بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

14 ديسمبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

كهف وادى النطرون!

1024 مشاهدة

4 اغسطس 2018
كتب : عبدالله رامي



جاءت واقعة قتل الأنبا إبيفانيوس رئيس دير الأنبا مقار، قبل أيام، أثناء استعداده لأداء صلاته الصباحية، لتلقى الضوء على منطقة شديدة الخصوصية فى المجتمع المصرى ظلت منذ نشأتها محاطة بسياج حديدى من السرية غير قابل للاختراق وهى حياة الرهبنة داخل الأديرة.
يبقى مجتمع الأديرة مبهمًا بالنسبة للكثيرين، يتصور البعض أنه «المدينة الفاضلة» التى انقطع أهلها عن شرور الدنيا ومتعها متفرغين للسماء حتى إذا جاء الطوفان ضمنوا النجاة بقلوبهم الصافية، لكن يغيب عن الكثير أنه أينما وجد الإنسان وجدت الخطيئة لا يمنعها من ملازمته حتى أسوار الدير، فالشر من نواميس الكون، من ظن أنه تطهر منه واهم.
الحقيقة أن حادثة مقتل الأنبا إبيفانيوس التى لم تزل ملابساتها قيد التحقيق حتى الآن لم تكن هى الأولى من نوعها، فقد سبقتها عدة حوادث قتل تعرض لها أساقفة بالكنيسة، غير أن القاسم المشترك بين كل تلك الحوادث أنها جميعا قيدت ضد مجهول.
فى عام 1945 قتل الأنبا ثاؤفيلس، مطران القدس والشرقية ومحافظات القناة، والذى رشح مرتين للكرسى البابوى، فى أرض دير الأنبا أنطونيوس بمنطقة «بوش»، بعد إصابته بطلق نارى.
كذلك كانت واقعة مقتل الأنبا مرقس، وهو أول أسقف مصرى لجنوب إفريقيا، والذى وجد مقتولًا بالرصاص داخل سيارته المسجلة باسم دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون، عام 1953، قبل وصوله للطريق العمومى الواصل بطريق الدير.
وفى عام1963 الأنبا يوأنس، مطران الجيزة والقليوبية وسكرتير المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الذى قتل بالسم حسب مراجع كنسية، إذ كان يستعد لحضور إكليل «زفاف»، وأصيب بـ«الكحة»، فأحضر له الشراب من غرفته وشربه قبل أن يشعر بهبوط فى الدورة الدموية ويتوفى بعدها بدقائق، وقيل إن «سمًا شديد الخطورة وضع فى زجاجة الدواء»، وطلب وقتها البابا كيرلس السادس من النيابة التحقيق، وتم تشريح الجثمان، إلا أنه لم يتم تحديد هوية المتهم.
وإذا كان الاختلاف فى وجهات النظر من السمات الملازمة للبشر، فإن هذا الاختلاف ربما يصل إلى حالة من الخلاف أو التنافس والصراع، لكن أن يصل الصراع على الدنيا بين رجال تخلصوا من حياتهم الدنيوية مع ارتداء زى الرهبنة إلى حد القتل وهو الخطيئة الأكبر فإن الأمر يستدعى وقفة جادة لفهم حقيقة ما يجرى.
قرر فائق زكة بولس أو الراهب «جاورجى المقارى» والذى ترك الرهبنة فى وقت سابق أن يحكى تجربته فى دير الأنبا مقار والتى استمرت أكثر من 10سنوات فى كتابه «اعترافات راهب مصرى» والذى صدرت طبعته الثانية قبل أيام من مقتل الأنبا إبيفانيوس.
ولمن لا يعلم فإن دير الأنبا مقار، يقع بوادى النطرون، والأنبا مقار هو تلميذ الأنبا أنطونيوس الكبير مؤسس الرهبنة القبطية، ويعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادى، كما اشتهر الراهب متى المسكين، الأب الروحى للدير فى العصر الحديث، ورهبان الدير بخلافهم فكريًا مع الكنيسة فى بعض الأمور اللاهوتية، وحدث صدام بين الدير والكنيسة فى عهد الراحل شنودة الثالث، وظل الصراع قائما حتى وقتنا هذا، بين التيار المحافظ أو الراديكاليين وبين المجددين، وهم أتباع الراهب متى المسكين.
تبلغ مساحة الدير الإجمالية حوالى 11.34 كم2 شاملة المزارع والمبانى التابعة، ويحتوى على 7 كنائس، وملحق بالدير متحف صغير ومشفى ومحطة لتوليد الكهرباء ومطبعة ومكتبة تضم مخطوطات نادرة، وهناك مساكن للعاملين بالدير بالإضافة لمساكن/قلايات الرهبان.
 يحكى زكة تجربته لا ليدلنا على طريق آخر للسماء لكن ليؤكد لنا على الأقل أن الرهبنة ليست الطريق الأمثل ولا حياة الدير هى الحلم الأفلاطونى على الأرض، يكشف لكل عاجز عن رؤية الحقيقة بعد أن الصلبان المعلقة والتقشف المزعوم لا يمنع الشر من دخول القلوب فالبشرى لا يستطيع تغيير صفاته.
بدأت قصة فائق زكة مع الرهبنة عندما أراد تحقيق حلم أمه القديم فى الالتحاق بالدير لكن الظروف لم تكن فى صالحها، فكان شوق أمه هو دافعه الأول وساعدت دروس الأحد التى حافظ على حضورها على زيادة رغبته فى الرهبنة خصوصا وأن الكنيسة تمجد الرهبان وتقدس عدم الزواج «البتولية» وتفضل أن الاعتزال فى الصحراء على العيش فى المجتمع، كان ذلك مناخًا مناسبًا لنضوج فكرة الرهبنة فى رأس زكة.
قرر حتى أن يترك الفتاة التى أحبها بعدما قرأ فى الإنجيل «فحسن للرجل ألا يمس امرأة» ليتبع المسيح رغم تحذيرات أحد القساوسة له من أن يسلك ذلك الطريق إلى الرهبنة باعتباره نوعًا من التطرف لكنه لم يأخذ كلامه على محمل الجد وقتها.
وأثناء تفكيره يقص عليه أحد الرهبان حلمًا خلال نومه فى أحد القطارات بأنه يطرق باب عتيق تغطيها الأتربة ليخرج عليه ملاك ويحذره من السير من هذا الطريق الصعب إلا أنه يصر على الدخول ويفسر له حلمه بأنه دليل على دخول الرهبنة الأصلية/ الطريق الأمثل إلى السماء!
يزيد حلم الراهب من وهج الفكرة فى عقل زكة وحزم حقائبه وخرج الجيش متجهًا إلى الدير مباشرة لينتقل من خدمته العسكرية إلى خدمته الدينية فى الدير.
كانت أيامه الأولى فى الدير قاسية فبعد أن كان فى الجيش يشعر بالانتماء لوطنه قام الدير بعزله حتى شعر كأنه منفى لا وطن ينتمى له، لكنه أصيب بصدمة كبيرة فى اختبار المتقدمين للرهبنة برفض أحد الشباب المتقدمين معه لأنه حاصل على تعليم متوسط ويظل يسأل الرهبان هل عبادة الله أصبحت بالشهادات؟! ليصرخ فى وجهه أحد رهبان الدير ممن لا يجيدون القراءة والكتابة! يهدده بأن يكف عن تلك الأسئلة التى تثير الشكوك فى الدير وإلا قام بطرده منه.
لم يكتف ذلك الراهب بتهديده فقط بل قدم تقريرًا سيئًا بشأنه للأب الروحى بالدير، لتتحول بعد ذلك بشاشة رهبان الدير فى وجهه إلى عبوس ويبلغه كل من فى الدير «أبونا الكبير زعلان منك»، على هذا المنوال تبدأ أيام زكة فى الرهبنة سالكًا طريقته الطويلة معتقدًا أن الله فى نهايتها.
ظهرت الرهبنة له فى بداية الأمر وكأنها عذراء جميلة تحيطها هالة من العفة والقداسة ليزيد شوقه بالاقتران بها ليفاجأ أنها على حد وصفه «امرأة عاهرة» لفت حوله ذراعيها وقامت بشل حركته.
يمضى فائق فى حديثه الصادم عن حياة الرهبنة قائلا: تتحدد مكانة الراهب فى الدير بقدر ما ينتج أو ما يجلب من نقود لا بالأخلاق أو المحبة بل بقوانين السوق فعلى سبيل المثال يكون للراهب المشرف على زًراعة البطيخ ورهبة فى أرجاء الدير فهو يشرف على 350 فدانًا من البطيخ، يتحول ثمن المنتجات المباعة من تلك الأفدنة إلى الدولار لتودع فى البنك فى حساب الدير حتى لو اضطر لوضع البطيخ الكبير على وجه السيارة والبطيخ الصغير تحته أثناء النقل ليبيعه بسعر أعلى باعتباره من نفس الحجم! مما يجعل راهب البطيخ من أعلى الرهبان مكانة فى الدير بعد الأب الروحى ويليه راهب الإنتاج الحيوانى وراهب الزيتون!
ليس غريبًا على ذلك المجتمع الرأسمالى أن يتعامل مع الفقراء بقسوة السوق الذى لا يعرف سوى لغة المال فى العرض والطلب فيحكى زكة أنه أثناء فترة عمله بوابًا للدير كان هناك مسيحى تقى على حد تعبيره ساهم فى دعم الدير بالكثير من الأموال أثناء مرحلة البناء وشراء معظم المعدات الموجودة به وبعد أن ضاق الحال بالرجل لجأ إلى الدير بعدما أصبح يملك الكثير لكن الأب الروحى تخلى عنه.
هذا ما حدث أيضًا مع النقاش الذى التحق بالدير وهو شاب صغير وعندما عرضت عليه فرصة للعمل فى الحكومة أوصاه الدير بتركها بوعد أنه سيدفع له راتبًا أعلى كما سيقوم بتأمين معيشته مدى الحياة فما كان من النقاش إلا أن أطاع الدير ليقضى بعدها 17 عامًا ويصاب بمرض خطير يجعله عاجزًا عن العمل فيلفظه الدير بل ويطرده الرهبان عندما يأتى لطلب المساعدة منهم.
لكن مهما حدث لا يمكن أن يتقبل العقل أن يُستخدم الشيطان فى مكان من المفترض أن كل من فيه تركوا شرور أنفسهم خارج أسواره، أما أن يستخدم الرهبان السحر داخل الدير هذا ما يدعو للدهشة، يحكى زكة أنه ذات مرة أثناء رفعه لمفرش الطاولة وجد ورقة غريبة مكتوبة بحبر أزرق وأحمر بتناسق تتصل فقراتها دون فواصل وعندما أخذ هذه الورقة للراهب الذى يعترف عنده سأله مازحًا «عملت إيه لأبونا فلان عشان يعمل فيك كده؟» وكأن الأمر مجرد مزحة عابرة!
لم تقف المهازل عن هذا الحد فقد كان الأب الروحى للدير الأول على كلية الصيدلة فى زمانه وكان شديد الذكاء وعندما تقدّم ليكون معيدًا بالكلية تم رفضه دون وجه حق وأثر ذلك فى نفسه كثيرًا لكنه حاول أن يعوض مكانته العلمية التى فقدها بأن اتجه إلى الرهبنة، ليصل إلى أعلى مكانة فى الدير.
 لكنه لم ينس ماحدث معه فى كلية الصيدلة وظل ينصب الفخاخ للمعيدين وأصحاب الدراسات العليا يحاورهم ليقنعهم بالرهبنة ويصور لهم جمالها بقدرته على الإقناع ليقعوا جميعًا فريسة سهلة له ليتركوا إنجازاتهم العلمية ويتجهوا إلى الرهبنة فيشعر بالانتصار عليهم عندما يكونون تحت قيادته.
تتكشف الأمور وتظهر السوءات فيفجع كل مجذوب فى مذهبه، وببساطة شديدة بعد كل هذه الروايات والأحداث يظهر بأن الأديرة ونظام الرهبنة ما هى إلا أحد أشكال السلطة الهرمية فى المجتمع العبرة فيها بكثرة الإنتاج ووفرة الأموال لكن ما يزيد الأمر سوء أنها تزيد على السلطة الرأسمالية أنها سلطة دينية أيضا مخالفتها تعنى مخالفة الله دون اكتراث حتى بالكتاب المقدس! «كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا، حقًا إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب»(إر8:8).
كان زكة يتعجب من الأب الروحى للدير إذ كان يردد دائمًا «إن الدير سفينة تغرق» لكنه لم يكن يأخذ أى خطوة لمنع ذلك الغرق بل يترك الدير فى أشد الظروف وقد تصل مدة غيابه عن الدير إلى السنة لا ليطلب الخلوة لكن هربًا من مشاكل الدير.
وأكثر ما كان يثير غضب الرهبان شعور الأب الروحى أنه ملهم من السماء فلا يجلس ليناقش أى مشكلة بل يطلق حكمه المزعوم أنه من الله رأسًا ويصيح فى الآخرين يتهمهم بالتقصير والخطأ.
وخلال أحد الحوارات القليلة بين زكه والأب الروحى فحكى له أنه فى بداية فترة التحاقه بالدير كان الرهبان من جهلهم يحرقون المخطوطات النادرة الموجودة فى المكتبة الدير ليستخدموها كوقود لصناعة الخبز.
لذلك يرى أن أكبر خسارة وقعت لمن اختار طريق الدير فقدانه الصلة بالله والسهر ومناجاته طوال الليل، إذ يصعب على الإنسان وسط كل هذه الصراعات أن يلتفت  للروحانيات.
وفى فترة رهبنة زكة بالدير حاول عدد من الرهبان الانتحار من سوء الأحوال، فمنهم من صعد إلى سطح خزان المياه الموجود بالحظيرة وألقى بنفسه لتمر الشهور ويعود بعدها قعيد على كرسى متحرك، وآخر شنق نفسه بحبل بعد أن اكتشف أمورًا  مستترة عن رأس من رؤوس الدير فنشبت بينهم الخلافات، وألقى ثالث نفسه من الدور الرابع ليصاب بعدها بشلل نصفى.
ذهب زكة بعد ذلك لدير الأنبا بيشوى لمدة شهرين ليجد النقيض تمامًا فضيق الحال والتقشف على الرهبان واقتصار الوجبات على الفول المدمس وعدم دخول المجلات والصحف والانقطاع عن العالم الخارجى تمامًا فى الدير الأول يقابله رفاهية ورغد العيش فى الدير الثانى تصل لبناء أحد الرهبان فيلا مكيفة ومجهزة بكل الكماليات داخل الدير ويشوى الرهبان الدجاج يوميًا، بل أطلق على دير الأنبا بيشوى «دير الشيكولاتة» لكثرة ما يأكله رهبانه منها.


بقلم رئيس التحرير

شيوخ وجواسيس أيضًا!
تقول الأسطورة الإغريقية؛ إن «ميديا» هامت عشقًا بأحد خصوم بلادها (جاسون).. ثُمَّ كان أن باعته أباها، وسلّمته [سرّ بلاد..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
محمد جمال الدين
لن تقتلوا فينا الأمل
اسامة سلامة
بورصة فستان رانيا يوسف
د. فاطمة سيد أحمد
«إيديكس» منصة للخبرات العسكرية.. ولكن
طارق مرسي
مهمة وطنية لـ«شيرين وصابر وتامر وجسار» فى رأس السنة الغنائية
عاطف بشاى
ثورة دينية من أجل التنوير
د. حسين عبد البصير
ألغاز موت ملوك الفراعنة!
حسين معوض
مفاتيح مدن الجيل الرابع
مصطفي عمار
هل يرفض نجوم الدراما رد الجميل للتليفزيون المصرى؟!
د. مني حلمي
السجادة الحمراء للممثلات.. والبلاط العارى للكاتبات

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF