتجلّى فى تصوير النساء ككتلة صمّاء، مُغلّفة بجلابيب سوداء.
لكن «شوحيط» مُحقّة فى نقدها للاستعلاء الهوليوودى الذى يستخدم صورة النساء المغلّفات بالسواد للإيحاء بأنّ هذا تجسيد لحال المرأة فى الشرق الأوسط، وبأنّ المرأة فى هذه المنطقة مجرّد كَمّ مُهمل. على أن البروفسيرة «شوحيط» لا تنجرف إلى ما يغوى كثيرًا من المثقّفات النسويات فى الغرب اللاتى يرين فى الحجاب تعبيرًا عن مقاومة المرأة المسلمة للخطابات السائدة والمهيمنة إن احتجبت فى الغرب.
القسم الثانى من دارسى الحجاب ينتقد فرضه على النساء ويرى فيه ممارسة قمعية تضع قيودًا مادية ورمزية على جسد المرأة. يمثّل هذا التيار البروفسير حميد نفيسى، الذى ينتقد سياسة الدولة الإيرانية وفرضها على السيّدات ارتداء الشادور فى الأماكن العامة وكذلك فرض الرقابة على الممثّلات ارتداء هذا الحجاب فى الأفلام حتى لو خالف ذلك منطق الواقعية (مثلاً عندما تمثّل فنانة أنها فى البيت وحدها مع زوجها نراها مع ذلك ترتدى الشادور). على أنّ البروفسير نفيسى يُحلّل كيف تتحايل الممثّلات على قانون الحجاب ويحاولن دائماً التعبير عن الإيروسية وفتح ثغرات فى جدار الرقابة بكشف خصلة شعر هنا، أو بأداء نظرة موحية هناك.
>الستار.. الحجاب.. الغلالة
الواقع أن بحثى يُعنى بقدر كبير  بالحجاب بالمعنى الأصلى للكلمة فى تراثنا العربى، فى القرآن مثلاً. كما تذكّرنا فاطمة المرنيسى، فكلمة «حجاب» لا ترد فى القرآن مطلقاً بمعنى لباس المرأة، بل هى أقرب لمعنى «ستار» استخدمه النبى - صلى الله عليه وسلم - ليفصل بين الفضاء الذى يَستقبل فيه الناس والفضاء الخاص، الذى تتمتّع فيه زوجات النبى بالخصوصية. هذا الحجاب/الستار هو المعادل الحديث لما تسمّيه الطبقة الوسطى «بارافان»، إذا استعرنا التعبير الفرنسى.
وعند استقرار نظام الخلافة الوراثية فى الدولة الأموية، ظهر نظام الحاجب، الذى كان «يحجب» الخليفة عن الناس، أى الذى كان يقوم بدور الستار المجازى فيمنع الناس أو يسمح لهم برؤية الخليفة، كأنه سكرتير أو وزير للخليفة. الحجب هنا يخلق تراتبية تجعل من الفضاء المحجوب - مجلس العرش مثلاً - فضاءً استثنائيًا مُحاطًا بهالة السُلطة، مُقابل فضاء المحكومين العادى، «المكشوف». بالمنطق نفسه، فمنطق فرض حجاب على النساء، بمعنى تخصيص فضاء محجوب، أو حريم، فى بعض مجتمعات الشرق الأوسط فى العصور القديمة والوسطى كان المقصود به حماية النساء وإعلاء شأنهن رمزيًّا، قبل أن تتدهور تلك الممارسة وتصير وسيلة لحبس المرأة داخل المنزل فى العصور الحديثة.
فى فيلم «كليوباترا» (1963) للمخرج الأمريكى جوزيف مانكيفيتس، يتضافر استخدامان مجازيّان للحجاب: كإشارة لفضاء السُلطة، وكإشارة لفضاء الرغبة والإيروسية. فى مشهد شهير، يدخل القائد الرومانى أنطونيو (ويجسّده النجم ريتشارد بيرتون) إلى مخدع كليوباترا (وتجسّدها النجمة إليزابث تايلور). نرى الملكة المصرية مُستلقية على فراشها «محميّة» بغلالة رقيقة - أو حجاب شفيف - يفصل بين فِراشها وباقى  الفضاء، علامة على تميّزها كمَلكة وعلى أنّها صعبة المنال كامرأة. وبشكل رمزى، يتوّج أنطونيو تحالفه السياسى مع كليوباترا، وكذلك ارتباطه العاطفى بها بأن يُمزّق الحجاب، لاغيًا بذلك المسافة المجازية بين عالم الملكة وعالم الضابط الأجنبى، ومُتجاوزًا المسافة بينه كرجل وبين كليوباترا كامرأة، قبل أن يُطارحها الغرام. كأنّ فضّ الحجاب أو الغلالة هنا هو مجاز عن التواصل الجسدى وعن التحالف السياسى معًا.
الواقع أن علاقة القماش بالجسد وبالمكان غنية بدلالات ثقافية مُركّبة ومتشابكة، لها أبعاد رمزية وجمالية واجتماعية وسياسية. ودراسة هذه العلاقات فى السينما والفنون البصرية تكشف لنا هذا التعقيد على نحو قد لا نلتفت إليه إذا اكتفينا بالتأمّل فى دور القماش فى حياتنا، من منظور اجتماعى فقط.>

* أستاذ الدراسات العربية ـ جامعة يورك ـ كندا
 


بقلم رئيس التحرير

القاهرة.. موسكو
غالبًا.. عندما يتصدى «رجال الاستخبارات» للعمل السياسى بأنفسهم، فإن تحركات «رقعة الشطرنج» تسمح فى كثير من ..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
اسامة سلامة
إهدار مال عام
د. فاطمة سيد أحمد
المتأسلمون المستقلون.. أين هم؟
عاطف بشاى
رسالة الفنان عند «توفيق الحكيم»
د. رفعت سيد أحمد
أنا .. الشعب!
طارق مرسي
رسائل «أمينة» و«خريستو» فى مهرجان الإسكندرية السينمائى
حسين معوض
عولمة «شبرا بلولة»!
محمد مصطفي أبوشامة
حديث الإنسان عبد الفتاح السيسى
د. مني حلمي
الإذاعة المصرية لا تعترف برتيبة الحفنى!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF