بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

20 اكتوبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

كيف تحققت المفاجأة فى حرب الـ110 أيام؟

123 مشاهدة

6 اكتوبر 2018
كتب : د. فاطمة سيد أحمد



خمسة وأربعون عاما مرت على (حرب استرداد الأرض والكرامة)  وهذا ليس شعارًا ولكنه صفة تلك الحرب الوحيدة فى القرن العشرين التى قامت لهذه الأسباب العادلة، لأن ما سبقها من حروب عالمية كانت من أجل فرض نفوذ واستغلال ثروات وأطماع فى توسع، وأيضا الجولات الثلاث التى كانت بين العرب وإسرائيل فكانت حروبا سياسية تخللتها مناوشات عسكرية لقياس قوة الأطراف العربية وتلميح للقوى العظمى بإمكانياتها لفرض سيطرتها عبر إسرائيل.
وتعتبر حرب أكتوبر 73 هى الجولة الوحيدة بين مصر وإسرائيل التى تصنف فى الحروب العالمية بأنها عسكرية فى المقام الأول، لأنها شملت عدة معارك تم إدارتها على جبهتين متقابلتين بشكل تصادم مباشر وأنتجت دروسا مستفادة فى حرب الأسلحة المختلفة المشتركة وقدرات المقاتلين، ولذلك فان إلحاق هزيمة بإحدى الجبهتين لم يكن بالشيء الهين بل أعقبه تغيير فى موازين القوى وخلق استراتيجية عسكرية جديدة تضاف إلى القاموس العسكرى.
صارت حرب أكتوبر من الحروب القليلة التى يذكرها التاريخ بأنها مدرسة فى فن القتال والاشتباك، إنها حرب 110 أيام منها عشرة أيّام قتالًا عنيفًا ومكثفًا من 6 : 16 أكتوبر، أعقبها 100 يوم بدءًا من 17 : 25 يناير 74 تفاوض لوقف إطلاق النار، قامت خلالها مصر بحرب استنزاف ثانية غير معلنة للوصول إلى الهدف الذى تريد تحقيقه.
ظلت مصر طوال ست سنوات تعد لتحقيق هذا الهدف عبر أربع مراحل رئيسية بدأت بمرحلة (الصمود من يونية 67: أغسطس 68) وكان الهدف منها هو الالتزام بنوع من الهدوء لإتاحة الفرصة لإعادة البناء بعد رفع الأنقاض بأسرع ما يمكن إلى جانب تجهيز الدفاع عن جبهة القناة ومن أهم إنجازات تلك المرحلة إغراق المدمرة إيلات.
المرحلة الثانية (الدفاع النشط من سبتمبر 68 الى فبراير 69) وهى مرحلة اتسمت بالتراشق بالنيران لفترات طويلة وكثافة عالية وأثمر ذلك فى تقييد حرية العدو فى التحرك والمناورة والاستطلاع وتكبد العدو خسائر متزايدة فى الأفراد والأسلحة والمعدات، أما المرحلة الثالثة (الاستنزاف من مارس 69 إلى أغسطس 70 )، واستمرت المعارك الضارية حتى قبلت مصر مبادرة (روجرز) وزير خارجية أمريكا -وقتذاك- فصمتت النيران مرة أخرى ومن أهم أحداثها استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان حرب الجيش المصرى عندما كان يتفقد الوضع فى الصفوف الأمامية على الجبهة.
المرحلة الرابعة (مرحلة إيقاف النيران من أغسطس 70 إلى أكتوبر 73) وهى فترة استنزاف طائرات العدو وتمكن الدفاع الجوى من إصابة وتدمير 21 طائرة إسرائيلية خلال شهر واحد هو يوليو 70 مما كان له الأثر الأكبر فى قبول العدو لمبادرة روجرز بإيقاف إطلاق النار يوم 8 أغسطس 70 ومنذ ذلك التاريخ دخلت مصر مرحلة جديدة هى العمل والتجهيز لمعركة أكتوبر 73، والتى كان الهدف الأول لها هو إنهاء نظرية الأمن القومى الإسرائيلى القائم على الحدود الآمنة وحتمية الاحتفاظ بالمبادأة والقدرة على الردع وضرورة مواجهة العرب فرادى وضمان مؤازرة قوة عظمى كحليف موثوق بنجدته فى كل وقت.
المفاجأة والخداع وكيف خططنا لهما؟
كانت المفاجأة وأسلوب تحقيقها من أهم الأمور التى شغلت القيادة العامة المصرية لفترة طويلة واستنفدت جهودًا كثيرة حتى توصلت لابتكار أساليب تحقق هذه المفاجأة على المستوى الاستراتيجى والتعبوى والتكتيكى،  وكان من العوامل الرئيسية التى ساعدت على تحقيق المفاجأة وضع خطة محكمة شاملة للخداع الاستراتيجى على مستوى الدولة ككل تنظمها وتشترك فيها كل الأجهزة والمؤسسات، على أن تتمشى مع خطة الخداع العسكرى لتحقيق ما تهدف إليه من خداع العدو.
كان لتأمين عمليات الهجوم والعبور مجموعة إجراءات واسعة النطاق لتحقيق المفاجأة على جميع المستويات، حيث إن أى إحساس مبكّر لدى القيادة العسكرية الإسرائيلية بنية الهجوم المصرى سيترتب عليه الاستجابة السريعة للإنذار وتعبئة الاحتياط وشن ضربة إجهاضية مضادة خطيرة النتائج على القوات المصرية المهاجمة فى جبهة سيناء .
وقد أجريت تدريبات مفصلة ومتكررة للقوات المشتركة فى الهجوم بأماكن مشابهة لمسرح العمليات لاختبار الخطط الموضوعة وضمان كفاءة تنفيذها، كما صنعت أدوات وعربات صغيرة تدفع بالأيدى لنقل ما لا يستطيع الجندى حمله من الذخيرة والمعدات خلال صعود الحاجز الترابى فى المرحلة الأولى للهجوم والتقدم بها نحو العمق المحدد لرؤوس الجسور، وكان الاحتفاظ بالسرية الكاملة للعمليات الهجومية وإخفاء النية بذلك قائما على الاستمرار فى بناء خطوط الدفاع على الجبهة وفى العمق بحيث يبدو الجهد الرئيسى للجيش المصرى وكأنه منصب على الاستعداد للدفاع وليس الهجوم.
تم تحريك قوات فى اتجاهات مختلفة وتحركات عرضية وعكسية من وإلى الجبهة مع التغيير المستمر فى حجم وأوضاع القوات، واستغرق ذلك أربعة شهور  حتى تم تجميع القوات التى ستقوم بالهجوم على مجموعات صغيرة حتى لا تلفت النظر ثم دفع القوات الرئيسية من العمق الى الجبهة قبل ثلاثة أسابيع من بدء الهجوم تحت ستار القيام بأعمال هندسية لإجراء مناورة كبرى بالأسلحة المشتركة .
بدأ القتال الفعلى أثناء المرحلة الأخيرة من هذه المناورة وتم إعداد حفر وملاجئ للجسور والمعدات التى ستستخدم فى العبور وقطع المدفعية والآليات المختلفة بحيث تصل فى آخر وقت ممكن إلى الجبهة وتخبأ فورا تحت شباك تمويه مع الإبقاء على مظاهر الحياة والحركة اليومية العادية للقوات على ضفة القناة الغربية حتى لحظة بدء القصف الجوى والمدفعى.
لإخفاء التوقيت المحدد لبدء الحرب تم حصر المعلومات المتعلقة بخطط الهجوم وتوقيته فى أضيق نطاق ممكن وتأخير نشرها لآخر وقت ممكن أيضا للحفاظ على سرية العملية الهجومية (بدر)، بحيث يسير العمل من مستوى إلى مستوى أدنى تدريجيا ووفق جدول زمنى محدد كما اقتصر التخطيط فى كل مستوى على مجموعة معينة ومحدودة من ضباط القيادة ومنع تداول وثائق الخطط لغير هذه المجموعة.
تم اتخاذ بعض إجراءات الخداع الإعلامية والدبلوماسية قبل بدء الحرب بـ 6 شهور، منها إلقاء بعض التصريحات التى تنفى استعدادنا العسكرى للقيام بأى أعمال قتالية قريبة كما جرى تسريح دفعة من المجندين عددهم 20 ألف جندى قبل بدء العمليات بـ48 ساعة.
لماذا شهر أكتوبر؟
أجريت دراسات حول اختيار أنسب التوقيتات باليوم والشهر لتنفيذ العملية الهجومية ولما لها من أهمية كبرى ليس فقط لتحقيق المفاجأة، ولكن لاختيار أنسب ظروف الأرصاد الجوية والأحوال الجو - مائية والهيدروجرافية التى تساعد أعمال العبور وتؤمن القتال البحرى والجوى،  وعليه كان اختيار شهر أكتوبر.
كانت إسرائيل تستعد لإجراء انتخابات الكنيست فى 28 منه، علاوة على ازدحام هذا الشهر بالأعياد الإسرائيلية والدينية مثل (عيد الغفران وعيد المظال وعيد التوراة)، علاوة على هذا فليل أكتوبر طويل يصل الظلام فيه لحوالى 12 ساعة والطقس يكون صالحا فى الجبهتين لتنفيذ أعمال قتالية واسعة، أما يوم السادس من أكتوبر فيوافق السبت الذى تتوقف الحياة فى إسرائيل فضلا عن كونه عطلة نهاية الأسبوع.
تم اختيار ساعة الصفر لتكون قبل آخر ضوء بثلاث ساعات ونصف حتى يتم خلالها إنجاز أعمال توجيه الضربة الجوية وتنفيذ التمهيد للنيران بالمدفعية خلال أربع قصفات مركزة بحوالى 2000 مدفع ولمدة حوالى ساعة، وتحريك الكبارى من مناطق تجمعها الخلفية إلى الضفة الغربية للقناة وبدء إسقاطها فى المياه وفتح الممرات فى الساتر الترابى باستخدام مضخات المياه بوحدات المهندسين وإبرار قوات الصاعقة فى عمق العدو قبل آخر ضوء مباشرة.
دلالات المفاجأة على إسرائيل والمجتمع الدولى
كانت محصلة الخدعة أن تم إحداث تغيير جذرى وفورى فى ميزان القوى العسكرى بالمنطقة وخلق موقف استراتيجى جديد خلال الساعات الأولى من القتال ونتج شل وإرباك القيادة العسكرية الإسرائيلية على جميع المستويات ومنعها من العمل السريع أو التصرف السليم أو رد الفعل الفورى مع تكبيد القوات الإسرائيلية خسائر فادحة فى القوى البشرية والأسلحة والمعدات.
وفق ما أعلنه البنتاجون يوم 29 أكتوبر فإن الخسائر الأولية لإسرائيل تقدر بحوالى ألف دبابة و200 طائرة و10 آلاف قتيل وجريح، أما جريدة «لو ماتينيه» الفرنسية فقالت فى عددها يوم 17 أكتوبر، إن الأحداث الخطيرة التى تجرى الآن فى الشرق الأوسط توجه ضربة قاتلة لنظرية (الحدود الآمنة) الإسرائيلية، وعندما طرحت وكالة رويتزر تساؤلا يتردد فى تل أبيب عن ما الذى حدث وأين الخطأ؟  كان لدى المصريين الإجابة بأنه بعد حرب 67 ومرور ست سنوات على الاحتلال للأراضى المصرية والتقليل المبالغ فيه من قبل إسرائيل لقدرات المصريين القتالية وأن تفكير القيادة السياسية فى مصر لشن حرب هجومية على إسرائيل محدود للغاية ولقد أدى هذا الاعتقاد الخاطئ إلى تعطيل العقول الإسرائيلية العسكرية والسياسية .
ويذكر (حاييم هيرزوج)  وهو من قادة إسرائيل فى حرب 67 فى كتابه الصادر عام 75 بعنوان (حرب التعويض - القصة الداخلية لحرب أكتوبر 73) فى الساعة الرابعة من صباح السبت 6 أكتوبر 73 وصلت معلومات من مصادر موثوق بها تفيد بأن إسرائيل ستواجه حربا على جبهتين خلال ساعات، وسارع الفريق ديفيد إليعازر  رئيس هيئة الأركان العامة الإسرائيلية بالاتصال بموشيه ديان وطلب منه التعبئة العامة وتوجيه ضربة جوية على الفور إلا أن دايان رفض الشق الثانى من مطلب إليعازر، متعللا بأن المجتمع الدولى لن يقبل هجوما إسرائيليا ثانيا خلال ست سنوات، وأمر بتعبئة 50 ألفًا من القوات وذهب إليعازر ليطالب رئيس الوزراء جولدا مائير بنفس الطلب ورفضت هى الأخرى الضربة الجوية ولكنها أمرت برفع حجم التعبئة إلى 100 ألف.
وفى مقال كتبه العقيد (موشيه لسيم) عن ذكرياته عن الحرب يقول: جاءت حرب يوم كيبوريم وتحطمت معظم الأساطير واليوم وبنظرة للخلف حول تحليلات كمية التحذيرات الكثيرة التى وصلت إلى إسرائيل. حول إمكانية نشوب حرب قريبة وتحدثت الصحف أكثر من 1000 مرة عن تنبيهات لذلك ولكن المخابرات الحربية والأركان العامة والقيادة السياسية والتى كانت تتمثل فى جولدا مائير وموشيه دايان كانوا جالسين متخيلين أن هذا لن يحدث واليوم نقشعر تجاه كل ماحدث ونحن نتذكر تلك الحرب الملعونة.
لقد حققت خطة الخداع الهدف منها خاصة لدى المخابرات المركزية الأمريكية وأيضًا الإسرائيلية، ولذلك فوجئ العالم بالهجوم المصرى المباغت، ولقد حاول المتحدثون العسكريون الإسرائيليون تعليل ماحدث بقولهم (أنهم رأوْا ولكنهم لم يفهموا) وبرروا الفشل بأن إسرائيل كانت تعلم ولكنها تركت مصر توجه الضربة الأولى وهذه الأقوال مردود عليها فقبول الضربة الأولى يتعارض تماما مع الاستراتيجية الإسرائيلية التى تقوم على ضرورة السبق فى توجيه الضربة الأولى كتدبير وقائى.
وإذا كان ما سبق هو إحساس الإسرائيليين عن عنصرى المفاجأة والخداع، إلا أن تحقيق الهدف الأعلى فى تحطيم حصانة بارليف وأسطورة الجيش الذى لا يقهر كانت أفدح، وما إن اندلعت الشرارة الأولى لحرب أكتوبر حتى كانت مجموعات الصاعقة تعبر بقواربها المطاطية مياه القناة على طول امتدادها من بورسعيد شمالا إلى السويس جنوبا لتشكل طلائع الزحف الذى كان له شرف رفع أول مجموعة إعلام فوق هضبة سيناء.
لماذا لجنة القاضى (شمعون إجرانات)؟
كان وقع الهزيمة ثقيلا على إسرائيل وأشعل بين طوائفها وأحزابها الأحقاد فانطلقت تكيل لبعضها أفظع الشتائم وأحط الاتهامات، واستفحل الأمر حتى غزى صفوف المؤسسة العسكرية إذ راح جنرالات إسرائيل يغمزون ويلمزون لبعضهم وتطايرت بينهم أخطر الاتهامات، فأسرعت رئاسة الأركان العامة تصدر أمرا قاطعا لهم جميعا بالتزام الصمت بعد هذا الصخب المحرج وإلا فسوف توقع عليهم أقسى الجزاءات.
جاءت لحظة الحساب وعندما صدرت قرارات لجنه تقصى الحقائق برئاسة القاضى (شمعون إجرانات) انكشفت هزيمة إسرائيل بكل أبعادها، وتساءل العالم فى دهشة أين ما زعمت إسرائيل من تخلف العرب الحضارى والفجوة التكنولوجية التى لا تمكن العرب للتصدى من إسرائيل حتى نهاية القرن الحادى والعشرين، وأجاب الخبراء العسكريون فى أنحاء العالم، لقد كان ذلك وهما صنعته إسرائيل لتنشر أمنا زائفا وتأكد كل شعب إسرائيل أن أخطر شيء أن يعيش فى خدعة من صنع يديه.. أنهم مازالوا حتى حتى الآن يتجادلون فى هذا الأمر وتخرج الحجج الواهية والتبريرات فلا تقنع أحدًا  لأن الأسطورة تحطمت وانتهى الأمر.


بقلم رئيس التحرير

القاهرة.. موسكو
غالبًا.. عندما يتصدى «رجال الاستخبارات» للعمل السياسى بأنفسهم، فإن تحركات «رقعة الشطرنج» تسمح فى كثير من ..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
اسامة سلامة
إهدار مال عام
د. فاطمة سيد أحمد
المتأسلمون المستقلون.. أين هم؟
عاطف بشاى
رسالة الفنان عند «توفيق الحكيم»
د. رفعت سيد أحمد
أنا .. الشعب!
طارق مرسي
رسائل «أمينة» و«خريستو» فى مهرجان الإسكندرية السينمائى
حسين معوض
عولمة «شبرا بلولة»!
محمد مصطفي أبوشامة
حديث الإنسان عبد الفتاح السيسى
د. مني حلمي
الإذاعة المصرية لا تعترف برتيبة الحفنى!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF