بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

13 نوفمبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

12 ساعة مع «أبناء الرب»

590 مشاهدة

25 اغسطس 2018
كتب : فاطمة مرزوق



يروى أن يهوديًا سافر من «أورشليم» إلى «أريحا»، قطع مسافة 12 كم ممتدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، كان الطريق وكراً للصوص وقاطعى الطرق الذين يختبئون وينتظرون المسافرين حتى ينقضوا عليهم ويأخذوا ما لديهم، فى ذلك اليوم هاجم اللصوص هذا الرجل، فأخذوا ملابسه وضربوه ضربًا مبرحًا وتركوه يلفظ أنفاسه الأخيرة.
مر عليه كاهن ورآه جريحًا ثم تركه ومضى، ثم مر «لاوى» من رجال الدين فى ذات الطريق، تجنبه ومضى، حتى جاء رجل سامرى كان مسافراً على نفس الطريق، والشائع أن السامرى لا يساعد اليهودى بسبب التمييز العنصرى، لكن هفا قلب السامرى عندما رأى الرجل بين الحياة والموت، فداوى جراحه وقام بتنظيفها وتعقيمها وربطها، ثم حمله ووضعه على حماره وأخذه إلى نزل وأسكنه فى مكان مريح، وفى صباح اليوم التالى أخرج قطعتين من الفضة وأعطاهما لصاحب النزل وقال له: «اعتن به وإذا صرفت عليه أكثر فسأدفع لك المبلغ عندما أعود».
هذه القصة دائمًا ما يتناقلها المشاركون فى خدمة «السامرى الصالح» فى كنيسة العذراء بالمعادى وعددهم 25 من «خُدام الكنيسة»، يجوبون مناطق مختلفة، يساعدون الفقراء، يقصدون المستشفيات ودور الأيتام والمسنين.
«روزاليوسف» عايشت تجربتهم على مدار يوم كامل بداية من تحركهم من المعادى وحتى قرية «القلج» بالقليوبية.
من «المعادى» لـ «القلج»..
الرحلة لم تنته بعد..
الثامنة صباحًا، وقف الجميع أمام «كنيسة العذراء» بالمعادى، أعينهم مثقلة بالنوم لكنهم يقاومون، مضت دقائق قليلة ودبت حركة النشاط فى المكان، الجميع يد واحدة، يحملون «الكراتين» إلى السيارات التى سوف يستقلونها أثناء رحلتهم، بدا المشهد مبهجًا للوهلة الأولى فأبطاله نساء ورجال، شباب وكبار سن، يساعدون بعضهم بعضًا ويتقاسمون العمل سويًا.
تحركت السيارات الثلاث صوب قرية «القلج»، تحمل بداخلها «الخُدام» وبرفقتهم «الكراتين» التى سيقومون بتوزيعها على الأهالى، لم يكن الطريق مملاً فقد تحدثوا عن كواليس رحلاتهم فى بعض المناطق، حتى مر الوقت سريعًا ولم يشعروا به؟
«أمير سامى»، أحد خُدام الكنيسة، يعمل مهندس ديكور وانضم إلى الخدمة منذ 3 أعوام، يقول: «نذهب إلى منطقة مختلفة كل أسبوع، ولا نركز على محافظة واحدة فقط، فقد ذهبنا من قبل إلى العياط والمنيب والمنيا، وفى أيام أخرى نقوم بعمل ما يقرب من 350 وجبة مكونة من طعام وفاكهة للمشردين فى الشوارع ونعطيها إليهم».
«السامرى الصالح»، الاسم الذى تحمله خدمتهم، وهى نسبة لبلد السامرية أنشأ فيها «السامرى» ديرا لمساعدة جميع المحتاجين دون التطرق إلى أصلهم أو ديانتهم، وهذا دفعهم لأن يسيروا على دربه، مشيراً إلى أن هذه الخدمة موجودة فى كنائس كثيرة لكنها لا تحمل نفس الاسم: «الأسبوع الماضى زرنا منطقة المنشية وقمنا بعمل قافلة طبية تتألف من جميع التخصصات، وكان هناك إقبال كبير من الأهالى»..
تبدأ مهمة «الخُدام» بشراء السلع التى ستُقدم إلى المحتاجين، ثم يضعونها فى الكنيسة وفى اليوم التالى ينطلقون إلى المنطقة التى استقروا على الذهاب إليها.
لم يستغرق الطريق سوى ساعة ونصف، فالسيولة المرورية والطرقات الفارغة جعلتهم يصلون باكراً رغم بُعد المسافة، إنه صباح الجمعة والجميع ما زال غارقًا فى سبات عميق، وصلت السيارات إلى «كنيسة السيدة العذراء والشهيد أبانوب»، بمنطقة «منشية الجبل الأصفر» بالقلج، كانت مكتظة بالحضور، وتنبع من ثناياها أصوات طفولية انهمكت فى اللعب، اتجه الخُدام إلى غرفة بالطابق الأرضى فى الكنيسة ووضعوا بها «الكراتين» ثم أحضروا حقائب سوداء بلاستيكية وقاموا بتوزيع السلع عليها بالتساوى، لم يستغرق هذا العمل سوى دقائق قليلة، فحماسهم الدائم كان يدفعهم إلى الإنجاز السريع.
يضيف الرجل الأربعينى: «نحن تحت الطلب، إذا طلبتنا أى منطقة أو أى شخص نذهب، وهناك فرد من المنطقة يكون بمثابة دليل لنا نتحرك معه»، يتذكر «أمير» رحلتهم فى منطقة «الزرايب» بـ 15 مايو التابعة لحلوان قائلاً: «حياتهم عسيرة لا مياه ولا كهرباء ولا أى وسائل ترفيهية، يعيشون وسط 4 جدران فقط، وقد قمنا بعمل أسقف خشبية لبعض الأسر الفقيرة هناك لأنها كانت آيلة للسقوط، والمناطق التى ينتشر بها الفقر نضعها فى قائمة المناطق الثابتة معنا فنتردد عليها باستمرار لتقديم المساعدات مثل العياط والقلج و15 مايو والمنيا».
انتهى «الخُدام» من تجهيز الحقائب، اقتربت منهم ثلاثة «تروسيكلات» قادمة من فناء الكنيسة، تستعد لحملهم إلى منازل الأسر المدونة أسماؤهم فى الكشوفات، أسرعت «جوفانا جورج» مع رفيقيها يحملون الحقائب واحدة تلو الأخرى، ويضعونها على «التروسيكل» ولأن الطرق غير ممهدة هناك لم يتمكنوا من التنقل بالسيارات التى جاءوا فيها، لذا استأجروا 3 «تروسيكلات» كونها وسيلة التنقل المتاحة هناك.
تدرس «جوفانا» بكلية الهندسة وتقطن فى المعادى، انضمت إلى الخدمة منذ عام: «أعمارنا متباينة، فمنا خريجون ومنا طلبة وشباب وكبار سن، يمكن لأى حد الانضمام إلينا، تعلمت معنى العطاء، وإذا تراكمت علىّ المسئوليات أهتم بالنزول للخدمة وبعدها أجد كل الأمور على ما يُرام، وربنا يبارك فى الوقت، وننزل فى يومى الجمعة والسبت»، ما زالت بعض المواقف عالقة فى ذهن الفتاة العشرينية، تتذكر تلك العجوز المشلولة التى اقتربت منها فجأة وهم منهمكون فى توزيع المساعدات، وحكت لها مأساتها مع الحياة: «شعرت أن الله يُعلمنى درسًا من خلالها وكان فى كلامها رسائل كثيرة من الله وكأنه يتحدث إلىّ».
انطلق «التروسيكل» حاملاً 3 من الخُدام الشباب ومعهم المساعدات، ليستأنف أمير حديثه عن الخدمة مرة أخرى، قائلاً: «لنا زيارات فى مستشفى 57357، نحضر اللعب والهدايا للأطفال وفى مستشفيات أخرى نحضر لهم عصائر وشيكولاتة، كما نزور 3 من دور الأيتام فى طرة والمعادى وشبرا، ودار أيتام للمعاقين ودور مسنين، الناس هناك فى انتظار أى مبلغ أو هدية تشعرها بالسعادة، وإذا توافرت لنا إمكانيات نقدم مساعدات وإن لم تتوافر نكتفى بالهدايا واللعب».
أشياء كثيرة يطمح إليها «الخُدام» لتطوير عملهم، فقد تمنوا لو أحضروا العلاج لكل مريض يدخل قافلتهم الطبية: «كنا نتمنى إحضار العلاج وعمل التحاليل للمرضى، لكن وجدنا صعوبة شديدة، وهناك مناطق قمنا بزيارتها لا تتوافر بها أى مستشفى مثل 15 مايو، وتمنينا أن نقيم مشروعات صغيرة لتكون مصدر دخل دائم للمحتاجين لأن المساعدات تأخذ وقتها وتنفد، وبعض المساعدات تجعل الناس تتكاسل عن العمل وتعتمد عليها، لكن ضعف الإمكانيات لم يساعدنا على إقامة مشروعات لأحد».
مضت دقائق واستعد «التروسيكل» الثانى للرحيل، ثم تلاه الثالث ولم يتبق سوى بعض المساعدات التى خُصصت لـ «عزبة صلاح الدين»، التى استعد 4 من الخدام للذهاب إليها، «سامية عبدالملك»، واحدة من كبار السن المشاركين فى الخدمة، انضمت إليها منذ عامين، لديها 3 أبناء، تزوج منهم اثنان ويمكث معها الثالث، تقول: «أعمل موظفة بإدارة حلوان التعليمية وأشارك فى الخدمة كل أسبوع، ذهبت إلى طنان والعياط والبحيرة، أشعر دائمًا أن الله بجوارى ولا شىء يتعطل معى، وابتسامة الغلبان فى وجهى تشعرنى بحياة روحية أخرى».
اقتربت سيارة «سوزوكى» من الغرفة التى وضعت بها المساعدات، وسرعان ما نزل سائقها لمساعدة الخُدام الأربعة فى حمل الحقائب داخل السيارة، استعداداً للذهاب إلى كنيسة «العذراء للشهداء» بـ«عزبة صلاح الدين»، للالتقاء بالقس ومعرفة الأسر المحتاجة هناك، والتحدث عن مشاكل المنطقة لعلهم يهتدون إلى حل، أعوام كثيرة قضاها «الخُدام» فى رحاب «السامرى الصالح»، التقوا بجميع أنواع البشر، وباتت لهم قاعدة عريضة من الأصدقاء المقربين إليهم، يترددون عليهم من وقتٍ لآخر وكأنهم عائلة واحدة، يتشاركون الفُسح وأعياد الميلاد وجميع المناسبات، تعلموا دروسًا كثيرة منهم، فباتوا يشكرون الله فى السراء والضراء، ويحمدونه على كل ما يمتلكون.
«دعوات المحتاجين»..
هدية يسوع إلى الخُدام
مضت 20 دقيقة ودلفت السيارة أراضى عزبة «صلاح الدين»، وقفت أمام كنيسة «العذراء للشهداء» وسرعان ما خرج بعض المُشرفين للمساعدة فى نقل «الشنط» داخل الكنيسة، ثم توزيعها على أهالى المنطقة، تقع الكنيسة فى منتصف العزبة، تحيطها أراضٍ زراعية، وبيوت جديدة ما زالت فى مراحل البناء الأولى، وكان الهدوء يغطى المناخ العام فى العزبة، نظراً لقلة عدد سكانها.
اكتظّ مدخل الكنيسة بأطفال صغار وذويهم، وفى الطابق الأرضى استقرت القافلة الطبية التى جلس بها الأطباء منتظرين المرضى، كانت مكبرات الصوت حينها تغمر الشوارع بخطبة الجمعة، انتظر الخُدام حتى انتهاء الصلاة، ثم بدأوا جولتهم فى المنازل لمنح المساعدات للمحتاجين، كانت نقطة الانطلاق من منزل قريب من الكنيسة، تعيش به عائلة فقيرة من بينها زوجتان لرجل واحد وافته المنية منذ شهر، أنجب من الزوجة الأولى ولدًا وبنتًا ومن الثانية 3 بنات، لذا حرصت الكنيسة على تخصيص مبلغ شهرى يوزع بالتساوى على الزوجتين، ومنح كل واحدة منهما «شنطة» بها سلع غذائية.
تعيش الزوجتان فى شقة واحدة وتتقاسمان الطعام والشراب سويًا، تتذكر الزوجة الأولى يوم وفاة زوجها قائلة: «دخلت الغرفة أوقظه ليتناول العشاء فوجدته ميتًا، كانت سنه صغيرة ويعمل سائقًا على توك توك ولم يشكُ يومًا من أى تعب»، تلتقط منها الثانية أطراف الحديث قائلة: «ليس له معاش ولا أى دخل، الكنيسة تساعدنا بـ 100 جنيه كل شهر ونأخذ مساعدة من الجامع أيضًا والشنط التى يحضرها الخُدام لنا».
توالت جولات الخُدام على منازل العزبة، كان من بينهما منزل لرجل مريض يعمل سائق «توك توك»، لديه 37 عامًا، يقول: «كنت أحتاج إلى أشعة لأننى أضع شرائح ومسامير فى قدمى والمستشفى رفض أن يجريها على نفقته لأننى فقير وليس لدىّ مصدر دخل الآن وأسكن بالإيجار، ذهبت إلى الكنيسة وأعطونى 200 جنيه وقمت بإجراء الأشعة وفرحت كثيراً لأن ربنا فرجها».
استمرت جولة «الخُدام» فى منازل العزبة وهم فرحون، يستقبلهم الجميع بصدر رحب وابتسامة عريضة، يرسلون لهم الدعوات أثناء لقائهم ويستمرون فى ملاحقتهم بها حتى يغيبوا عن أنظارهم، ثم يدخلون إلى منازلهم مرة أخرى ويعودون إلى عزلتهم التى غالبًا ما تكون يوم الجمعة.
محمد عوض: وسيط الخير
بين الأهالى والكنيسة
تجمعه علاقات وطيدة بسكان العزبة، فقد أتاح له عمله بصفته «بقال» معرفة جميع القاطنين، كانت البداية منذ بناء كنيسة «العذراء للشهداء» منذ 3 أعوام، فكان أول المسلمين الحريصين على التواصل مع قس الكنيسة لمناقشة مشاكل المنطقة ومعرفة ظروف سكانها لتقديم العون لهم.
تولى «محمد» مهمة إخطار الكنيسة بالأسر التى تحتاج إلى مساعدة دون النظر إلى ديانتهم، فالكنيسة تفتح ذراعيها لكل محتاج، يقول: «العزبة مليئة بالأسر الفقيرة فأغلبهم هنا على باب الله، ليس لهم وظيفة والكنيسة تقدم المساعدات للحالات الصعبة منهم كتخصيص مبلغ شهرى أو شنط بها سلع غذائية يحضرها الخُدام كلما جاءوا»، لم يقتصر دور الرجل الأربعينى على أن يكون وسيط خير، فكان يدعو سكان العزبة مأدبة الإفطار الجماعى التى تقيمها الكنيسة فى شهر رمضان: «توزع الكنيسة كروت دعوة للإفطار الجماعى للمسلمين وكنت أشاركهم دائمًا».
تطوير عزبة «صلاح الدين»..
حلم يراود كنيسة «العذراء للشهداء»
انتهى الخُدام من عملهم فى نهاية اليوم، واتجهوا إلى الكنيسة لمقابلة القس «تادرس عبدالرشيد»، كان جالسًا فى مكتبه بالطابق الثانى، يستقبل الأطفال الصغار ويعطيهم «القربان» جلس الخُدام برفقته وبدأ الحديث حول مشاكل العزبة، يقول تادرس: «اكتشفنا أن مياه الشرب مختلطة بمياه المجارى، وحتى هذه اللحظة لم ندخل المياه إلى الكنيسة بسبب هذه الأزمة».
ويضيف: «كما أن وجود الرشاح بالمنطقة يسبب مشاكل كثيرة، ردموه فى القلج كلها وأوقفوا الردم عند مدخل العزبة، واقترحنا عمل صرف مغطى وأى شكوى نرسلها للجهات العليا تغضبهم، وأنا لا أريد الشكوى أنا ألتمس أن ينظروا للمنطقة ويحلوا مشاكلها»، لم تكمن مشاكل «الرشاح» فى إلحاق الضرر البيئى بالسكان فقط، فقد وجدوا منذ أسابيع جثة شاب وسط القمامة: «نريدهم أن يعاملونا كبشر، نريد أن نشرب مياهًا نظيفة هذه أبسط حقوقنا». 


بقلم رئيس التحرير

عودة المؤامرة!
كما للتاريخ أحكامه، فإن للتاريخ – أيضًا – إشاراته، ودلالاته.. تقول الحكاية: إنه خلال عصر الإصلاحات الأخير، فيما عُرف..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
رشاد كامل
ذكريات عبدالرحمن الشرقاوى التى لم يكتبها!
محمد جمال الدين
بائعة الخضار والمسئول!
اسامة سلامة
أين مفوضية القضاء على التمييز؟
د. فاطمة سيد أحمد
السيسى يصرف لنفسه (توجيه)
عاطف بشاى
الذين يملكون صكوك التفويض الإلهى
د. حسين عبد البصير
عندما استعادت البشرية ذاكرتها
طارق مرسي
حلوه يا بلدى
سمير راضي
جولة فى عقول الميادين!
حسين معوض
مصانع «أرض الخوف».. العتوة وتوابعها
مصطفي عمار
حرب الأجور المقدسة!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF