بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

17 اكتوبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

أبناء هيروشيما.. القمح مكان القنبلة

271 مشاهدة

25 اغسطس 2018
كتب : عماد عبد المقصود



«وداعا للحياة.. وداعا للحب.. وداعا لكل النساء.. لقد انتهى كل شىء الآن.. قد قُضى علينا للأبد بسبب هذه الحرب البغيضة.. لقد تمّت التضحية بنا»... هكذا كان يُردّد الجنود الفرنسيون أغنية الموت الحزينة قبل المواجهة المميتة فى إحدى المعارك مع الجنود الألمان على الجبهة المقابلة، والذين لم يكن حالهم أقلّ بؤسا وأسى بينما الحرب العالمية الأولى على أشدّها.

حماقة الحرب الناتجة عن غطرسة القادة وسعيهم للمجد الشخصي؛ حصدت ملايين الأرواح من الجنود والمدنيين وقضت على الزرع والحرث، وتركت جُرحا هائلا فى الوجدان.. لكن التاريخ بعدها لم يكن قد كتب كلمة النهاية بعد، وظلّ «عزرائيل» أيقونة الحرب متأهّبا لتكرار المأساة.
وما إن يوشك العقد الثانى بعد الحرب العالمية الأولى على الانتهاء حتى استيقظت البشرية فى السادس من أغسطس عام 1945 على إثر كابوس آخر، هذه المرّة أشدّ فتكا وغضبا، مع تفجير قنبلة ذريّة فى سماء هيروشيما اتّخذت اسم «الولد الصغير»!
صبيٌ صغير، كان أحد الناجين، فقد أباه وأمّه وشقيقتيه وأخاه الصغير بأثر الدمار الذى خلّفته القنبلة.. «ناكازاوا كيجى» الذى مات هو الآخر فى 2012 متأثّرا بالأمراض الناتجة عن القنبلة، كان هو ذلك الصبيّ، وقد شاهد بأمّ عينه ويلات الحرب وأثرها التدميرى الهائل والذى تسبّب فى محو عالمه بالكامل.
 كبر كيجى هذا ليُصبح رسّاما للكاريكاتير، ورهن فنّه منذ العام 1963 حتى 2009 لموضوعات الحرب والسلام. أنتج سلسلته التى ما لبثت أن ذاع صيتها وحقّقت نجاحا باهرا ومبيعات خياليّة.. فى عشرة أجزاء وبكل اللغات؛ قرأ العالم مغامرات «جنّ الحافى»، الرواية المصوّرة عن الخلاص والرقص فوق الخسائر، والمستوحاة من سيرة كاتبها ورسّامها الذاتية.
اليوم فقط؛ أُتيح لقرّاء العربية الاطلاع على هذه السلسلة، فى أجزائها الثلاثة الأولى، بترجمة سلسة للدكتور ماهر الشربينى، الذى حافظ على لغة عربية سليمة وبسيطة مع تضمينها إحالات من التراث اليابانى، وصدرت عن مركز المحروسة للنشر.
كتب المؤلّف بـ «الحافى» سيرة الحرب والقنبلة، وكل ما مرّ وعصف بوجدان طفل صغير، كانت أحلامه بريئة وضئيلة. نتعرّف فى السلسلة على صورة اليابان قبل وأثناء وبعد تفجير هيروشيما، والآثار الجسمانية والنفسية والعصبية والاجتماعية التى نجمت عنها.
حمل الصبى مأساته بصبرٍ وجلد. كبر قبل الأوان، وأخذ على عاتقه بعد ذلك توثيق هذه الحكاية الحزينة القويّة، وسجّل أحداثها وتفاصيلها فى تلك السلسلة عبر السرد المرسوم «الكوميكس» الذى اتّخذ شكلا مميزا للروح اليابانية فى رسم الأشخاص والتحريك والخلفيات «المانجا»، مبتعدا بقدر ما عن رصد الملامح الصفراء، المميّزة للوجه اليابانى.
الصور المرسومة والصور الذهنية كلتاهما مرعب. أجسادٌ مشوّهة ومنتفخة لموتى متفحّمين مُلقاة فى الطرق وتملأ مجرى النهر وتحت أنقاض ما تبقّى من البنايات، وأخرى لموتى أحياء يتحرّكون مُمدّدى الأذرع بملابس مُحترقة ولا تكاد تُميّز بين الشعر والرأس والجسم. يذوب الجلد مُنصهرا ومُتساقطا عن الجسم، يليه اللحم كاشفا عن العظام. الأطراف متيبّسة وبعض أحشاء البطن والأمعاء تتدلّى من جثث تسير وتبحث عن غوث بلا جدوى.
نقرأ عبر «جنّ الحافى» غضب كاتبها على القادة المنتفخين والعسكر الذين يُجيدون مداعبة الطموح الأحمق للإمبراطور. الرغبة التى لا تنتهى فى التوسّع والسيادة والتحكّم واسترقاق الآخرين.
الأبّ فى هذه السلسلة، شجاع ذو نبت طيّب، فلّاح يزرع القمح، ورسّام مثقّف متنوّر، قدوة أبنائه، ينتبه لزيف ادعاءات النخبة الحاكمة وشعارات الموت من أجل الوطن.. يعترض الأبّ على الحرب، اعتراض مثقّفٍ تضعه هذه الأجواء فى حالة تأهّب دائم، وفَقْد محصوله، وقلق على أبنائه.
أوهام الفداء والتضحية والموت فى سبيل الوطن، يراها الأب هكذا، الغرور الجامح للنخبة حفاظا على شرفها بدعوى الروح الوطنية وبلوغ جنّة الخُلد. ويجعلنا هذا الأب نسأل معه: «لماذا يحيا الوطن بموت أبنائه، ولا يحيا بحياتهم؟!».. تتطوّر الأحداث ويتلقّى الأب الشجاع صفعة قوية حين يُقرّر أكبر أبنائه «كوجى» الالتحاق بالجيش فى فرقة طيّارى البحرية اليابانية الانتحاريين والتى كانت تُدعى «كاميكازى»، لقد فعل الابن الأكبر ذلك حتى يُجنّب أسرته المزيد من الظلم الاجتماعى ويحصل على شرف الخدمة الوطنية فى آنٍ واحد.. فشلت كل محاولات الأب المستميتة فى إثناء ابنه عن قراره فيذهب مودّعا إيّاه بتلويحة تحيّة.
تُقرّر الحكومة إرسال طلبة المدارس والجامعات فى معسكرات للتدريب على القتال والعمل فى التصنيع الحربى لخدمة وضمان تزويد الجنود على الجبهة بالسلاح اللازم؛ فيسافر ابنه الثانى «أكيرا» مُكرها إلى المعسكر.
 يتبقّى بطلنا «جن» مع أخ أصغر «شنجى» وأخت كبرى «أيقو» إلى جوار أمّهِما الحنون التى تزرع المحبة والتراحم بنفوس أبنائها وتعمل على حماية ورعاية الإنسان بداخلهم فينعكس ذلك عليها عندما يشتدّ ساعد الأبناء وعلى وجه الخصوص الابن بطل الرواية «جن». الذى يبدو طوال صفحات السلسلة، جسورا مقداما محبّا للحياة.. ساخرا وشجاعا ومرحا بعض الشيء رغم الكوارث والخراب.
ناكازاوا كيجى، مؤلّف العمل، يُقرّر أن يستبقى فى الرواية الأم حاملا إلى جوار جن البطل، بينما هو فى الواقع خسر أسرته كلّها بعد إلقاء القنبلة. الأمّ ستكون ملهمة البطل وملاذه الآمن، وسببا منطقيا للكفاح والمغامرة فى محاولة العيش بعد الكارثة التى حلّت.
من هنا؛ هى قصّة، رغم الحرب ومشاهد الهلاك، مناسبة جدا للأطفال. يتحوّل الابن سريعا من طفل يلهو إلى رجل مسئول عن أسرة مكوّنة من أم وطفلة وليدة، سيكون جنّ لأخته كالأبّ، بينما أصلا سيكون هو من ساعد والدته فى ولادتها.
تمضى مشاهد الرواية فى أجزائها الثلاثة حتى الآن، ما بين جثة تيبّست وهى متعلّقة بعارضة معدنية داخل حافلة للركّاب، وأم أحضرت الخوخ الطازج لإطعام طفلها المتحلّل تقريبا تحت الأنقاض وحولهما الذباب الأزرق، وشابّة جميلة كانت تحلم يوما ما أن تكون الراقصة الأولى؛ تشوّه وجهها الآن وهى تبحث بيأس عن جثّة أمها بين الجثث المنتشرة والمطموسة الملامح فتفتح فكوكهم حتى تستطيع أن تميّز أمّها التى كانت تحمل ثلاثة أضراس محشوّة بالذهب.
يعود «جن» إلى ما تبقّى من رُكام بيته مُقرّرا التنقيب عن بقايا جثث إخوته وأبيه المحروقة. يعود بدلو يحمل جماجم أسرته فى إصرار على الحفاظ على ما تبقّى ومقاومة النسيان، يتذكّر جن كلمات أبيه «لا تبكى كن قويا واجتهد».
لا تتسبّب القنبلة فقط فى محو أفراد وأمكنة وعالم بأكمله فحسب، بل فى تدمير روابط اجتماعية وإنسانية كانت تميّز الشعب اليابانى.
فها هو الأخ المحافظ الأرستقراطى رب الأسرة يوصد باب غرفة نائية من بيته الكبير على أخيه المصاب بحروق خطيرة نجمت عن الانفجار رافضا الاستجابة لنداءاته المستغيثة بالعلاج والرعاية، ومانعا بناته من التواصل مع عمّهم المُصاب. وانتشر التمييز ضد الناجين من القنبلة وعزلهم اجتماعيا.
وسط ركام الجثث والمبانى، يُعلن الإمبراطور استسلام اليابان، لكن ما تقوله الرواية إنه هناك دائما على الرغم من الدمار الشديد ما يستحقّ أن نجتهد من أجله ونقاوم الفناء.
هكذا تنتهى الحرب، وتنتهى الرواية أخيرا ببزوغ نبتة صغيرة للقمح.


بقلم رئيس التحرير

القاهرة.. موسكو
غالبًا.. عندما يتصدى «رجال الاستخبارات» للعمل السياسى بأنفسهم، فإن تحركات «رقعة الشطرنج» تسمح فى كثير من ..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
اسامة سلامة
إهدار مال عام
د. فاطمة سيد أحمد
المتأسلمون المستقلون.. أين هم؟
عاطف بشاى
رسالة الفنان عند «توفيق الحكيم»
د. رفعت سيد أحمد
أنا .. الشعب!
طارق مرسي
رسائل «أمينة» و«خريستو» فى مهرجان الإسكندرية السينمائى
حسين معوض
عولمة «شبرا بلولة»!
محمد مصطفي أبوشامة
حديث الإنسان عبد الفتاح السيسى
د. مني حلمي
الإذاعة المصرية لا تعترف برتيبة الحفنى!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF