بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

13 نوفمبر 2018

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

مايكل مور v.s ترامب

122 مشاهدة

27 اكتوبر 2018
كتب : أحمد قاسم




فى 19 نوفمبر عام 1998 ظهر إمبراطور العقارات وأشهر رجل أعمال فى العالم ونجل مؤسس نيويورك «فريد ترامب» فى برنامج «روزان» التليفزيونى الشهير، وهو يرتدى بذته الكحلية الأنيقة راسمًا على وجهه ابتسامته المتحفظة المعتادة بينما ينظر باستهتار إلى الرجل رث الثياب الجالس بجانبه الذى يبدو كأنما خرج لتوّه من شجار بحافلة مزدحمة.. يحدق بذهول وبلاهة طفل إلى المذيعة التى لم تخبره من قبل أنها سوف تستضيف عدوه اللدود.
لكن المذيعة «روزان بار»-وبذكاء شديد-حاولت كسر الجليد بينهما بأن قالت لـ«ترامب» إن الجالس على يمينه هو مخرج أفلام وثائقية ممتاز يُدعى «مايكل مور» ويحظى بسخط شديد من قِبَل عمالقة الرأسمالية بمدينة فلينت فى ولاية ميتشجان- مسقط رأسه- حينما أجرى حوارًا فى أول أفلامه «روجر وأنا» مع «روجر سميث» صاحب شركة السيارات العملاقة «جنرال موتورز»، وجعله يعترف بشكل صريح أنه مستعد لتسريح أكثر من 30 ألف عامل فى سبيل إنقاذ شركته من الإفلاس.
فى تلك اللحظة كان «ترامب» يتنفس الصعداء شاعرًا أن القدر قد منحه فرصة جديدة بعد ضائقته المالية الشهيرة التى أعلن على إثرها إفلاسه مرتين وبعد أن أنقذه أبوه بقروض خيالية قبل أن توافيه المنية العام 1999، فنراه يبتسم بصدق لـ«روزان» ويطلب من «مور» ألا يصنع فيلمًا عنه ذات يوم، لينخرط الثلاثة فى نوبة ضحك شديدة.
لم يكن فى مخيلة «مور»، الذى كان آنذاك لا يزال مخرجًا صاعدًا رُغم سِنّه التى جاوزت الـ44 عامًا، أن يصنع فيلمًا وثائقيّا  عن «ترامب» بَيْدَ أن الأخير لم يكن ليرقى أن يكون مادة لأحد أفلام «مور» حتى إن كانت شخصيته غريبة ومثارًا للجدل والسخرية كسائر عهدنا بها.
ومع ذلك، تحولت المزحة إلى حقيقة بعد أن تغيرت ظروف كلا طرفيها بشكل دراماتيكى، فـ«ترامب» أصبح رئيسًا لأقوى دولة فى العالم، و«مور» يحظى بلقب أفضل مخرج أفلام وثائقية فى العالم، وهكذا استحال كابوس «ترامب» إلى حقيقة عندما انطلقت فعاليات الدورة الـ46 من مهرجان «تورنتو» السينمائى فى سبتمبر الماضى، حيث أزاح «مور» الستار عن أحدث أعماله: فيلم وثائقى جديد بعنوان «فهرنهايت 9/11».
 الحضور فى المهرجان شعروا بأن «مور» يمزح معهم كعادته غير مدركين أن عنوان الفيلم الجديد ليس نفس عنوان رائعته وأشهر فيلم وثائقى سياسى فى تاريخ السينما الذى حقق أرقامًا قياسية لم يصل إليها أى فيلم من تلك النوعية حتى الآن «فهرنهايت 11/9»، لكنه «فهرنهايت 9/11»، بيد أن «مور» تعمد تغيير الرقمين 9 و11، ليوافق عنوان الفيلم الجديد تاريخ تنصيب «ترامب» رئيسًا للولايات المتحدة رسميّا، يوم 9 سبتمبر 2016.
إن «مور» أنتج « فهرنهايت 11/9»، عام 2004 وفضح فيه إدارة الرئيس الأسبق «جورج بوش» وسياسته فى الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر، وذلك بطريقته الروائية الفريدة التى يجمع فيها بين الفيلم الروائى الطويل والوثائقى، فنراه تارة يركز فى مشهد عظيم على أسارير «بوش» وهو يستمع إلى أحد مستشاريه هامسًا فى أذنه بأن البلاد تتعرض لهجوم بينما يجلس فى حضانة أطفال.
ونراه تارة أخرى يسرد كواليس وصول «بوش» إلى سدة الحكم بالتزوير وبفضل جهود «روجر ستون» الذى يشتهر بأنه «ميكيافلى العصر الحديث»، وأول من ابتكر فكرة شركات اللوبى، mالذى كان أحد المتورطين فى فضيحة «ووترجيت»، وأحد مهندسى الحملات الانتخابية لكل من «ريتشارد نيكسون» و«رونالد ريجان» و«ترامب».
وهو أيضًا الذى أوعز لـ«ترامب» بفكرة الترشح لرئاسة الولايات المتحدة فى ثمانينيات القرن الماضى، إلا أن الأخير ظل يرفض، حتى نجح فى أن يجعله مرشحًا رئاسيّا فى انتخابات 2000 مستغلا إياه كـ«دمية سياسية» لحصد أكبر نسبة أصوات ممكنة لـ«بوش» وذلك عن طريق التشهير بسمعة حزب الإصلاح، الذى كان يمثله « بات بوكانان»، وهى فضيحة سياسية لا تزال شهيرة حتى الآن.
لم يذكر «مور» هذا الأمر فى الفيلم الجديد رغم أنه أجرى فيه حوارًا مع «ستون»، ومع ذلك فى «فهرنهايت 11/9» نراه قد فتح النار على طريقة  تغطية وسائل الإعلام الإخبارية للانتخابات وكيف زيفت شبكة «فوكس نيوز» النتيجة النهائية من خلال مستشارها الإعلامى «جون بريسكوت إليس»- ابن خالة «بوش»-، هذا ناهيك عن أن «جيب بوش» شقيق «بوش» كان آنذاك عمدة  فلوريدا، وهى ولاية حاسمة من ناحية الأصوات.
كان هذا الفيلم بمثابة شرارة حقيقية أشعلت نيران الجدل والغضب فى الولايات المتحدة، لكن «مور» نفسه ومنذ فيلمه الثورى « بولينج لكولومباين» الذى حصل على جائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقى العام 2002، أصبح بمثابة عدو لدود لجهاز الدولة الأيديولوجى «هوليوود»، التى لم تكن لا تزال حتى الآن ترى أن مجاراة سياسة الحكم تجارة شديدة الربح وتجذب أكبر عدد ممكن من الجمهور.
ولهذا أثار «مور»- اليسارى العتيد- سخط ممثلى ومنتجى «هوليوود» أثناء تسلمه جائزة الأوسكار عندما أطلق وابلاً من الانتقادات لـ«بوش» متهمًا إياه بأنه مجرم حرب وسرعان ما هتف معظم الحضور ساخطين على أفكاره لدرجة أجبرت منظمى الحفل على قطع الصوت عن «مور» وتشغيل الموسيقى الخاصة بالفواصل فى الخلفية إلى أن غادر المسرح.
منذ إعلان «ترامب» ترشحه رسميّا فى انتخابات 2016 ودخوله البيت الأبيض يناير 2017،  تعيش الولايات المتحدة حقبة جديدة لم تعهدها من قبل، وصفها «مور» فى فيلمه «مايكل مور فى ترامبلاند» إنتاج العام 2016، بأنها تدخل ضمن أسوأ 4 فترات فى تاريخ الولايات المتحدة، الأولى هى الحرب الأهلية، الثانية هى إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناجازاكى، والثالثة هى تفجير البرجين، والرابعة هى فوز «ترامب» فى الانتخابات، بَيْدَ أن «مور» يرى فى «ترامب» المهرّج والأبله والفاشى والمجنون والنرجسى، وهى أشبه بالعبارات التى كتبها على بوستر الفيلم الرسمى، وهى أربع عبارات تحت عنوان الفيلم.. «طاغية.. كذاب.. عنصرى.. كل ذلك فى شخص واحد».
ولهذا كان على «مور» أن يصنع عنه فيلمًا خاصّا يُعتبر بمثابة جزء تكميلى لـ«فهرنهايت 11/9» واضعًا بذلك «بوش» و«ترامب» فى سلة واحدة.
يركز «مور» فى فيلمه الجديد على المشهد الانتخابى العام فى 2016، وسقوط المرشحين المنافسين لـ«ترامب» أمثال «جيب بوش» و«تيد كروز» و«بيرنى ساندرز» و«ماركو روبيو»، وإعلان «هيلارى كلينتون» رسميّا بالترشح، ليقتصر الماراثون الانتخابى فقط عليها أمام «ترامب».
ويرى «مور» أن «هتلر» يشبه «ترامب» فى نواح عديدة، وليس العكس، فكلاهما ينتمى لليمين المتطرف، وكما تبنت النازية شعار «ألمانيا فوق الجميع» ورأت أن الجنس الآرى أفضل من جميع أجناس الأرض، فـ«الترامبوية» رفعوا شعار الشعبوية و«أمريكا أولاً» وتعضد من فكرة وجوب منع المسلمين والمهاجرين من دخول الأراضى الأمريكية،  وخطاب متطرف يبثه النازيون الجدد ودعاة تفوق العِرق الأبيض، هذا ناهيك عن رأى «ترامب» الشخصى فى قضايا عديدة أخرى مثل الإجهاض والمثلية الجنسية وتصريحاته ضد السود والأقليات، فضلا عن قراراته على شاكلة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وفى نبرة تهكم شديدة، اعتبر الفيلم أن «ترامب» لم يكن ليدخل البيت الأبيض لولا نجمة البوب العالمية «جوين ستيفانى»، إذ أن «ترامب» أعلن ترشحه للرئاسة فقط  لأنه شعر أن شعبيتها تفوقت على شعبية البرنامج الذى كان يقدمه على شاشة «إن.بى.سى» بعنوان «المتدرب».
يعتبر الفيلم الجديد أن شريحة كبيرة من الناخبين الأمريكيين ذهبت إلى صناديق الاقتراع فى الانتخابات وأعطت صوتها لـ«ترامب» فقط ليثبتوا أنهم يستطيعون الانتخاب، وهو تمامًا ما حدث إبان الأزمة الاقتصادية الشهيرة فى إيسلندا التى أسفرت عن انتخاب الممثل الكوميدى «يون جنار» عمدةً لبلدية ريكيافيك، فالناخبون أعطوه صوتهم فقط نكاية فى «السياسيين الكلاسيكيين وحيتان البنوك» الذين عصفوا باقتصاد البلاد.
الأمر نفسه حصل مع الممثل والمصارع المغمور «جيس فنتورا» الذى أصبح الحاكم الـ38 لولاية مينيسوتا فى عقد التسعينيات، وهو ما يصفه «مور» بأنه «تهكم عملى» من سكان الولاية على النظام السياسى العقيم وليس غباءً منهم، معتبرًا أن هذا النمط حدث بالضبط مع «ترامب» ولكن على نطاق أوسع.
فى كتابه «رجال بيض أغبياء»، يقول «مور» إن الانتخابات فى الولايات المتحدة تقوم بشكل رئيسى على خدعة الخيارات، إذ إن الناخب الأميركى يقف أمام اختيار مرشح من أحد الحزبين، الجمهورى أو الديمقراطى، بينما تسيطر جريدتان فقط على المشهد الإعلامى فى أغلب المدن الأمريكية، وهما «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، الأمر نفسه يسرى على القنوات الإعلامية الخمس الرئيسية: «سى.إن.إن» و«فوكس نيوز» و«آيه.بى.سى» و«سى.بى.إس» و«إن.بى.سى».
ولذلك يرى بعض النقاد أن توقيت صدور الفيلم يُعتبر قرارًا ذكيّا من «مور»، فالولايات المتحدة ستشهد الشهر المقبل انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، وهى انتخابات حاسمة للغاية للمعسكر الجمهورى الذى يسعى للاحتفاظ بأغلبية مجلسَى الشيوخ والنواب، و«ترامب» الذى يريد دعم الجمهوريين فى الفترة الحالية، وإذا قرر الترشح لانتخابات 2020.
الفيلم الجديد حصد إشادات نقدية واسعة والبعض اعتبره أحد أفضل أفلام «مور» على الإطلاق وأن رسالته بسيطة للغاية، كرر فيها المخرج المخضرم الـ«ثيمة» الاجتماعية الموجودة فى كل أفلامه، منتقدًا ما سمّاه «الوضع الشمولى» الذى استعبد الإنسان - أو المواطن الأمريكية - ضمن منظومة الرأس المالية وإدارة «ترامب».
وينظر «مور» إلى الرأس المالية على أنها فيروس اجتماعى يهدد الوظائف ويقضى على الطبقة المتوسطة ويقلل من حجم العمل الحر، وأن النظام الاقتصادى ليس جوهر كل تلك الأمور، فالرأسمالية تضفى صفة الشرعية على الجشع، الذى يُعتبر جزءًا لا يتجزأ من طبيعتنا كبشر.>


بقلم رئيس التحرير

عودة المؤامرة!
كما للتاريخ أحكامه، فإن للتاريخ – أيضًا – إشاراته، ودلالاته.. تقول الحكاية: إنه خلال عصر الإصلاحات الأخير، فيما عُرف..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
رشاد كامل
ذكريات عبدالرحمن الشرقاوى التى لم يكتبها!
محمد جمال الدين
بائعة الخضار والمسئول!
اسامة سلامة
أين مفوضية القضاء على التمييز؟
د. فاطمة سيد أحمد
السيسى يصرف لنفسه (توجيه)
عاطف بشاى
الذين يملكون صكوك التفويض الإلهى
د. حسين عبد البصير
عندما استعادت البشرية ذاكرتها
طارق مرسي
حلوه يا بلدى
سمير راضي
جولة فى عقول الميادين!
حسين معوض
مصانع «أرض الخوف».. العتوة وتوابعها
مصطفي عمار
حرب الأجور المقدسة!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF