بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

13 نوفمبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

الانتصار السينمائى للشر!

264 مشاهدة

13 اكتوبر 2018
كتب : أحمد قاسم



تستيقظ صباحًا.. بعد أن تودّع زوجتك الحامل ثم تتجهز للذهاب لعملك.. فى البنك.. المدرسة.. فرن العيش.. وقبل حلول منتصف الليل تتحول إلى أخطر إرهابى يهدد دولة تعداد سكانها أكثر من 100 مليون شخص!
سيناريو مثل هذا يجعلنا نتساءل بنظرة أعمق عن بديهيات ومسَلّمات لطالما آمنا بها من دون تفنيد فى جميع مراحل حيواتنا المختلفة، عن ثنائية الخير/ الشر، وعن جانبنا المظلم، وعن إرادتنا الحرة أيضًا، فتكثر التساؤلات والاستدلالات والفرضيات وتقِلّ معها الإجابات واليقينيات.
 ويبقى ذاك السيناريو قائمًا يلوح لنا قريبًا للغاية.. هل ما يفصلنا عن ارتكاب فِعل شرير يوم واحد سيئ؟ هذا الفعل الشرير لن يكون ذاتيّا بل جمعيّا.. قتل الأبرياء.. ترويع الآمنين.. بلطجة.. إرهاب... تحرّش.. اغتصاب.. هل جميعنا «طينة» خصبة للشر؟ وهل فعلاً كره الشر شىء حتمى بالضرورة إن كان بنو البشر يحبون الخير؟
على مدار الأسبوع الماضى، عجّت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى،  المحلى منها والعالمى،  بصورٍ ومقاطع فيديو تظهر لأول مرّة للممثل الأمريكى «خواكين فينكس» وهو منخرط فى تأدية أشهر شرير عرفته الثقافة السينمائية الحداثية.. المهرج سيئ السمعة وأمير الجريمة.. أو كما يحب أن يطلق على نفسه ببساطة.. «الجوكر».
كان محبو وعشاق السينما فى جميع أنحاء العالم يترقبون أى أخبار تتعلق بالفيلم الجديد الذى أعلنت عنه شركة «وارنر برازرز» العملاقة، وقررت ببساطة تسميته Joker الفيلم الذى ولأول مرّة سيجعل من شرٍ محضٍ بطلاً له، الذى من ضمن طاقمه العظيم «روبرت دى نيرو» والذى أيضًا سيخرجه شخص لم يعتد الناس على رؤية بصمته على هذا النوع من الأفلام؛ المخرج «تود فيلبس» والخبير فى صناعة أعمال كوميدية عظيمة مثل ثلاثية The Hangover.
والآن عادت للجماهير حالة «نوستالجيا» ذكّرتهم بتلك التى عاشوها فى صيف 2006 حتى صيف2008 حينما أمطر المخرج البريطانى «كريستوفر نولان» وسائل الإعلام بصور تشويقية لشخصية «الجوكر»، التى أداها العبقرى الراحل «هيث ليدجر» فى رائعة The Dark Knight، بَيْدَ أنّ «وارنر برازرز» أعلنت منذ شهور أن فيلم «فينكس» لن تكون له أدنى علاقة بعالم «دى.سى» السينمائى،  وهو العالم الذى خرجت من رحمه أفلام مثل Man of steel» و«Batman V superman» و«Justice League» و«Wonder Woman»..
جميعها أفلام لاقت استياءً شديدًا بين عشاق السينما والقصص المصورة «الكوميكس» بشكل خاص، خصوصًا بعد طرح فيلم Suicide Squad الذى تجرّأ فيه الممثل «جارد ليتو» على تقديم «الجوكر» بعد «ليدجر» متحديًا بذلك تحذيرات الجمهور، وفشل فشلاً ذريعًا سواء من ناحية الأداء أو النص.
هذا الأمْرُ يطرح تساؤلاً مُلحّا.. لِمَ قررت «وارنر» التى تملك شركة «دى.سى» أن تصنع فيلمًا استثنائيّا بهذه الدرجة عن «الجوكر» فى الوقت الذى تسعى فيه جاهدة لخوض حرب «شباك تذاكر» مع غريمها التقليدى شركة «مارفل» صاحبة النجاحات الساحقة بأفلام مثل «Avengers»، هل رضخت الشركة لتوسلات الجمهور أخيرًا وقررت إعادة أمجاد «كريستوفر نولان» الذى كان له الفضل فى تأسيس مدرسة «الظلامية الواقعية» فى هوليوود؟ ولماذا تعشق الجماهير شخصية شريرة؟ ولِمَ هذه الشخصية بالذات؟
أيضًا.. مزيدٌ من التساؤلات وقليلٌ من الإجابات.. لكن لنسأل «الجوكر» هذه المرّة وندعه يجيب بنفسه!
الولادة
فى 25 أبريل عام 1940 وبَعد أيام من احتلال «هتلر» للدنمارك والنرويج، قررت دار النشر الأمريكية الناشئة «دى.سى»، طرح عدد جديد من سلسلة كبيرة للقصص المصورة بعنوان «Detective Comics»..  العدد كان بعنوان «Batman #1» بطله شاب من عائلة عريقة يُدعى «بروس وين» شهد مقتل والديه أمام ناظريه وقرر أن يحارب الجريمة وأن يتخذ من الوطواط رمزًا له.
فى قصة «Batman #1»  يواجه الوطواط الشاب قاتلًا متسلسلًا يستخدم غاز أعصاب مع ضحاياه قبل قتلهم ويترك ورقة «كوتشينة» تحمل اسم الجوكر.. ظهر هكذا فجأة من دون مقدمات لا نعرف له أصلاً أو فصلاً، ليس له أى ماضٍ أو Back story  ومنذ تلك اللحظة حتى الآن، أصبح الاثنان عدوّين لدودَين لبعضهما، ومنذ ذلك الحين دخل الفنانون الشبان الثلاثة «بوب كين» و«جيرى روبنسون» و«بيل فنجر» فى حرب قضائية على حقوق مِلكية تلك الشخصية، كلُ ادّعى أنه صاحب الفكرة، ولم يكن هذا ليحدث لولا النجاح الذى حققه هذا العدد، وجميع الأعداد التى لحقته خاصة فى العصر الذهبى للـ«كوميكس».. عقد الخمسينيات، ولولا أيضًا قرار «وارنر» الحكيم رفض فكرة «فنجر» بقتل «الجوكر» فى العدد الأول.
وبعيدًا عن ذلك، يرجع الفضل فى ظهور الشخصية إلى «فنجر» الذى استلهم شخصية المهرج من شخصية الرجل الضاحك الذى أداها الممثل الراحل «كونارد فيدت» بفيلم The Man Who Laughs إنتاج عام 1928  المقتبس بدوره من رواية بالاسم نفسه للعظيم الفرنسى «فيكتور هيوجو».
فى أحد الحوارات التليفزيونية يقول «روبنسون» إنه أراد أن يتفادى خلق غريم كلاسيكى لـ«باتمان»، بحيث يتمكن الأخير التخلص منه بسهولة، كما أنه رأى أن من الأفضل الإفصاح عن ماضى «الجوكر» لإضفاء مزيد من الغموض عن شخصيته.
وفى 1951 قرر «فنجر» صياغة أو Back story  لشخصية المهرج القاتل، ولكنها كانت أحادية البُعد، ذلك أنه ركز فقط على السبب الذى جعل وجهه يتزين بتلك الابتسامة العريضة، وهو أنه وقع فى حوض ملىء بالمواد الكيماوية سببت له تشوهات فى وجهه وفى عقله أيضًا، إذ أصبح بعدها مجنونًا تمامًا.
فى عام 1988 جاء شاب شاعر وكاتب يُدعى «آلان مور»، الذى أصبح فيما بعد «فيلسوف الكوميكس»، وأفضل من كتبها، بقصة جديدة للـ«جوكر» استلهمها من قصة «فنجر» الأصلية ونشرها فى «كوميك» بعنوان The Killing Joke، وأخذت «ثيمة» ظلامية لم يعهدها مجتمع «الكوميكس» من قبل، ليصبح هذا العدد الظلامى حتى الوقت الراهن أفضل قصة أصيلة لماضى الجوكر، وهى التى تم اعتمادها عُرفًا سواء من قِبَل فنانى «الكوميكس» أو السينمائيين أو حتى الجماهير، وهى التى تُعتبر العامود الفقرى لفيلم «خواكين» المنتظر.
وتسرد القصة ببساطة حكاية رجل ساذج - ليس له اسم - يعانى من وطأة الفقر هو وزوجته الحامل ويعمل «مونولوجيست» فاشلًا سأم الناس من نكاته، ولما أثقلت الديون كاهله اضطر إلى الاشتراك مع اثنين مجرمين فى عملية سرقة معمل كيماويات، ولحسن حظه ماتت زوجته وعرف «الوطواط» بهذا الأمر وقرر التدخل وهرب الاثنان ولم يبق سوى بطلنا وحده ليقع فى حوض الكيماوى ويخرج منه «الجوكر».
كانت هذه القصة هى أيضًا القصة الرئيسية التى استند عليها المخرج «تيم بيرتون» فى أول فيلم روائى عن «باتمان» عام 1989 الذى ظهر فيه معه أيضًا «الجوكر» والذى أداه ببراعة المخضرم «جاك نيكلسون»، وظلت الشخصية منحصرة فقط على القصص المصورة وأفلام «الأنمى» المقتبسة عنها حتى جاء «نولان» و«ليدجر» وغيّرا كل شىء، ليعود «الجوكر» من جديد متربعًا على عرش أفضل الأشرار فى السينما على الإطلاق، ومن دون مبالغة. هكذا تكلم الجوكر.
فى عددThe Killing Joke يطرح «مور» سؤال واحد: «هل يفصلنا على الشر يوم سيئ؟»، فالـ«مونولوجيست» الساخر قد يكون أنت أو أنا أو جميعنا فى أى وقت، فلا هو يحمل سمات القاتل المتسلسل أو يمتلك أى محفزات سيكولوجية تجعله إرهابيّا فى زى مهرج.. شخص طبيعى تمامًا، وهى الأرضية التى انطلق منها «نولان» فى فيلمه، الذى حرص عبرها على عدم عرض أى ماضٍ له فى السيناريو سوى ذاك الذى يحكيه «ليدجر» بنفسه فى مشهدين قال فيهما قصتين مختلفتين تمامًا جعلته ما هو عليه، الأولى سببها أبوه والثانية زوجته، وبالتأكيد كلتا القصتين مزيفة لأنه راوٍ غير موثوق فيه.
لا يتعارض «نولان» مع ما قاله «روبنسون» وهو أن الغموض أحد أسرار جاذبية «الجوكر»، وهو بالفعل ما حصل، لكن مع ذلك نرى أن «الجوكر» هو الذى انتصر فى النهاية على بطل الفيلم، وهو أمر غريب حتى بالنسبة لمعايير عالم «الكوميكس» والأبطال الخارقين، فلماذا شر «نولان» انتصر على خيره؟
الإجابة بسيطة جدّا، فـ«نولان» لم يفعل أى شىء سوى أنه أتى بأزميل وأصقل «الجوكر» ليرينا أقصى ما يستطيع فعله، شخصية «الجوكر» فى ذاتها مجرد فكرة تمامًا كـ«باتمان»، ولذلك كان هناك على مدار تاريخ «الكوميكس» أكثر من «جوكر» مثلما كان هناك أكثر من «باتمان»، كلاهما فكرة.
الأمر الثانى  هو أن هدفه ليس تقليديّا لا يريد هزيمة البطل، نراه وهو يصب البنزين على أكثر من نصف مليار دولار ويحرقها ببساطة، نراه وهو يقتل نفسه فى قصص عديدة، نراه وهو يضحك بشكل هيستيرى بينما يسقط إلى حتفه من دور شاهق.
هدف «الجوكر» ببساطة وصفه «ألفريد» خادم «بروس» الأمين ذات مرّة حينما قال: «بعض الأشخاص لا يمكن التفاوض معهم أو مسايرتهم أو حتى النقاش معهم بعقلانية.. بعض الأشخاص يريدون رؤية العالم محترقًا، إنه و«باتمان» يتصارعان على الهدف نفسه.. المجتمع، قالها «ليدجر» فى آخر مشهد له: «توقعت أنى سأضيع فرصة التنافس على المدينة من أجل قتال بالأيدى معك؟».
صحيح أن الخصم يجب أن يكون قويّا لأنه كلما استفحلت قوته، أصبح الصراع الذى يواجه البطل صعبًا، والقوة هنا ليست بمفهومها السُّلطوى بل الأخلاقى.
«الطريقة الوحيدة المعقولة للعيش فى هذا العالم هى ألا تعيش من دون قوانين» قالها «الجوكر» مرّة بينما «باتمان» يبرحه ضربًا، هذا الرجل يرى أن وجود أى توجه مجتمعى للإصلاح هو نوع من أنواع الشذوذ.وبدلا من أن يقوم «الجوكر» بأفعال «شريرة» شأنه شأن الغرماء الكلاسيكيين، نراه وقد فكك ماهية الخير والشر ودمرها تمامًا سواء فى السياق الدرامى أو لنا كمشاهدين، وهو بالضبط ما فعله فى المشهد الختامى لـThe Dark Knight  حينما جاء بسفينتين أعطى لركاب كل واحدة ريموتًا لتفجير الأخرى.. إنها معضلة أخلاقية!
«الجوكر» ليس غريمًا كلاسيكيّا سواء من المنطلق الأدبى أو السينمائى،  يحبه الناس لأنه يمثل جانبهم المظلم، إنه ببساطة شديدة هذا الجانب ولكن بصورة تجريدية للغاية.. يفعل ما لا يجرؤ أحد فينا فعله، وهذا ما يجعله مرعبًا حتى أكثر من أعتى الوحوش، عندما ندرك أننا قد نصبح مثله بعد يوم سيئ للغاية.


بقلم رئيس التحرير

عودة المؤامرة!
كما للتاريخ أحكامه، فإن للتاريخ – أيضًا – إشاراته، ودلالاته.. تقول الحكاية: إنه خلال عصر الإصلاحات الأخير، فيما عُرف..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
رشاد كامل
ذكريات عبدالرحمن الشرقاوى التى لم يكتبها!
محمد جمال الدين
بائعة الخضار والمسئول!
اسامة سلامة
أين مفوضية القضاء على التمييز؟
د. فاطمة سيد أحمد
السيسى يصرف لنفسه (توجيه)
عاطف بشاى
الذين يملكون صكوك التفويض الإلهى
د. حسين عبد البصير
عندما استعادت البشرية ذاكرتها
طارق مرسي
حلوه يا بلدى
سمير راضي
جولة فى عقول الميادين!
حسين معوض
مصانع «أرض الخوف».. العتوة وتوابعها
مصطفي عمار
حرب الأجور المقدسة!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF