بـحـث
اذهب
اسستها فاطمة اليوسف ١٩٢٥
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
هانى عبدالله

17 يونيو 2019

مجلة صباح الخير | روز اليوسف اليومية

عاجل

الأخبار

إحسان.. «أصل» و 3 وجوه

1327 مشاهدة

19 يناير 2019
كتب : آلاء شوقي



«وجدت نفسى أديبًا وصحفيًا دون تعمد. أديبًا لأبى، وصحفيًا لأمى.. بدأت منذ صغرى أهتم بالدراسات السياسية، ولم أكتف بدراسة القانون، بل إننى درست الأدب العالمى، وكل التاريخ العربى والعالمى، وكل المذاهب السياسية ونظم الحكم التى ظهرت، وهو ما أفادنى كثيرًا فى تكوين نفسى ككاتب». كأنما أراد إحسان عبدالقدوس أن يرسم بكلماته تلك شخصيته معتمدًا على أسلوبه البسيط السلس الذى استطاع من خلاله الجهر بما كتمه المجتمع.

رغم صعوبة التفرقة أحيانًا بين الثلاث شخصيات التى سيطرت على وجدان «إحسان» فى كتاباته المتنوعة، فإن لكل وجه من وجوه شخصيته فترة زمنية، استطاع أن يطغى على الوجهين الآخرين، دون أن يتعارضوا أبدًا. وغير معروف إن كان «عبدالقدوس» – نظرًا لإخلاصه الشديد- هو من تعمد إبراز هذا التنوع من أجل مواءمة تغيرات حاجة المجتمع، أم كانت الظروف المحيطة به، هى التى فرضت نفسها عليه، ولكن فى كلتا الحالتين، أو غيرهما، استطاع «الصحفى، والأديب، والكاتب السياسى»، أن يترك وراءه أرشيفًا صحفيًا يصلح مادة للتأريخ، ورأيًا سياسيًا حرًا وجريئًا صالحًا للتبنى والتأسى به، وتراثًا أدبيًا زاخرًا لا يعرف الموت أبدًا.
 الصحفى إحسان
رغم الصراع الذى عاشه «إحسان» بداخله بسبب تنازع الولاء لأى من الأعمال التى أتقنها جميعًا، ورغم العناء الذى تعرض له «الأديب» من «الصحفى»، والاتهام الذى ناله - أحيانًا- من تسلل الصحفى عبر أوراق رواياته، فإنه اعترف فى حلقة تليفزيونية خاصة مع الأستاذ «مفيد فوزى»، بأن سمات الصحفى سيطرت عليه كثيرًا، وذلك عندما حكى، أنه حينما ذهب لحضور مؤتمر لرؤساء التحرير فى مدينة (كان) الفرنسية، عقب «ثورة يوليو»، كان يعلم أن الملك «فاروق» يقيم هناك، بعد عزله وترحيله من (مصر). واشتعل بداخله الفضول الصحفى، عندما التقى بسكرتير «فاروق»، من أجل إجراء حوار مع الملك المعزول. وهنا اعترف «عبدالقدوس»، أن بداخله صحفيًا، يسعى دائمًا وراء السبق والانفراد.
وبعيدًا عن هذا الموقف، فبمجرد ذكر «إحسان الصحفى» يحضر فى أذهاننا سريعًا عدد من الـ(خبطات الصحفية الكبيرة) التى رجت (مصر)، عندما نشرها على صفحات مجلة «روزاليوسف»، وأهمها الانفراد والتحقيق، الذى أصبح فيما بعد مادة للتأريخ، وشهادة للتاريخ، عن قضية «الأسلحة الفاسدة»، التى تسببت فى خسارة «حرب فلسطين»، وأدت إلى انهيار نظام الحكم الملكى فى (مصر)، وساعدت على إشعال «ثورة يوليو»، بعد نشره عدة مقالات فى حملة صحفية مكثفة، فضحت تفاصيل القضية بالوثائق الرسمية، والدلائل مختلفة المصدر. وهو تحقيق صحفى جرىء، كاد يهدر حياته، فكانت هناك محاولة لاغتياله بعدها.
دعا إحسان لتأليف محكمة يتولاها قضاة مصريون، لمحاكمة الخونة الذين أضروا بمصالحها، فى مقالات كانت تحت عنوان: «محاكمة مجرمى حرب فلسطين»، كما طالب علنًا أيضًا بالتحقيق مع وزير الحربية فى عهد الملك، فى مقال بعنوان: «إنى أطالب بالتحقيق مع الفريق محمد حيدر باشا» فى أكتوبر 1950. ثم أوضح أنه «لا يكفى تغيير الأشخاص، بل يجب أن تتغير السياسة»، وتوالت تحقيقاته الصحفية حول هذه القضية، وكتب أيضًا: «أين ينتهى مصير تحقيقات الجيش؟» فى ديسمبر 1950، وطالب بتقديمه شخصيًا للمحاكمة إذا ثبتت براءة المتهمين، مؤكدًا أن المستندات، التى اعتمد عليها فى تحقيقاته -لا تزال- فى أدراج «روزاليوسف»، واستمر فى عرض تلك القضية حتى نهايتها.
ظهرت شجاعة «الصحفى إحسان» لأول مرة، عندما هاجم حكم المندوب السامى، والسفير البريطانى اللورد «كيلرن»، الذى استمر حكمه مدة 12 عامًا، دون أن يتجرأ أى شخص على مهاجمته، وهاجمه «عبدالقدوس» فى مقالة بعنوان: «الرجل الذى يجب أن يذهب»، ونشرت فى أغسطس 1945، ليصبح أول شخص يكتب بمنتهى الحزم والقوة، أن: «السفير قد فشل فى مهتمه.. ولم يقنع نفسه بأن (مصر) بلد مستقل ذات سيادة»، فى وقت كان من الصعب على شخص أن يتجرأ، ويكتب كلمات كتلك، ولكن «إحسان»، الذى كان فى مستهل حياته الصحفية وقتها، لم يأبه لأى مخاطرة، وتحمل –فى المقابل- أن يتم سجنه لأول مرة، وهو فى عمر الـ26 عامًا، بعد نشر هذه المقالة.
ما سبق لم يكن سوى نقطة فى بحر «إحسان الصحفى» الواسع. فقد حقق نجاحًا صحفيًا كبيرًا، وقاد أضخم عملية إنقاذ للصحافة المصرية حينها، بعد أن كاد يغرق عالم الصحافة فى وقته، نتيجة لركاكة المنشور، وتأطيره بأفكار حزبية، داخل مقالات رأى مطولة بخطابات منبرية نارية، أدت إلى قلة التوزيع فى أحيان كثيرة. فقد نجح الشاب «الصحفى» الذى لم يكن وصل للأربعين بعد، فى جعل الصحافة تدخل مجال المنافسة على نشر الأخبار ليفتح لها بابا جديدا للحياة بعد أن كادت تختفى من الوجود بسبب تكلسها.
 إحسان متلبسا بالسياسة
لم يكن إحسان يرى أن السياسة نجاسة أو أنها مسرح للخطيئة عليه أن يترفع عن الولوج إليه، فقد شارك فى كثير من المظاهرات منذ كان طالبًا فى الثانوية، ولكنه لم يكن تابعًا لأى حزب سياسى طوال حياته، فقد كان نموذج «الوطنى الحر» هو ما يسيطر على أفكاره، وربما كان هذا نتيجة طبيعية للحقبة الزمنية التى عاش أدق تفاصيلها، من الاحتلال إلى الاستقلال، من الملكية إلى الجمهورية. ناهيك عن دراسته للقانون، وقراءته للتاريخ العالمى ما ترك فى نفسه أثرًا بالغًا وزكى أفكاره وآراءه.
«شرف الكلمة»، هو المبدأ الذى اتخذه «إحسان السياسى» فى مواقفه السياسية التى تبناها، ودافع عنها بمنتهى الشجاعة، فالكاتب، الذى يكتب مقالًا بعنوان: «دولة الفشل» فى عام 1951، ويقول بداخله أن «الفشل فى كل مكان وكل خطوة»، ويتهم جميع المسئولين بالحكومة، ورئيس وزرائها -حينها-، وحتى المعارضة بهذا الاتهام، مطالبًا بطردهم، ودعوة الناجحين ليتولوا قيادة (مصر)، فإنه لا يوجد شىء –فى المقابل- يستطع أن يقف أمام حرية «إحسان»، سواء كان السجن الذى دخله ثلاث مرات بتهم مختلفة، كما وقف أمام النيابة للتحقيق معه عشرات المرات، أو محاولات الاغتيال التى تعرض لها أربع مرات.
عن مغامراته السياسية قال «إحسان»: «كل رئيس دولة كان يُدخلنى السجن، أو حتى يحاول اغتيالى، يعتذر لى فيما بعد، لأنهم كانوا كلهم يعرفون أنى لست فى خدمة أحد، ولا أعبر عن رأى أحد. ولكن دائمًا كنت كاتبًا حرًا فى رأيه». ولعل أهم دليل على ما قاله، هو موقفه من ثورة 23 يوليو، وقادتها.. حيث كان «إحسان» أحد أهم الأسباب التى أشعلت فتيل الثورة، نتيجة لمقالاته التى هاجمت الملك وحاشيته، مما أدى لاختياره من قبل مجلس قيادة الثورة ليصبح صوتهم الصحفى، وبالفعل صار صديقًا لقادة الثورة. ولكن فى مارس 1954، اتخذ موقفًا إلى جانب الديمقراطية الليبرالية فى كتابة مقالاته السياسية، وطالب الجيش بالعودة إلى ثكناته، فى عدد من المقالات الشهيرة، بعنوان: «الجمعية السرية التى تحكم مصر»، ثم «مصير الثورة، ومصير رجال الثورة»، المقالة الأخيرة التى أوجد فيها حلًا، بأن يقوم أعضاء مجلس قيادة الثورة بإنشاء حزب لهم. وعليه سجن بعدها لمدة ثلاثة أشهر فى السجن الحربى. ثم خرج ولم يغير رأيه فى القيادة.
شهدت فترة «عبدالناصر»، إنتاجًا وفيرًا لأعمال «إحسان» الأدبية، وأقل إنتاجًا للسياسية، أما فى فترة السبعينيات، والثمانينيات، كانت كتاباته السياسية تعلو تارة، وتخفو تارة أخرى، إلى أن قرر مرة أخرى الاتجاه إلى إنتاج مزيد من الأعمال الأدبية. لكنه ركز على الأدب السياسى بشكل أوسع. ولم يغير آراءه السياسية، التى نصعت على صفحاته الأدبية أبدًا.
 ابن الذوات أديـبًا
من الصعب جدًا وصف «إحسان الأديب»، لأن «دقة الوصف» هى سمة كتابته الأدبية، وإن كان الوجهان «الصحفى، والسياسى» قد تألقا فى فترة زمنية معنية، فإن وجه «الأديب»، هو الغالب، والأطول عمرًا. إبداع «إحسان الأديب» ظهر، وتألق، نتيجة لعدة أسباب، المعروف منها: هى رغبته بأن يكون أديبًا فى الأساس. فقد كتب أول مسرحية له فى العاشرة من عمره، وكان امتهان الصحافة رغبة فى استرضاء أمه فقط، وهو ما أكده حين كتب: «أصبحت والدتى لا تريد أن أنمو مقلدًا لأبى، وأكون مجرد أديب، ولكنها تريدنى أن أتفرغ للصحافة، والعالم الصحفى، والسياسى، حتى أكبر وأتحمل مسئولية «روزاليوسف».
وقد يكون السبب الثانى، هو تكوين شخصيته من البداية، عندما قرر عدم الاستسلام لاختلاف العالمين اللذين عاش فيهما، مجتمع جده المحافظ، ومجتمع أبويه المتحررين، مما جعله يتساءل مرات كثيرة، أى منهما هو المجتمع الصالح؟. وعليه قرر أن يدرسهما، ويفكر فيهما، وأن يثور عليهما، ومن هنا بدأت رحلة «إحسان» مع القلم.
أما السبب الثالث فى تفوق الأديب على الصحفى والسياسى، هو اعترافه بأنه دائمًا ما ترك المؤتمرات، والتغطية الصحفية، فى الداخل والخارج، ليذهب ويجلس على المقاهى، ويسير فى الشوارع، ليعود بقصص لا حصر لها، تثمر عن أعمال أدبية، رفع فيها «النظارة السوداء» عن المجتمع المصرى.
كان هدف «إحسان الأديب» أثناء صنعه لمجده الروائى، واختلاقه لهذا الاتجاه الجديد فى الأدب العربى بشكل عام، والمصرى بشكل خاص، هو التركيز على قضايا الداخل، سواء الاجتماعية، أو السياسية، التى عاشها مجتمعه بمختلف طبقاته وأشكالة، خاصة القضايا الحرجة، وعلى رأسها، «العاطفة، والجنس، والجريمة» بكل صورها. فكتبها جميعًا بقلم «ليبرالى» بحت، مستخدمًا كلمات وصفية ومباشرة.
وكان اختلاف قضايا المجتمع، هو التفسير الوحيد للتحولات، التى شهدتها روايات وقصص «أمير القلوب».. حيث رأى - فى كل فترة- ما هو الشىء الذى يحتاجه مجتمعه. فمن مكان ملأه «البنات والصيف»، إلى «وادى الغلابة»، كان هناك مجتمع «حائر بين الحلال والحرام». وقبل جلوسه «على مقهى الشارع السياسى»، من أجل كتابة «خواطر سياسية»، تحدث قبلها عن «الهزيمة كان اسمها فاطمة»، وقال «الرصاصة لا تزال فى جيبى». أما فيما يخص الحالة النفسية الفردية لأبطاله.. فهى من أكثر المواضيع، التى أبرزت جسارة كلمات «الأديب»، فاستطاع أن يشرح الأحاسيس المتضاربة والتوتر النفسى فى أعماق شخصياته المضطربة، ولم يصفهم بالشر، إنما حلل مرضهم النفسى، محاولًا إيجاد تبريرات لحالتهم، وتفسيرًا لسلوكهم، حتى يتفهم المجتمع من هم أشباه هؤلاء فى الواقع. كما شرح تفاصيل دقيقة جدًا فيما يخص العاطفة، والانتقام، ناهيك عن أشكال المشاعر الوجدانية المختلفة، التى تمكن بجدارة من رسمها بكلماته، ليفتح أمام قارئه بحرًا واسعًا من الخيال، قاد فيه «إحسان» قارب «الفكرة».. والأجمل هو إيمانه، بأن الحل الوحيد، الذى يخلص النفس البشرية من أى نقاط سوداء، هو «الحب».
تجسدت مسيرة «إحسان» الأدبية فى 66 عملًا (بين الروائى الطويل، والمجموعات القصصية)، تم تمثيل أغلبها على شاشات العرض الكبيرة، والصغيرة بجانب المسرحيات، والقصص الإذاعية. بالإضافة إلى ترجمة العديد من أعماله الأدبية إلى عدة لغات، وعلى رأسها «الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية»، وحتى «الصينية، والأوكرانية». ورغم معرفة الكيان الصهيونى مدى كره «إحسان» الشديد لهم، وقوة تعاطفه مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عربية، إلا أن عددا من رواياته ترجمت إلى اللغة العبرية أيضًا.
على مدار 71 عامًا عاشها لم يكتف «إحسان عبدالقدوس» بأن يكلم وجدان مجتمعه على جميع مستوياته، آخذًا بيد القارئ العام ليرفعه على درجات سلم الفهم، بل فكر أيضًا بأن يتعدى عمره مئات الأعوام، عن طريق استمرار أعماله، وحفر اسمه على صفحات التاريخ، وهو حلم استطاع حقًا تحقيقه، وكانت أهم قوانين شرعه الخاص، هى «الإخلاص، الحرية، والشجاعة».


بقلم رئيس التحرير

الثوابت المصرية في القضية الليبية
خلال لقائه، أمس الأول، مع رئيس مجلس النواب الليبى «عقيلة صالح»، أكد الرئيس «عبدالفتاح السيسى»، على موقف م..

غلاف الإسبوع




RSS Twitter Facebook

بحث باسم الكاتب

بـحـث

مقالات

اسامة سلامة
ترحموا على الدكتورة مارجريت
د. مني حلمي
انتصار «إرادة الحياة»
محمد جمال الدين
ماذا حدث للمصريين؟
د. فاطمة سيد أحمد
« فاريا ستارك» والإخوان ( 12 ) الجماعة والنظام الإيرانى يعدمون (ناصر سبحاتى)
طارق مرسي
شفرة كازابلانكا
مفيد فوزي
خواطر فنية
عاطف بشاى
صالونات تنويرية
د. حسين عبد البصير
حكايات «ضمير العالم» فى مصر القديمة

كاريكاتير

بورصة الأخبار
التنكيت والتبكيت
Download PDF