بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

16 اكتوبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

وداعًا صديقى الأسقف!

3252 مشاهدة

4 اغسطس 2018



د. لؤى سعيد يكتب:


كثيراً ما كان يسألنى بعض طلابى أو دارسى القبطيات عن الرهبنة ومعناها ومغزاها، فكنت دائماً ما أستشهد بشخصية الأنبا إبيفانيوس الذى كنت أرى فيه نموذج الرهبنة القبطية فى أنقى صورها، والذى يشبه فى إيمانه بالفكرة والتزامه بها الرهبان الأوائل المؤسسين فى القرنين الثالث والرابع الميلاديين.. وكنت أستشعر بداخلى أن الرهبان من أمثاله هم المعنيون بالآية الكريمة: «..وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون».

بدأت معرفتى بالأنبا إبيفانيوس منذ ما يزيد على عشر سنوات وقت أن كان راهباً عادياً فى دير أبو مقار الشهير بوادى النطرون، وذلك بعيد رحيل رئيس الدير الشهير القمص متى المسكين عام 2006، وهى الفترة التى امتدت لسنوات بدون وجود رئيس للدير.
كان الراهب إبيفانيوس (وهو اللقب المحبب إلى قلبه حتى بعد رسامته أسقفاً للدير عام 2013) دءوباً فى حضور المؤتمرات والمنتديات العلمية، وحريصاً على المشاركات.. إما مستمعاً ودارساً، وإما باحثاً ومحاضراً. لكنه كان فى كل الأحوال هادئاً قليل الكلام، بسيطاً متواضعاً لأبعد الحدود.. ورغم هذا كان عملاقاً فكرياً يبهر من حوله بعمق آرائه وتحليلاته، وسعة اطلاعه وإلمامه الموسوعى بالعديد من المعارف.. وإتقانه لعدد من اللغات الحية والقديمة.
فى العام 2008 أيام د. زاهى حواس أمين عام المجلس الأعلى للآثار كنت طرفاً لفترة فى محاولة حل مشكلة تعرضت لها أراضى الدير الأثرية المحيطة به، فكان لى حظ أن تعرفت على الأنبا إبيفانيوس أكثر عن قرب ولمست كم المحبة والاحترام اللذين يتمتع بهما داخل ديره وخارجه.. وكنت كثيراً ما أمازحه هو أو بعض الرهبان من أصدقائى فى الدير أمثال الراهب «يوحنا المقاري» قائلاً: «أرجو أن تتذكروا: عندما تقررون يوماً ما أن تقبلوا رهباناً مسلمين فى الدير، سأكون أول المتقدمين.. شريطة أن تقبلوهم بزوجاتهم وأبنائهم».. فيضحك ويقول: «بدون أن تترهب يا دكتور، أهلا وسهلا بك فى أى وقت».
يرجع السبب فى ذلك لكون دير أبو مقار بالنسبة لى وللكثيرين حالة خاصة وسط الأديرة المصرية. فلقد ظل لفترة طويلة مغلقاً أمام الزوار على عكس باقى الأديرة، ولم يبدأ فى استقبال زائريه إلا منذ سنوات قليلة. كما أنه عبر تاريخه الطويل الممتد منذ القرن الرابع الميلادى لم يشهد طفرة تعميرية وروحية واسعة إلا بعد وصول الراهب متى المسكين إليه عام 1969.. فكتب له ميلاد جديد. بدأ هذا الدير تدريجياً على يد رئيسه الجديد يتخذ شكلاً متميزاً على المستوى الفكرى والروحاني، حتى أصبح أشبه بجامعة دينية يعكف غالبية رهبانه على البحث والدراسة ونشر المؤلفات المتعمقة، حتى صار بإنتاجه الفكرى يمثل تياراً متميزاً داخل الكنيسة المصرية.
ولأن هذا الدير احتفظ بروحانيات عالية، كان بالنسبة للكثيرين نموذجاً نقياً للرهبانية التى نشأت فى الأساس تاريخياً على أرض مصر قبل أن تنتقل منها للعالم المسيحى أجمع.
فى كل هذه الأجواء الروحانية النقية، ووسط خضم هذا الزخم الفكرى داخل الدير بدأت رهبنة الراهب إبيفانيوس المقارى عام 1984، تبلورت شخصيته وتشكلت أفكاره، وبدأ إنتاجه العلمى الغزير الذى نال به احترام الجميع فى فى مصر وخارجها.
تميز الأنبا إبيفانيوس أيضاً بشخصية محبة حنونة خالية من أى تعصب يتعامل بها مع الكل، مما مكنه من مد أواصر الصداقة والاحترام مع الجميع.. سواء من الطوائف المسيحية الأخرى  كالكاثوليك أو الإنجيليين أوحتى مع المسلمين. فأصبح هو العالم العلامة المتواضع المحب الذى يسعى كل من يعرفه إلى توطيد علاقته معه.
فجأة بدأت الأنظار تتجه نحو هذا الراهب عندما رسمه قداسة البابا تواضروس أسقفا ورئيساً لدير أبومقار عام 2013 بناء على اختيار زملائه له بالدير.. مما أكد لدى الجميع مقدار المحبة التى يتمتع بها وسطهم. كما اختاره البابا أيضاً بعدها مقرراً للجنة جديدة استحدثها اسمها «لجنة التراث القبطي» ضمت 15 أسقفاً.
وفى عام 2014 انضم كل من الأنبا إبيفانيوس والأنبا مقار (أحد أقطاب القبطيات فى مصر، ورسمه البابا أيضاً أسقفا على الشرقية والعاشر من رمضان فى عام 2013) لعضوية مجلس إدارة مركز الدراسات القبطية بمكتبة الإسكندرية الذى شرفت بتأسيسه وإدارته.. فكان انضمامها نقطة تحول مهمة فى تاريخ المركز.
كان المركز باعتباره أول مؤسسة حكومية فى مصر خارج نطاق الكنائس والأديرة تعنى بالدراسات القبطية يحمل شعار «الدراسات القبطية لكل المصريين»، لإزالة الانطباع الخاطئ أنها شأن مسيحى فقط لا يخص غيرهم. وفى الاجتماع الأول لمجلس إدارة المركز، والذى رأسه د. إسماعيل سراج الدين المدير الأسبق للمكتبة، تحدث الأنبا إبيفانيوس عن أهمية أن يخوض غير المسيحيين غمار الدراسات القبطية. ثم أضاف باسما: «إن اهتمام الدكتور لؤى كمسلم بالدراسات القبطية يثير تعجب بعض رهبان الدير وغيرهم من المسيحيين، ويتساءلون عن دوافعه لهذا».
أضاف الأسقف ما اعتبرته وساما تاريخياً على صدري: «إن الدراسات القبطية ما قبل إنشاء المركز شيء، وما بعد إنشائه شيء آخر تماما.. فقد تحققت بسببه طفرة فى السنوات الماضية لم نكن نحلم بها، وبسبب اتساع وتنوع أنشطته أعطى حافزا للكثيرين كأفراد ومؤسسات للخوض فى المجال والاهتمام به».. وهو ما أكد عليه أيضاً نيافة الأنبا مقار.
كانت المحبة التى جمعتنى بهما حتى فيما قبل رسامتهما أسقفين، وسعة أفقهما، وحرصهما الكبير على دعم أنشطة المركز المختلفة بالمشاركة والنصيحة المستمرة.
تزدحم فى رأسى عشرات القصص والمواقف الجميلة والإنسانية التى جمعتنى بهذا الراهب العالم المحب المتواضع، والتى ربما يحين يوماً ما وقت تجميعها وتسجيلها جميعاً. لكننى سأكتفى منها بواحدة على بساطتها لكنها ذات دلالة هامة.. فحين وافق هو والأنبا مقار على المشاركة العام الماضى فى التدريس فى دبلومة التراث العربى المسيحى كان تواضعاً كبيراً منهما. وكانت بالمناسبة أول وآخر مرة بالطبع يدرس بها، واقترح طلاب هذه الدفعة إطلاق اسمه عليها. فتلك الدبلومة الفريدة التى لا يوجد مثيل لها فى مصر تنظمها مكتبة الإسكندرية بالتعاون مع الكلية الإنجيلية بالعباسية، ويشرف عليها د. وجيه ميخائيل الإنجيلى وشخصى الضعيف المسلم، والأهم أنها تقبل كل الطلاب مسيحيين ومسلمين لأنها دبلومة تراثية متاحة لكل مهتم (حتى أن بعض طلابها أزهريون من أئمة المساجد).
وفى خلال الاستراحة التى تخللت إحدى محاضرات الأنبا إبيفانيوس كان طلاب الدبلومة قد أعدوا «غداء صياميا» لحلوله وقت صيام الأقباط، وعندما طلبت من بعضهن وهن مدام منى سعد التى أعدت الطعام، و د.إيرينى فوزى أن يقمن بإعداد طبق خاص لسيدنا ليشاركنا الغداء، أسرعت د. إيرينى بتقديمه إليه ممتلئاً بالمكرونة والخضروات وغيرها من الطعام الصيامي.. لكنه نظر إلينا بود شديد مستكثراً حجم ما قدم إليه.
أخذ الطبق ووضعه جانباً شاكراً اهتمامنا به، وما لبث أن قام بنفسه لمائدة الطعام وأخذ قرص طعمية واحدا ووضعه فى أقل من نصف رغيف قائلاً: هذا غدائى وكفى.. وسط دهشتى أنا والدكتورة إيريني. وطبعاً لم تفلح محاولاتى وإلحاحى الشديد فى تناول المزيد من الأكل الصيامي.
ظل اسم الأنبا إبيفانيوس مجهولاً لكثير من المصريين حتى صبيحة يوم الأحد ٢٩ يوليو ٢٠١٨، فغالبية المسيحيين والمسلمين لم يسمعوا عنه. وكثير ممن سمعوا اسمه لم يعرفوا عنه أكثر من كونه رئيس دير أبومقار الشهير. لكن فجأة، وبسبب النهاية المؤلمة التى انتهت بها حياته، أصبح محور اهتمام الجميع.
اكتشف الجميع فجأة أنهم أمام قامة استثنائية على المستوى الإنسانى والعلمى والكنسي. فمن سيل الكتابات التى تسابق أصحابها إلى سرد حكاياتهم معه تكشفت أمور خافية كثيرة، وتشكلت أمام الأعين صورة فريدة لم يكن معها يدرك كثيرون حجم هذه الشخصية وقيمتها.
 هو الإنسان البسيط المتواضع الذى يكره الأبهة والأضواء. فكان يحرص على الجلوس فى الصفوف الخلفية فى أى ندوة أو مؤتمر رافضا أن تقدم له الماطنيات (التحية الخاصة بالأسقف).. وحتى غطاء الرأس الخاص بالأساقفة كان لا يرتديه إلا فى اللقاءات الرسمية، ويفضل عليه غطاء الرأس الرهبانى البسيط الذى لا يميزه عن أى راهب عادي.
وهو العالم الباحث المتعمق الذى يجيد عدة لغات قديمة وحديثة ويتمتع بثقافة موسوعية واسعة، ولديه عشرات الأبحاث والكتب والترجمات العميقة، والتى أبهرت محافل العلماء فى مصر والعالم. كان رائداً بحق من رواد العقل وليس النقل، مجتهداً فى التفسير والتحليل متأثراً بانتمائه لجامعة دير أبو مقار التى أسسها أبوه وأستاذه الراحل القمص متى المسكين. وهو اللاهوتى المحدث المجدد، الذى يستلهم روح وفكر كتابات الآباء الأوائل بدون تكرار أو استنساخ.
وهو فى ذات الوقت الإنسان الحنون المحب الذى يصعب عليك أن تلتقيه ولو لمرة واحدة دون أن تستشعر انجذابك إليه من فرط محبته وصفاء سريرته، حتى وإن كنت مختلفاً معه فى الرأى أو العقيدة.
نعم.. لم يكن الأنبا إبيفانيوس نجماً إعلامياً، ولا شخصية مشهورة فى حياته. لكنه بالقطع يمثل علامة فارقة فى الفكر المصرى المعاصر، لأنه كان يحمل فى قلبه وعقله (الذى اغتالوه بتحطيمه) قضية ورسالة أفنى حياته من أجلها: حفظ التراث، ونشر العلم، وإشاعة المحبة والتسامح بين المصريين..
وداعاً صديقى الأسقف الحبيب الذى به سررت، علم المحبة الذى سقط، وأسطون العلم الذى هوى.. سأفتقدك كثيراً.. رحمة الله عليك.


بقلم رئيس التحرير

القاهرة.. موسكو
غالبًا.. عندما يتصدى «رجال الاستخبارات» للعمل السياسى بأنفسهم، فإن تحركات «رقعة الشطرنج» تسمح فى كثير من ..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
اسامة سلامة
إهدار مال عام
د. فاطمة سيد أحمد
المتأسلمون المستقلون.. أين هم؟
عاطف بشاى
رسالة الفنان عند «توفيق الحكيم»
د. رفعت سيد أحمد
أنا .. الشعب!
طارق مرسي
رسائل «أمينة» و«خريستو» فى مهرجان الإسكندرية السينمائى
حسين معوض
عولمة «شبرا بلولة»!
محمد مصطفي أبوشامة
حديث الإنسان عبد الفتاح السيسى
د. مني حلمي
الإذاعة المصرية لا تعترف برتيبة الحفنى!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF