بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

17 اكتوبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

ما الذى يجمع بين نوال السعداوى وطه حسين؟!

344 مشاهدة

25 اغسطس 2018



ابتداءً من الرائدات فى أواخر القرن الـ19، لا يخلو المشهد الأدبى العربى من مشاركة الكاتبات، اللاتى يسجلن حكايات التاريخ من زواياهن، بعد أن استرجعن ما ضاع عبر العصور من التواريخ الخاصة بهن.. الكاتبة المصرية نوال السعداوى واحدة من حفيدات هؤلاء الرائدات، رغم أنها تبدو نغمة شاذة لما أثارته من الجدل الواسع، الذى فى الحقيقة يزيد على نصيبها العادل.

السعداوى التى ولدت فى مصر عام 1931، تخصصت بالطب وخاضت الحقل الأدبى بينما كانت تمارس الطب السريرى. الجدير بالذكر أن «الكاتب الطبيب» ليس بظاهرة نادرة فى مصر حينذاك، فكان الكاتب الشهير يوسف إدريس زميلا للسعداوى فى كلية الطب غير أنها تبدو المرأة الوحيدة فى صفوف «الكتاب الأطباء» فى مصر، فقد كانت من الطالبات القليلات للطب بالكلية. مقارنة مع غيره من الكتّاب، فإن القلم فى يد «الكاتب الطبيب» استمد قُوته المميزة من المشرط، الذى أتاح للكاتب خطابا طبيا مميزا يغذى لغته الأدبية.
للسبب نفسه تعثرت السعداوى فى خطواتها الأولى ككاتبة فتكذيب بعض التقاليد المتبعة والتطرق إلى المواضيع الحساسة دائما يجلب للمرأة مشاكل ومخاطر أكثر من ما يجلب للرجل. لكن لم تتعثر إلا وبعدها تقف من جديد، أكثر صمودا، وفى يدها القلم والمشرط.

أنثى ضد الأنوثة
يشكو النقاد «أو تشكو الناقدات، فى الحقيقة» من قلة البحوث الجادة فيها باللغة العربية، ويُرجعن السبب إلى قلة الاهتمام الجاد بها ككاتبة. يبدو أنه هناك ليس إلا كتاب واحد فيها وأعمالها باللغة العربية، وهذا الكتاب، بالأصح، لم يكن فيها قدر كونه عليها. من السهل أن نلاحظ ذلك فى العنوان، ألا وهو «أنثى ضد الأنوثة دراسة فى أدب نوال السعداوى على ضوء التحليل النفسى»، حيث استنتج كاتبه الأديب المفكر السورى جورج طرابيشى أن السعداوى قد تعرضت لـ«الاغتراب» وتركت بتلقاء نفسها هويتها كأنثى فكيف تدافع عن الأنثى وقد أصبحت ضد الأنوثة؟ بعد نشر هذا الكتاب فى عام 1984، ردت عليه مجموعة من الكاتبات اللاتى لم يوافقن على استنتاجاته. أما الخلاف بين الطرابيشى وهؤلاء الكاتبات فيَكْمُنُ فى اختلاف فهم الطرفين للأنوثة. حسب فهم الطرف الثانى، لم تترك السعداوى أنوثتها وإنما جددت تعريفها القديم.
لم يكن الطرابيشى مخطئا تماما عندما لاحظ رفض السعداوى لـ«هويتها كأنثى». حقا إن النصف الأول لروايتها الأولى «مذكرات طبيبة» «1957» مليء باستياء البطلة لكونها بنتا، فبالنسبة لها كونها بنتا لا يعنى إلا حدوديتها أو عجزها، خاصة مقارنة مع شقيقها الولد. هذه الحدودية التى تشعر بها بطلة السعداوى الشابة ذكّرت الناقدة اللبنانية الأمريكية فدوى مالطى دوجلاس بشعور البطل الصبى الكفيف فى «الأيام» «1929» لطه حسين. قد يبدو السعداوى وحسين لأول وهلة كاتبين مختلفين كل الاختلاف، لكن لا ينكر أن روايتيهما المذكورتين متشابهتان فى أشياء عدة:
أولا، تحكى كلتا الروايتين عن تجربة البطل/ البطلة من الطفولة إلى مطلع الـ30 من العمر وكلتاهما إبداع على أساس حياة الكاتب /الكاتبة الواقعية. ثانيا، تعرّف البطلان على حقيقة نفسيهما من خلال «ما لا يستطيعان وما لا يكونان» مقارنة مع الغير فالصبى الكفيف أدرك تدريجيا أنه لا يعرف ما يعرف إخوتُه الأصحاء وأنه لا يستطيع ما يستطيعون، بينما اندهشت البنت من أن شقيقها الولد لا يتقيد بنفس القيود الكثيرة المفروضة عليها هى، مما يعنى أن معرفتهما للنفس تشكلت عبر شعورهما بحدوديتهما أو بما يجعلهما مختلفين عن إخوته وشقيقها: العمى والأنوثة. فقالت الناقدة: «عمى البطل وأنوثة البطلة قد جمعاهما فى مصير مشترك، لأن هويتهما اتّضحت من خلال أحوالهما الجسدية، أو بالأصح محدوديتهما الجسدية».
لو كانت تلك النقاط المشتركة تدل على تشابه بين الأنوثة والعاهة الجسدية فى مجتمع بطريركى محافظ، فإن الفرق مزّق هذا التشابه الوهمى: من خلال دروس التشريح، تعرفت البطلة على هويتها من جديد وأدركت أن «حدوديتها» مقارنة مع شقيقها لم تكن إلا خرافة من السهل أن تكسر بالمشرط فى يدها، لكن حدودية الشاب الكفيف حقيقة لا تنكر مهما كانت منجزاته عظيمة. بتعبير آخر، الأنوثة ليس عاهة جسدية، إلا إذا تُرى من خلال عيون الثقافة البطريركية.
هناك نقطة مشتركة أخرى بين السعداوى وطه حسين خارج هاتين الروايتين: فى الطفولة كان كلاهما ضحية التقاليد الخرافية، فقد تعرضت السعداوى لختان البنات، بينما فقد طه حسين بصره بسبب علاج عشوائى من قبل حلاق ريفى. بعد أن كبرا، حاولا مواجهة ما أدى إلى مأساتهما وتخليص الأطفال والشباب من نفس المأزق، فقد قام طه حسين بإصلاحات لضمان حقوق الشباب المعوقين فى تلقى التعليم، بينما غامرت السعداوى بحياتها للحد من ختان البنات العملية البشعة.

«الرجولة» كاستعارة بليغة
تبقى الرجولة ذات مكانة خاصة فى النظام الرمزى البطريركى، بل وأصبحت استعارة بلاغية لدى الكتّاب. خذ الكتّاب العرب مثلا، ففى رواية «رجال فى الشمس» «1963»، صور الكاتب الفلسطينى غسان كنفانى «1936 - 1972» شخصية «أبو الخيزران» الذى أصيب بجرح خطير فى النصف الأسفل من جسده؛ وفى قصيدته «حتى فى الحرب»، التفت نجوان درويش  إلى «قسمى الأسفل حيث الوجع»، وعزّى «الجزء المفقود من جسدى». فلدى هؤلاء يدل فقدانُ الرجولة على فقدان ما يعتزّ به الشخص، مثل الهوية أو الشرف أو الانتماء.
تقبلت السعداوى هذه الاستعارة واستعملتها أول ما استعملت فى مسرحية «الحاكم بأمر الله» التى صدرت فى مطلع الستينيات. نظرا لأن السعداوى بدأت حياتها الأدبية فى أواخر الخمسينيات، تنتمى هذه المسرحية إلى أعمالها الباكرة. بينما تتسم معظم أعمالها الباكرة بواقعية واضحة بلغتها البسيطة الصريحة لحد يشبه الأدب الوثائقى، انفرد القليل منها برمزية كثيفة، كهذه المسرحية ورواية «الأغنية الدائرية» «1973»، اللتين تعتبران انطلاقة السعداوى من العلوم التجريبية إلى النظام الرمزى.
فلننظر أولا إلى المسرحية التى اتهمت بالافتراء على نظام الدولة حينذاك.. عندما نقرأها اليوم بعد نصف قرن من موعد إبداعها، نحس أن من اتهمها لم يكن مخطئا تماما: إذ كانت السعداوى تتحدّى ظاهرة الحكم الديكتاتورى نفسها بدلا من أى نظام ملموس فى العالم.
على كل حال، فى هذه المسرحية نرى السعداوى تتقبل «الرجولة كاستعارة» وتُجرّبها من خلال تعاملها مع النظام الرمزى لتفضح الخصاء الذهنى وتغريب الإنسان بسببه؛ أما فى رواية «الأغنية الدائرية» فنجدها تلاعب النظام الرمزى الذكورى بكل مهارة وجدارة، وهى تطرح تعريفا بنائيا للهوية الجندرية، من خلال اكتساب البطل لـ «رجولته» وفقدانه لها.
مثل سيمون دى بوفوار وجوديث بتلر، ترى السعداوى أن الهوية تتشكل وتتغير باستمرار، حقا إن جسد الإنسان يعتبر شرطا مهما لهويته فى بيئته الثقافية الاجتماعية، غير أن العوامل السياسية الاجتماعية أيضا تلعب أدوارها التى تزيد هوية الإنسان تعقيدا وسيولةً. ولتدل على هذا الرأى، يمكن القول إن المشرط فى يد السعداوى أفسح الطريق للقلم، حتى أبدعت «التوأمين المتطابقين» الولد والبنت، الأمر الذى يخالف المبادئ الطبية الأساسية.

الذكر والأنثى كتوأمَيْن متطابقَيْن
فى نهاية رواية «الأغنية الدائرية»، وجّه البطل سلاحه إلى أبيه، الذى أعطاه هذا السلاح وأمره بالقتل، وذلك بعد محاولات فاشلة عدة منه لينفّذ أمر أبيه. ولت هذا التصرف الجريء لحظاتٌ من فوضى عارمة، حيث انتابت البطل كوابيس كالتى اعترت شقيقته فى ليلة اغتصابها. عندما فتح عينيه من جديد، وجد نفسه طفلا بريئا فى قريتهم النائية حيث أكواخ من الطين، وسط أصحابه الأطفال، ومن بينهم شقيقته توأمته المتطابقة.
«حميدو» و«حميدة» عبارة عن نمط جديد للعلاقة بين الجنسين تطرحه الكاتبة من خلال إبداعها. بصحبتهما تتحدّى الكاتبة النمط التقليدى للعلاقة بين الجنسين حيث يحتل الذكر مكانة الأصل أو المحور فى النظام الرمزى، تاركا الأنثى فى مكانة ثانوية وعلى الهوامش. ينعكس هذا النمط التقليدى فى مجالات شتى للحياة الاجتماعية، وحتى القواعد اللغوية لا تخلو من تأثيره، ولهذا السبب، تدعو مجموعة من الكاتبات كالفرنسية هيلين سيسو إلى ابتكار أسلوب جديد لكتابة الكاتبة النسوية، نظرا لأن معظم اللغات مشبَّعة بالقيم الذكورية. لا شك أن السعداوى فى أثناء إبداعها طالما تسعى إلى إيجاد لغة خاصة بها، إلا أن اختراع لغة جديدة أمر غير براجماتى وغير معقول. لذلك نجد السعداوى تكتفى بتبديل «حميد» بـ«حميدو»— لو تغير النمط التقليدى للعلاقة بين الجنسين وأصبح الذكر والأنثى فى النظام الرمزى كـ«توأمين متطابقين» مثل حميدو وحميدة، فإن القواعد اللغوية التى تنعكس فيها الرؤية الذكورية لن تكون إلا مجرد «جرّة قلم».
إن نمط التوأمين المتطابقين لا يأتى إلا على أساس تجديد الفهم للهوية الجندرية.
من خلال طرح هذا النمط، يتم تفكيك النظام الرمزى البطريركى وبالتالى يتم تخليص الإنسان من ثقل هذا النظام بغض النظر عن جنسه.

 

بقلم الباحثة الصينية / واحة زيميو
 


بقلم رئيس التحرير

القاهرة.. موسكو
غالبًا.. عندما يتصدى «رجال الاستخبارات» للعمل السياسى بأنفسهم، فإن تحركات «رقعة الشطرنج» تسمح فى كثير من ..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
اسامة سلامة
إهدار مال عام
د. فاطمة سيد أحمد
المتأسلمون المستقلون.. أين هم؟
عاطف بشاى
رسالة الفنان عند «توفيق الحكيم»
د. رفعت سيد أحمد
أنا .. الشعب!
طارق مرسي
رسائل «أمينة» و«خريستو» فى مهرجان الإسكندرية السينمائى
حسين معوض
عولمة «شبرا بلولة»!
محمد مصطفي أبوشامة
حديث الإنسان عبد الفتاح السيسى
د. مني حلمي
الإذاعة المصرية لا تعترف برتيبة الحفنى!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF