بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

21 يناير 2019

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

الحوار الأخير لـ ناديـة صـالح

495 مشاهدة

17 نوفمبر 2018
كتب : هبة محمد علي



نصف ساعة سمح لى بها القدر للحديث عبر الهاتف مع الإعلامية نادية صالح تمهيدًا للقاء لم يتم – بكل أسف- فى منزلها بالدقى، سبق تلك المكالمة لقاء عابر قبل حوالى عام ونصف العام، وتحديدًا فى حفل تأبين الإعلامية الراحلة صفاء حجازى، الذى أُقيم فى ماسبيرو، وألقت به نادية صالح كلمة مؤثرة، تحمل كل معانى الوفاء، والإنسانية، وهو ما شجعنى يومها على الحديث معها، فى محاولة لاقتناص بضع دقائق بقربها، لم تخف خلال تلك الدقائق غضبها من غياب بعض الإعلاميين، كانت تظن أنها ستراهم جالسين فى الصفوف الأولى من حفل التأبين، لكنه لم يحدث، خاصة أن الرئيس الفلسطينى قد أرسل وفدًا رفيع المستوى لحضور الحفل، بينما لم يهتم مسئولون متواجدون داخل مبنى الإذاعة والتليفزيون بحضوره !

العودة لهذه المكالمة المسجلة بعد أن غيّبها القدر عن عالمنا له وقع مختلف -أبيت أن أستأثر به لنفسى- وبه من الدروس، والعبر، لا يمكن إغفالها، من خلال حكايات شخصية جدًا، عن طفولتها، وعن شبابها، وعن حواراتها مع العظماء فى كل مجال من خلال عدة برامج قدمتها، لعل أشهرها برنامج «زيارة لمكتبة فلان»، وعن حبها للعمل، الذى لم يقف بلوغها سن المعاش فى عام 2000 عائقًا أمامه، حيث واصلت العمل أمام الميكروفون 15 عامًا إضافية، ليصبح إجمالى سنوات عملها فى رحاب الإذاعة  أربعين عامًا، من الصدق، والمهنية، كما تحدثت أيضًا عن قيمة الوفاء الذى ندُر فى هذا الزمان، والذى يبدو أنها كانت تستشرف من خلال حديثها عنه جانبًا من مستقبل تراه حتى بعد رحيلها، حيث غاب عن تشييع جثمانها، وعزائها، نجوم فى الإعلام لم تكن لتغب عنهم يومًا فى حياتها.
الحديث كان أقرب إلى دردشة بين جيلين، فرق الخبرة بينهما شاسع، وهو ما دفعنى إلى عدم صياغته فى شكل سؤال، وجواب، لكن الغريب أنها كانت تنعتنى خلاله بالأستاذة! لاحظت أيضًا أنها كانت ترغب أن تسمع أكثر من أن تتكلم، فتسألنى عن رأيى فى أمر ما، ثم تعلن هى عن رأيها بعد أن أنهى حديثى، وعندما تطرق حديثنا عن بعض الأمور السياسية، وقلت لها إنه ليس من العيب أن يراجع الإنسان أفكاره، ويعلن أنه قد أخطأ فى تقدير بعض الأمور، وجدت هذه الجملة وقعًا فى نفسها فقالت لى «اسم الله عليك! إنت عندك كام سنة؟» ولعل هذه الطريقة فى الحوار بين سيدة صاحبة مقام رفيع فى الإعلام، وبين صحفية شابة هى سر تميز نادية صالح، فهى لم تتعال يومًا على أجيال لحقتها، فظلت تتعلم كل جديد، وتواكب العصر، حتى إنها اتجهت إلى الإنترنت فى إعداد حلقاتها التى قدمتها فى سنوات عملها الأخيرة، حيث كانت تعد حلقاتها بنفسها طوال عمرها.
ويمكن اعتبار السطور التالية «زيارة سريعة لعقل وقلب «نادية صالح».
الابنة البكرية
طفولتها كانت ثرية جدًا، ليس فقط لأنها سليلة عائلة معظم أفرادها قضاة، لكن تنقل الوالد بين المحافظات المختلفة بسبب عمله كان سببًا فى هذا الثراء، حيث عاشت فى القاهرة سنوات عمرها الأولى، والتحقت بمدرسة الليسية، ولما انتقل الوالد إلى سوهاج، التحقت هناك بمدارس عربية، لعدم وجود مدارس لغات هناك فى ذلك الوقت، فحصلت على الإعدادية من سوهاج، وفى أثناء دراستها الثانوية انتقل والدها للعمل بإحدى محاكم الإسكندرية، فحصلت على الثانوية العامة من هناك بتفوق،  انتقال الوالد بعدها إلى القاهرة، أهّلها لدخول كلية طب قصر العينى،التى لم تستمر فيها سوى عام واحد فقط.
تنقل والدها بين المحافظات، ساهم فى تنوع ثقافتها أيضًا كونها الابنة «البكرية» لهذا القاضي من بين ستة أبناء جعل لها مكانة خاصة عنده، فكانت ترافقه فى احتفالات نادى القضاة، وتجلس مع قامات عظيمة فى سن صغيرة ما أكسبها ثقة بالنفس، كما كان يُطلب منها قراءة حيثيات الأحكام بلغة عربية سليمة، وهو ما ساهم فى إتقانها اللغة بشكل جيد، وبرغم أن والدتها تتقن عددًا من اللغات، وتقرأ الصحف بانتظام، فإنها – وعلى حد قولها- لم تكن صاحبة رأى أو مشورة، شأنها شأن سيدات جيلها، حيث كانت أمينة، وكان الوالد سى السيد فى البيت، لكنها أبت نادية أن يطبق ذلك عليها، فكانت تناقشه، وتجادله.
السياسة والعواطف
كان الوالد أحد أكبر الداعمين لسعد زغلول، أما العمة فكانت متزوجة من عائلة سراج الدين باشا، أحد أبرز رموز حزب الوفد، لذلك فقد كانت أحاديث السياسة فى المنزل مثل الماء، والهواء، فكانت نادية تدافع عن السعديين فى نقاشاتها مع معلميها فى المدرسة بحجج منطقية سمعتها من والدها، وعائلته، كما أنها تذكر جيدًا أجواء المنزل عندما حاولوا اغتيال إبراهيم عبدالهادى باشا، وكان رئيس وزارة وقتها، حيث سادت حالة من التوتر فى المنزل، ومرض الأب بعد هذا الحادث، لتأثره به.
وفى العاشرة من عمرها، قامت ثورة يوليو، وتذكر جيدًا أيضًا حالة الترحيب التى سادت أجواء المنزل وقتها، والمدرسة أيضًا، حيث كانت تهوى التمثيل وقتها، واشتركت فى مسرحية أدت فيها دور الرئيس الراحل محمد نجيب، وارتدت بذلة عسكرية، وكان يدربها على التمثيل فى هذه المسرحية الفنان سامى البارودى، لكنها وبعد مرور السنوات شعرت أن هناك ظلمًا قد وقع على الملك فاروق، حيث تمت شيطنة عصره، وهو الخطأ الذى تم تكراره بعد قيام ثورة 25 يناير، فلم نكن منطقيين فى أحكامنا ودائمًا ما تحركنا عواطفنا، وهو أمر لا يتسق مع السياسة مطلقًا.
مذيعة على «وش ولادة»
الزواج فى سن 17 عامًا لم يكن معوقًا أبدًا أمام طموح جارف عرفت به منذ نعومة أظفارها، فهى لا تعرف المستحيل كما تقول، فبعد أن أدركت أنها لايمكن أن تستمر فى دراسة الطب الذى قادها إلى دراسته مجموعها الكبير، لكن كرهته نفسها التى لا تتحمل مشاهد الدم والتشريح، انتقلت بعدها إلى دراسة التجارة، وتزوجت فى السنة الأولى منها، وحملت، وأنجبت أثناء الدراسة أيضًا ابنها الأكبر المهندس هشام، وبعد تخرجها مباشرة، عُينت فى الجهاز المركزى للمحاسبات، واستمرت به لمدة 6 أشهر، لكن طاردتها المشاعر السلبية التى كانت تشعر بها أثناء دراستها للطب، فكان إعلان الإذاعة المصرية عن حاجتها لمذيعات طوق نجاة بالنسبة لها، لكنه تحدٍ من نوع آخر، حيث كان عليها أن تجتاز اختبارات الإذاعة وهى فى شهور حملها الأخيرة فى ابنتها دعاء، كان من ضمن لجنة الممتحنين الإذاعى القدير بابا شارو، والذى تدين له، ولزوجته صفية المهندس بالفضل، ليس فقط لأنها تعلمت منهما الكثير مهنيًا، لكن أيضًا لأنهما أسسا بداخلها مبادئ كثيرة شكّلت شخصيتها، لعل أهمها ما عرفته هى بـ«فن إدارة الأزمات بالحب» فأى شىء يحدث بين الزملاء يمكن حله، دون الشكوى لمسئول، أو قطع العلاقات بين الزملاء، وتعكير صفو العلاقات قد يفسد أجواء العمل بشكل يؤثر على جودته.
ذكريات ودروس
تحديات كثيرة مرت بها أثناء تسجيل برامجها، وحلقات عديدة تفخر بها فى مكتبتها، مثل الحلقات التى قامت بتسجيلها من مكتبة الكونجرس الأمريكية، وإخفاقات أيضًا لم تنل من عزيمتها، ولعل كثيرًا  من الناس لايعلمون أنها قدمت برنامجا تليفزيونيا فى السبعينيات اسمه «الكاميرا والكتاب» لم يحقق لها النجاح الذى حققته الإذاعة، فعادت إليها مسرعة، لكن كل هذه الخبرات التى كونتها من خلال سنوات عملها الطويلة، جعلها تضع مواصفات عديدة للإعلامى الناجح، أهمها ألا يضع وقتًا محددًا لعمله، فالإعلامى «الشاطر» يعمل حتى وهو نائم، وتذكر للتدليل على ذلك كواليس تسجيلها لحلقة فاروق الباز، الذى تمنت طويلا التسجيل معه، لكن إقامته الدائمة بأمريكا حالت دون ذلك، وفى يوم من الأيام، كانت سيارتها تقف فى إشارة مرور مزدحمة جدًا فى أحد شوارع القاهرة، وبينما تلتفت للسيارة التى بجوارها، وجدت فاروق الباز، فاتفقت معه فى الإشارة على موعد اللقاء، والذى تم فى مكتب أخيه أسامة الباز.
الأشهر «زيارة لمكتبة فلان» فاجأتنى أن اسمه مأخوذ من اسم مقال أسبوعى كان يكتبه الأستاذ أحمد بهاء الدين فى مجلة صباح الخير، لكنها ذكرت على سبيل المثال حلقة صلاح جاهين، الذى كان بينهما العديد من النقاط المشتركة، فوالد جاهين مستشار أيضًا، وأكثر ما تذكره من هذه الحلقة أن جاهين نظم لها بيت من الشعر أثناء التسجيل بخفة دمه المعهودة حيث قال «عندى مكتبة وسرير ومرتبه اتنطط ما بينهم واتشقلب شقلبة»، أما الروائى يحيى حقى فقد أعطاها درسًا عمليًا فى الإيثار، وحب الغير، حيث اعتذر عن التسجيل معها فى البداية، وأخذ يرشح لها أسبوعيًا شخصية ثقافية، حتى وافق بعد شهور طويلة على لقائها، لكنها عندما ذهبت إليه وجدت أطلال مكتبة لايوجد بها سوى بضعة كتب، حيث شعر بدنو أجله، فتبرع بمكتبته كاملة لجامعة المنيا. 


بقلم رئيس التحرير

100 سنة من الحب والحرية
[عندما توفى الأديب الفرنسى الكبير «فيكتور هوجو» قالوا: اليوم يدفن أكثر من قلم!.. فقد كان متعدد المواهب.. وكذلك كان &l..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
محمد جمال الدين
أسئلة عن الحصانة والكيدية وغيرها
د. فاطمة سيد أحمد
أين الظواهرى.. أين القاعدة؟
عصام زكريا
من أين يأتى كل هذا الخوف؟
عاطف بشاى
تسقط الرجعية!
طارق مرسي
مجلس الخطيب بقلم إحسان عبدالقدوس
د. حسين عبد البصير
حضارة «المايا» تبوح بأسرارها!

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF