بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

24 مارس 2019

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

عبادة الله بالحجب والمُصادرة

717 مشاهدة

8 ديسمبر 2018
كتب : سيد طنطاوي



فرضوا أنفسهم محامين عن الله، وقضاة بين خلقه - جبرًا- فأخذوا يقولون بكفر هذا وانحلال ذاك، فنصبوا أنفسهم رقباء على عقول الناس،  ومن ثم حاكموا إنتاجهم الفكرى.
ما إن يصدر كتاب علميًا كان أو أدبيًا تجدهم يقيمون له المشانق ويحاكمون عقل صاحبه ونيته، وحجتهم أنهم يواجهون ازدراء الأديان أو الإسلام تحديدًا، يكفرون المفكرين ويفرقون بينهم وبين زوجاتهم،  ويمنعون مؤلفاتهم، ويضعونهم فى غياهب السجون ثم يلبسون رداء المنادين بالحرية.

الشعر لم يسلم منهم، والرواية كانت فريستهم، ووصل عداؤهم لكل عملٍ يدعو إلى إعمال العقل ولو فى نص يتكون من بضع كلمات.
وطبيعى فى الدعوات المبنية على الجهل أن تستخدم فى أغراض خبيثة، كالانتقام والصراعات الشخصية وتحقيق المصلحة الفئوية لا مصلحة الجماعة، وحدث ذلك فى أشكالٍ عدة، تبدأ بالهجوم على الإصدار بحجة أنه يُعادى الله ورسوله، أو يزدرى ويُعادى الدين.. والقائمة تطول فى الاتهامات المطاطة.
فى عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات وضعت مادة ازدراء الأديان لتكون حماية للمثقفين من المتطرفين، لكن انقلب السحر على الساحر وأصبحت سلاحًا فى يد المتطرفين يُستخدم ضد المُثقفين، ومنها مادة 98 فقرة (و) من قانون العقوبات ونصها: يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تجاوز 5 سنوات أو بغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تتجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين فى الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأى وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلم الاجتماعى.
وهناك مادتان تخصان الاعتداء على الأديان وهما مادة 160 ونصها: يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن 100 ولا تزيد على 500 جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين:
أولاً: كل من شوش على إقامة شعائر ملة أو احتفال دينى خاص بها أو عطلها بالعنف أو التهديد.
ثانيًا: كل من خرب أو كسر أو أتلف أو دنس مبانى معدة لإقامة شعائر دين أو رموز أو أشياء أخرى لها حرمة عند أبناء ملة أو فريق من الناس.
ثالثاً: كل من انتهك حرمة القبور أو الجبانات أو دنسها.
وتكون العقوبة السجن الذى لا تزيد مدته على خمس سنوات إذا ارتكبت أى من الجرائم المنصوص عليها فى المادة 160 تنفيذاً لغرض إرهابى.
ومادة 161 ونصها: يعاقب بتلك العقوبات كل تعد يقع بأحد الطرق المبينة بالمادة 171 على أحـد الأديان التى تؤدى شعائرها علناً، ويقع تحت أحكام هذه المادة:
أولاً: طبع أو نشر كتاب مقدس فى نظر أهل دين من الأديان التى تؤدى شعائرها علناً إذا حرف عمداً نص هذا الكتاب تحريفاً يغير من معناه.
ثانياً: تقليد احتفال دينى فى مكان عمومى أو مجتمع عمومى بقصد السخرية منه أو ليشاهده الحضور.
يمكن رصد البداية فى العصر الحديث فيما فعلته جماعة الإخوان مع على عبدالرازق حينما أصدر كتابه الإسلام وأصول الحكم والذى يرفض فيه ما يُسمى بـ«دولة الخلافة»، وقالوا صراحة إنه لم يجد عليها دليل واحد سواء فى القرآن أو السنة، فما كان من جماعة الإخوان إلا أن وسوست للملك «فاروق» تحذره من أن هذا الكتاب يهدد عرشه، باعتبارهم يوهمونه بأنه خليفة المسلمين والقاهرة مقر الخلافة القادمة، فما كان من الملك حينها إلا فصل «عبدالرازق» من وزارة العدل، بل وحل الوزارة كلها وتجريد صاحب الكتاب من درجته العلمية.
حديثًا كانت مصادرة كتاب على عبدالرازق البداية نحو سلسلة طويلة من محاربة الفكر بتهمة معاداة الدين، حتى وصلنا إلى اتهامات ازدراء الأديان التى أصبحت مصيدة يقع فيها المثقفون، كانت السلطة الدينية هى المُتسلطة دائمًا فى مُلاحقة الأدباء والمُفكرين.
كان كتاب طه حسين فى الشعر الجاهلى أحد الكتاب التى سقطت فى مصيدة رجال الدين والأزهريين بصفة خاصة، وكانت هناك ثورة أزهرية على الكتاب أخذت صاحبه إلى المحكمة التى برأته بعدما أثبتت أنه لم يكن بين سطوره ما يقصد به الإساءة إلى الدين.
وكل ما فعله طه حسين فى الكتاب أنه طبق منهج الشك الديكارتى على الشعر الجاهلى،  ومنه انتهى إلى رأيه بأن الشعر الجاهلى منحول أى لا ينتمى لقائله، وأنه كُتب بعد الإسلام ونُسب لشعراء ما قبله، وهو ما لم يعجب بعض الأزهريين وبناءً عليه تم منع بيع الكتاب فى مصر، إلا أن جاء الإنقاذ على يد القاضى محمد نور الذى قال: «إنه رأى أكاديمى لأستاذ جامعى ولا يمكن اتخاذ إجراء قانونى ضده».
لم تكن الهبة الدينية على الآراء الداعية إلى التحرر مُقيدة بنص أو توجه بعينه، بل كانت نارًا تحرق كل ما تمسه، مثل الذى حدث مع الفنان اللبنانى مارسيل خليفة، حينما قدم قاضى التحقيق قرار اتهام طلب فيه معاقبته بالسجن مدة تصل إلى 3 سنوات بتهمة تحقير المشاعر الدينية لغنائه قصيدة تتضمن آية قرآنية وهى «أنا يوسف يا أبى».
وفى هذه الواقعة التى حدثت قبل ما يقرب من 20 عامًا، طالب المئات من المثقفين والكتاب والصحافيين اللبنانيين القضاء  بمحاكمتهم مع مارسيل خليفة، ووقع المئات على عريضة تضامن معه.
الأدب أيضًا كان من المُحرمات عند بعضهم، وهم فى أغلب الحالات لا يقرأون، لكن ما إن يكتب أحد عن الإصدار يبحثون عنه لا ليقرؤوه بل ليطالبوا بمنعه فى 1988، صدرت رواية «مسافة فى عقل رجل» للأديب علاء حامد، ووزعتها مؤسسة الأهرام، وكانت الأمور تسير فى مسارها الطبيعى إلى أن هاجمها الكاتب أحمد بهجت فى الأهرام بعد صدورها بـ3 سنوات أى فى عام 1990 بمقال عنونه بـ«سلمان رشدى آخر».
وقال «بهجت» فى مقاله إن الرواية إلحاد وتطاول على الذات الإلهية وسخرية من الأنبياء والرسل واستهزاء بالجنة والنار، وتكذيب صريح للكتب المنزلة وهجوم عليها.
بعدها أصدر الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر قرارًا بتشكيل لجنة عليا من علماء مجمع البحوث الإسلامية لدراسة ما ورد بالكتاب، وخلص تقرير الأزهر إلى أن الكتاب ينكر الأديان بصفة عامة، وينكر العقائد الدينية وينكر الإله ويكذب بالرسل ويزدريهم وينكر الكتب السماوية ويكذب بالإيمان بالقدر وبالعبث والحساب وبالجنة والنار.
وفى مارس 1990 صادرت مباحث المصنفات الرواية، وفى ديسمبر 1991 أصدرت محكمة أمن الدولة (طوارئ) حكمًا بسجن الأديب علاء حامد، 8 سنوات، وغرامة 2500 جنيه، كما أدانت الرواية باعتبارها تشكل تهديدًا للوحدة الوطنية والسلام الاجتماعى،  وأصدر القاضى حكمًا ضد الناشر محمد مدبولى،  أحد موزعى الرواية، وفتحى فضل المتهم بطبعها.
لم يقض حامد فى السجن سوى 6 أشهر وخرج بعدها بعد مناشدة المثقفين لعاطف صدقى رئيس الوزراء آنذاك بألا يُصدق على الحكم، وخرج بعدها حامد تلاحقه اتهامات بالكفر والإلحاد، ووصل الأمر إلى أن أهدر عُمر عبدالرحمن مُفتى الجماعة الإسلامية دمه فى فتوى منه.
كانت يد المنع طائلة والأسباب كثيرة، ومن هذا ما حدث مع الكاتب خالد محمد خالد الذين حاول تقديم أفكار ضد تجار الدين، وانتقد فى الفصل الرابع من كتابه ما يُسمى بالحكومة الدينية، لكن كل من كان يشعر أن الكتاب يشكل خطرًا على أفكاره المغلوطة هاجم الكتاب ومؤلفه.
وتحت تأثير الهجوم على الكتاب ومؤلفه لم يخرج للنور، وطبقًا لآليات عمل الرقابة والرقيب فى 1950 كان لا بد أن يعرض على شيخ من الأزهر، وبالفعل أحالت أجهزة الرقابة الكتاب إلى العالم الأزهرى الشاعر الشيخ محمد الأسمر صاحب سلطة المنع، وعندما ذهب خالد ليعرف نتيجة القراءة، دار بين الشيخين حوار قال فيه الأسمر: «كتابك ثورى جدًا، بينما يكسو ملامحك وحديثك وكلماتك هدوء لا يتوافق مع ثورتك فى الكتاب»، وبعد أيام أخبر توفيق صليب مدير الرقابة، «خالد» أن الشيخ الأسمر لم يوافق على الكتاب، وقرر خالد رفع الأمر إلى رئيس الوزراء، لكنه انتظر حتى رحل رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم عبدالهادى باشا، وحين جاء حسين سرى رئيسًا للوزراء خرج الكتاب إلى النور.
كانت الدعاية للكتاب إحدى الصعاب أمام «خالد»، فلجأ إلى الدعاية السلبية، فاتفق مع صديق له وهو محمد حسن البرى ليكتب مقالًا يُهاجم فيه الكتاب وعنونه بـ«كتاب أثيم لعالم ضال»، وبعد نشر المقال انطلقت حملة على الكتاب، تهاجمه وترفض ما فيه، وبُناءً عليه تحركت لجنة الفتوى بالأزهر، وطالبت النيابة بمصادرة الكتاب والتحقيق مع مؤلفه، وهاجم البوليس المكتبات وباعة الصحف وجمعوا غالبية النسخ المطروحة فى الأسواق، وقُدم للمحاكمة وبرأته محكمة القاهرة الابتدائية برئاسة المستشار حافظ سابق.
ممن تعرضوا لنيران المُتشددين محمد أحمد خلف الله، الذى تقدم برسالة دكتوراه عام 1947 عن «الفنّ القصصى فى القرآن» تحت إشراف  الدكتور أمين الخولى.
أثارت الرسالة ردود فعل عديدة رافضة لما جاء فيها وصلت حدّ التكفير، إذ اعتبرت ما أتى به خلف الله تقويضًا لقداسة النص القرآنى ونزعًا لصبغته الإلهيّة، وقد بلغ الأمر إلى درجة تكوين لجنة خاصة أعادت النظر فى محتوى الرسالة وانتهت برفضها وطالبت صاحبها بإعداد رسالة أخرى.
لم يرضخ «خلف الله» للحملة ونشر رسالته عام 1953 وتوالت طبعاتها ، ومن مؤلّفاته: «القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة»، و«القرآن والدولة»، و«القرآن والثورة الثقافيّة»، و«هكذا يبنى الإسلام»، ومحمّد والقوى المضادة» وهو فى الأصل نصّ رسالته لنيل درجة الماجستير، وكان عنوانها الأصلى «جدل القرآن»، و«الأسس القرآنيّة للتقدّم»، و«مفاهيم قرآنيّة»، وغيرها من المؤلفات.
من الكتب التى واجهت المنع والحجب «نقد الخطاب الدينى» هو الكتاب الوحيد الذى منع من النشر للمفكر الإسلامى المصرى نصر حامد أبو زيد، ووجه له على أثره اتهامًا بالإلحاد والكفر بسبب معارضته لسلطة النص المطلقة فى الدين الاسلامى،  ومطالبته بالتحرر من القرآن. وشكل كتابه «نقد الخطاب الدينى» الذى كان رسالته المقدمة لجامعة القاهرة بهدف الحصول على درجة الأستاذية، حالة إشكالية فى المجتمع المصرى،  ليمنع الكتاب وتطبّق محكمة الأحوال الشخصية على أبو زيد حكم «الحسبة» وتفرق بينه وبين زوجته، وتضطره لمغادرة القاهرة إلى هولندا بعد تهديدات كثيرة جعلت حياته فى خطر.
حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب، إلا أنه كان يُلاقى صعوبة فى نشر أعماله مع علو سيف الرقيب، وفى عام 1959 بدأت صحيفة «الأهرام» نشر رواية «أولاد حارتنا» بشكل متسلسل، لتتوقف عن نشرها فى العام نفسه بسبب اعتراضات كثيرة على بعض محتوياتها التى اعتبرت أنها تمسّ الذات الإلهية، ولم يتمكن أديب نوبل من نشر الرواية فى مصر بسبب رفض الأزهر، فنشرتها دار الآداب اللبنانية سنة 1962 ومنعت من دخول مصر إلا من خلال نسخ مهربّة.
بعد سنوات طويلة، وعلى خلفية الرواية نفسها وما تحمله من أفكار، قرّر شابان مصريان سنة 1992 قتل محفوظ من خلال طعنه فى عنقه، لكن عملية الاغتيال فشلت، وأعدم الشابان بعدها، رغم رفض محفوظ لذلك.
كما تقدم الأزهر منذ 3 أعوام ببلاغ ضد شعبان عبدالرحيم يتهمه فيه بازدراء الأديان، على خلفية ظهوره فى فيديو نشر على موقع «يوتيوب»، يتلو فيه القرآن وأتبعه بكلمة «بس كده». وبعد اعتذار شعبان عن الواقعة قامت المشيخة بالتنازل عن البلاغ.
فرج فودة كان التطرف ضده على أشده، فلم يمر الأمر معه بمنع أو حجب أو مصادرة بل كان القرار سريعًا بإهدار دمه بعد هجمة شرسة من أزهريين ضده، واغتيل على يد متطرفين.
 


بقلم رئيس التحرير

العم سام.. وحقوق الإنسان!
فى الديباجة «الرئيسية» لتقرير وزارة الخارجية الأمريكية الـ43 حول ملف حقوق الإنسان (الصادر قبل يومين- الأربعاء)، قال و..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

مفيد فوزي
خواطر فنية
محمد جمال الدين
الحكومة وأصحاب المعاشات
د. فاطمة سيد أحمد
أسوان «قادش والسد والعاصمة الأفريقية»
عاطف بشاى
الشخصية الإرهابية
طارق مرسي
صحة الزعيم
د. حسين عبد البصير
إيزيس صانعة الآلهة فى مصر القديمة
د. مني حلمي
لو كان الأمر بيدى.. ثلاثة مشاهد

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF