بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

17 يونيو 2019

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

الفــاروق مُجـــــدِدًا

998 مشاهدة

15 ديسمبر 2018
كتب : عبدالله رامي



فى الوقت الذى بات المجتمع فى أمس الحاجة لطريقة تعامل مختلفة مع النصوص الدينية، وقف رجال المؤسسة الدينية الرسمية فى مصر حائرين أمام ماهية التجديد المطلوب وعاجزين عن اتخاذ موقف حاسم مما تحويه كتب التراث، وراحوا تارة يختلفون حول مساواة المرأة بالرجل وأخرى يتنازعون حول وجود علاقات جنسية فى الجنة، وضاعت من بين أيديهم المعركة الحقيقية التى يجب عليهم أن يتصدوا لها. 
بعد مرور ما يزيد على 1400 سنة من الهجرة النبوية لم يزل بعض رجال الدين رافضين التجديد بدعوى أنَّ الدين قد نزل واكتمل وتمّ، وأن «التجديد» ما هو إلا أداة خبيثةً للقضاء على الإسلام، وفى المقابل نجد الفاروق عمر ثانى الخلفاء الراشدين يضرب أروع الأمثلة فى إثبات أن الاجتهاد ضرورة فى كل عصر بما يناسب ظروفه وقضاياه، يجتهد وأحاديث النبى مازالت فى الآذان، ويعى أن الأديان والشرائع السماوية هدفها بالأساس مصالح العباد.
أدرك عمر مبكرًا أن النص ثابت وفهمنا لا بد أن يتغير، يفرق فى أحكامه بين الدين والفكر الدينى  ليؤسس أول مدرسة فقهية، ليس هدفها أن يتبع السلف فتاواه بل ليدركوا أن الفاروق اجتهد حتى مع وجود النص.
 يقصد بالتجديد فى الخطاب الدينى تغيير طريقة فهمنا البشرى للنص، لا التغيير فى النص ذاته، وفى اجتهادات وأفهام رجال العلم والفِقْه والفكر، لا فى نصوص القرآن والسنَّة، فالناموس الكونى أساسه التغيُّر لذلك من البديهى أن يختلف تلقى النص الآن عمن سبقونا ومن غير المعقول أن يحكمنا الفقهاء من قبورهم أو تعتمد صناعة الطائرات اليوم على مخطوطات بن فرناس، فنشأة الفقه بالأساس كانت نتيجة تغيّر المجتمع فكيف نسميه الآن «بجموده» فقهاً؟!
فكرة جمع وتدوين القرآن نفسها كانت اجتهادا من عمر، فلو كان منطق اليوم هو السائد وقتها لكان رأى من أغلقوا باب الاجتهاد بأن جمع المصحف بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار فهو فعل لم يأت به النبى، كان القرآن سيضيع فى صدور حفظته،  لكن عمر دخل على أبى بكر، وأشار عليه بجمع القرآن وكتابته خشية الضياع، فنفر أبو بكر من مقالته، وكَبَرَ عليه أن يفعل ما لم يفعله النبى، فظل عمر يراوده حتى اطمأن أبو بكر لهذا الأمر، ثم كلّف زيد بن ثابت بتتبع الوحى وجمعه، فجمعه زيد من الرقاع والعسب (جريد النخل) واللخاف (صفائح الحجارة البيض الرقاق) وصدور الرجال. 
 
كانت قضية إثبات الحرية للزوجة «الأَمة» أولى القضايا التى بت فيها عمر بعد توليه الخلافة ولم يتحرج أبداً أن يعترف بخطئه ويعدل عن قراره، إذ أثبت عمر فى البداية أن الزوجة من الرقيق تكون ضمن ميراث الابن بعد وفاة سيدها إلى أن حدثت واقعة «الفتى القرشى»  الذى قرر إخوته من أبناء الأحرار أن تكون أمه هى «فقط» كل ما يرثه من ثروة والده الكبيرة، وبعد هذه الواقعة أقرّ الفاروق حرية الأَمة بوفاة سيدها وهو القرار الذى لم يتخذه الرسول (صلى) لعدم وجود ما يقتضى ذلك فى عصره.
كان اجتهاد عمر أيضا فى مسألة نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة وهو ما نصت عليه الآية الكريمة فى سورة التوبة (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، وهو نص قطعى الثبوت قطعى الدلالة، لكن عمر بن الخطاب وجد أن ذلك النصيب من الزكاة كانت علته أن المجتمع المسلم  الناشئ لم تكتمل له نقاط القوة بعد، لذلك كان الرسول يعطى سهمًا من الزكاة لكبار القوم كى لا يتعرضوا لمن أسلم من قومهم ويَضْعَف عداؤهم للدين الجديد، أما بعد الانتصار فى حروب الردة ثبتت أركان الدولة الإسلامية وقرر عمر منع سهم «المؤلفة قلوبهم» فى عهد أبى بكر، وهو بذلك استخدم روح النص بما يتناسب مع مقتضيات عصره.
 أما فيما يخص الزواج من المرأة الكتابية وهو أيضا ما نزل به نص قرآنى فى سورة المائدة (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان) عن زواج «المحصنات من الذين أوتو الكتاب من قبلكم» وقد تزوج الكثير من الصحابة من نساء أهل الذمة، فعثمان بن عفان تزوج نائلة بنت القرافصة الكلبية وهى نصرانية وظلت على دينها، وتزوج طلحة بن عبيد الله يهودية من أهل الشام، وغيرهما من الصحابة والتابعين فلم يثبت بينهم تحريم نكاح الذِمية.
أتى عمر بن الخطاب ليأمر حذيفة بتسريح زوجته اليهودية لأنه رأى أن العرب المقيمين فى البلاد المفتوحة سوف يقبلون على الزواج من غير العربيات لجمالهن وهو ما عبر عنه بأن «فى نساء الأعاجم خلابة» وأوضح عمر سبب تحريم ذلك فى وقته «أخاف أن تواقعوا المومسات منهن» فهو لم يكن مطمئنا لخلق الأم التى سينشأ الأبناء فى رعايتها، سواء اختلف الفقهاء أو اتفقوا مع ما قام به الفاروق من تعطيل لنص ثابت فى القرآن فنحن لسنا فى محل تقييم ولكن المغزى الأهم أنه كان يفعل ما يراه أنسب لعصره ومقتضيات زمانه.
لم يأت نص قرآنى بعقوبة محددة لشارب الخمر وما ورد عن النبى أنه جلد شاربها 40 جلدة وذلك كان مثالاً للسنة وتبعها أبو بكر لكن عمر قرر أن يكون حد شارب الخمر فى عصره 80 جلدة وبرر ذلك بأن شاربى الخمر «عتو وفسقوا فيها» وهانت عليهم الـ40 جلدة فقرر مضاعفتها وثبت أنه أضاف عشرين جلدة أخرى على رجل قد شرب الخمر فى رمضان وبذلك عزز عمر العقوبة بما يراه أصلح للأمة فى عصره مخالفاً فعلا صريحا قام به الرسول وإجماع آراء الصحابة.

ساد العرف عند العرب ونص القرآن على إزهاق نفس القاتل مقابل نفس المقتول فى سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، لكن عمر واجه مشكلة اشتراك عدة أفراد فى دم شخص واحد وهو ما جعله يستخدم روح النص واستخدام العقل دون تشبث أجوف بظاهر النص فجاء فى الموطّأ أنه قتل نفرا (خمسة أو سبعة) مقابل رجل واحد قتلوه غيلة وقال «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا» وهو بذلك يستنبط حكما فقهيًا لم يكن موجودًا للبت فى الأمر.
كان عمر يقدّم العقل فى التعامل مع الموقف وهو ما جعله يسقط حد الزنى بالرجم فى عدة وقائع وهو أيضًا ما جاء به نص صريح فى سورة النور (الزانية والزانى فاجلدُوا كل واحد منهما مئة جلدة ، ولا تأخذكم به رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين).
حتى ما نصت عليه الآية فى سورة النساء بالحبس فى البيت ( وَاللاتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ) إذ وجد مجموعة من الناس يريدون رجم امرأة تبكى وتعترف بالزنى فسألها عن شأنها، قالت «كنت امرأة ثقيلة الرأس وأثناء صلاة الليل نمت وما أيقظنى إلا رجل ركبنى»  فقال عمر: «لو قتلت هذه خشيت على الأخشبين النار»، وكتب بعدها إلى أمراء الأمصار ألا تقتل نفس مكرهة، وفى واقعة أخرى استبدل الرجم بالجلد 100 جلدة  لامرأة أعجمية لجهلها بالحد رغم اعترافها الصريح بالزنى.
أما حد السرقة وهو أيضًا ما جاء فيه نص صريح فى سورة المائدة بقطع اليد (فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبوا) وهو ما عمل به أبوبكر وعمر إلا أن عمر أوقف العمل به فى عام المجاعة واستبدل الحد بدفع قيمة المسروقات أو ردها، وهنا أيضا يقدم حاجة عصره على النص مجتهدا فى إيجاد بديل مناسب للواقع.
وفى لفظة الطلاق فالأصل فيها أن تكون متفرقة تبعًا للنص القرآنى الواضح فى سورة البقرة (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) وذلك لإعطاء فرصة للزوج يراجع فيها نفسه، ولا وجود لنص قرآنى أو نبوى جمع الثلاث طلقات فى لفظة واحدة بل جاء فى السنة أن ركانة بن عبدالعزيز طلق زوجته ثلاثًا فى جلسة واحدة فسأله الرسول كيف طلقتها قال: ثلاثاً فى مجلس واحد، فقال النبى: إنما تملك واحدة فأرجعها إن شئت.
لكن عمر بعد عامين من خلافته أوقع الثلاث طلقات المجتمعة ثلاثًا لا واحدة كما ثبت عن النبى، نتيجة لاستهانة الناس بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه فى جملة واحدة فرأى أن ذلك الأصلح فى زمانه.

عبر هذه الومضات من اجتهادات الفاروق (والتى خالفه فيها الفقهاء من بعده) نجد أن غلق باب الاجتهاد وعدم تجديد الخطاب الدينى بمعناه الشامل هو البدعة الحقيقية، امتثالاً للمنطق الجاهلى «هذا ما وجدنا عليه آباءنا»، وكأننا نعيد اختلاف الأئمة الأربعة حول جواز استخدام صنبور المياه، بل وتم تكفير أبى حنيفة لإفتائه بجوازه، وكان (إجماع الفقهاء) وقتها أن ماء «طاسة الوضوء» أفضل من ماء الصنبور الجارى، هذا هو الخلاف الآن بين ركود الفكر حتى التعفن وبين حركة الواقع ومقتضيات العصر، تحول تقدير الفقهاء إلى تقديس يمنع المساس باجتهاداتهم وهو ما يناقض تمامًا ما فعله عمر الذى عرف غاية الدين، ولم يتوقف عند النص.
 
 


بقلم رئيس التحرير

الثوابت المصرية في القضية الليبية
خلال لقائه، أمس الأول، مع رئيس مجلس النواب الليبى «عقيلة صالح»، أكد الرئيس «عبدالفتاح السيسى»، على موقف م..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

اسامة سلامة
ترحموا على الدكتورة مارجريت
د. مني حلمي
انتصار «إرادة الحياة»
محمد جمال الدين
ماذا حدث للمصريين؟
د. فاطمة سيد أحمد
« فاريا ستارك» والإخوان ( 12 ) الجماعة والنظام الإيرانى يعدمون (ناصر سبحاتى)
طارق مرسي
شفرة كازابلانكا
مفيد فوزي
خواطر فنية
عاطف بشاى
صالونات تنويرية
د. حسين عبد البصير
حكايات «ضمير العالم» فى مصر القديمة

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF